مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية



د. اسامة عدنان يحيى

العيلاميون اطلق عليهم هذا الاسم من قبل الباحثين نسبة إلى بلادهم المسماة بلاد عيلام الواقعة في السهول الجنوبية الشرقية من إيران، وهو امتداد لسهول العراق الطموية الجنوبية. وعرف هذا الإقليم في المصادر السومرية باسم (NIM) الذي يعني النجد، أو الأرض المرتفعة، وسمي في المصادر الاكدية باسم (ايلامتو)(ilamtu)، في حين أطلق العيلاميون على أنفسهم اسماً يختلف تماماً عن ذلك، إذ ذكر في المصادر المسمارية العيلامية بهيئة خابرتي (Ḫa-pir-ti)، ويجوز قراءة العلامة الوسطى بهيئة (tam) فتصبح خاتامتي (Ḫa-tam-ti)، ويرد الاسم في العهد القديم بهيئة عيلام. أما المصادر الفارسية المتأخرة فيرد الإقليم بهيئة (Uvaja) أو(Huvaja)، ويعتقد بعض المتخصصين ان منه اشتقت الكلمة العربية خوز أو خوزي وحويزة أي إقليم خوزستان. في حين ذكرته المصادر الكلاسيكية باسم عاصمته سوسيانة. لا نعرف أموراً مؤكدة عن أصل العيلامين، وجل ما يمكن قوله بهذا الصدد أنهم لم يكونوا من الأقوام الهندية-الاوروبية، ولعل أصلهم من المنطقة الجبلية من جبال زاكروس، وهي منطقة تتاخم سهول عيلام في الشمال الشرقي وكذلك في سهول وادي الرافدين. لقد ذكر العيلاميون في المصادر العراقية القديمة منذ عصر فجر السلالات في إثباتات الملوك السومرية، وحتى عهد الدولة البابلية الحديثة (627-539 ق.م) في نصوص الملك نبوخذنصر الثاني عندما هاجمهما سنة 595ق.م.

اما اللولوبو(Lullubu) فهم من الأقوام الجبلية المستوطنة في جبال زاكروس، ويحتل إقليم اللولوبو الطريق المؤدي من بغداد إلى كرمنشاه، ثم إلى همدان وطهران. وقد وصل اللولوبو في تحركاتهم إلى سهل شهرزور قرب السليمانية. ونعـرف عن قدم العلاقات مع هؤلاء اللولوبـو، إذ هاجمهم سرجـون الأكدي(2371-2316 قبل الميلاد)،كـما تـوغل حفيده الملك نرام سين(2255-2218 قبل الميلاد) في أراضيهم، وانتصر عليهم وأقام منحوتة كبيرة نحتت على الصخر في أعالي جبال قره داغ عند ممر دربندي كاور. ونعرف من إحدى الكتابات أسم ملك من ملوك اللولوبو يدعى انو-بانيني (anu-baninni)(واسمه اكدي)الــذي تحدثت عنه أسطورة متأخرة، وتقول عنه انه سوط البلاد، وكـان مـن القـوة بحيث تمكـن مـن أن يقيـم مسلة نصر باسمه، غير أن حقيقة كتابة تلك المسلة باللـغة الاكدية يـؤكد انتشار تأثيـر الحضارة الاكدية حتى بين أعدائها. لا نعرف الكثير عن اللولوبو بعد فترة الحكم الأكدي إلا بعض الإشارات، إذ نعرف أن نبو خذ نصر الأول(1126-1103 قبل الميلاد) هاجم قبائل اللولوبو في منطقة قره داغ. ويخبرنا الملك ادد-نيراري الأول(1307-1275 قبل الميلاد) بأنه دحر جموع اللولوبو. كما أخبرنا توكلتي-نينورتا الثاني(891-884 قبل الميلاد)بأنه هاجم مواقع اللولوبو.

 

أما الكوتيـون(Guti) فقد سكنـوا جنوب مواطـن اللولوبو، وقد تمركزوا من مناطق همدان وما جاورها مـن المناطـق وسـط جبـال زاكروس،وقـد ذكـر الكوتيون في المصادر المسمارية إلى جانب اللولوبو. وكان الكوتيون من ضمن اللذين دحرهم نرام سين في هجومه الشهير على اللولوبو.  ويعـود انهيار الإمبراطوريـة الاكدية إلى هجماتهم العنيفة. وخـلال العصر الآشوري الوسيط نعـرف من الملك أرك - دين – أيلي(1319-1308 قل الميلاد) قـد هاجـم مواطنهم، كما هاجــمهم المـلك ادد-نيراري الأول أثنـاء عمليـاته العسكرية ضـد اللولوبو، وتمكن الملك شلمنصر الأول(1274-1245 قبل الميلاد)من إخضاع بلاد الكوتيين. ويردون في مدونات توكلتينينورتا الأول باسم (Uqumeni) وإنه تمكن من إخضاعهم،  كما هاجمهم الملك آشور-ريش-أيشي(1133-1116 قبل الميلاد).ويخبرنا الملك ادد-نيراري الثاني(911-891 قبل الميلاد) بأنه أخضعهم لسلطته.



د. اسامة عدنان يحيى

- خلق السماء والارض

          إن دراسة تنظيم الكون في ضوء الكتابات القديمة للسومريين و البابليين إحدى اعقد المسائل نظرا لتعدد المصادر التي تتحدث عن ذلك و اختلاف شخوص الالهة في كل مصدر عن الآخر بوصفه خالقا و منظما للكون، ففي نص اسطورة خلق انو للسماءنقرأ إن هذا الإله هو الذي خلق السماء : "عندما قام انو بخلق السماوات".

و في إحدى التراتيل نقرأ عبارة ان إينليل هو خالق الكون :

"آه يا إينليل

"عندما خلقت السماء والارض".

وفي نص صلاة للإله شمش نقرأ عنه انه : "خالق كل ما في السماء وما في الأرض". و في نص آخر يعود للملك سرجون الآشوري (722- 705 قبل الميلاد) يخص الإله ايا الذي ورد بهيئة (NIN- IGI- KU) نقرأ :" أنت يا من كونت العالم". ونقرأ عن الإله ايرا في نص:" آه يا ملك كل الأراضي المأهولة يا خالق   العالم".

          لقد كان الكون في نظر الحكماء السومريين مؤلف من السماء و الأرض بحـيث صار المصطلح الذي أطلقوه على الكون هو (AN-KI) وهي كلمة مركبة تعني السماء والأرض. وكانت الأرض قرصاً منبسطاً يعلوه فضاء شاسع مجوف هو السماء محاط من كل جهاته بسطح صلب على شكل قبة. و لكن لا يعرف بوجه التأكيد مادة ذلك الجسم السماوي الصلد . وإذا جاز لنا أن نقيس على حقيقة إن المصطلح السومري لمعدن القصدير يعني معدن السماء، فيحتمل بان يكون ذلك الجسم الصلد الذي تصوروه قصديرا . وميزوا عنصراً ما بين السماء والأرض دعوه ليل (LIL) و هي كلمة اقرب معانيها الهواء – النفس – الروح، وابرز ما عرفوا في مادة الهواء من خصائص هي الحركة و الامتداد، ولذلك فان تلك الكلمة تضاهي بوجه التقريب كلمة جو التي نستعملها. و اعتقدوا في الشمس و القمر والكواكب والنجوم إنها مكونة من نفس مادة الجو و لكنها تتميز علاوة على ذلك بصفة الإشراق و الإضاءة. ويحيط بالكون أي السماء والأرض من جميع الجوانب ومن الأعلى  والأسفل البحر اللأمتناهي الذي يكون فيه الكون ثابتا وغير قابل للحركة نوعا ما. و لكن متى قد حدث الانفصال بين السماء والأرض أو في الكون برأي السومريين ؟ لا تحدثنا الأساطير السومرية عن وقت محدد لانفصال السماء عن الأرض و لكنهم أكدوا عملية الانفصال ففي نص في مقدمة أسطورية تخص الأسطورة السومرية المعروفة بأسم كلكامش     واينكيدو و العالم الأسفل نقرأ:

"بعد ان أُبعدت السماء عن الارض

وبعد ان فُصلت الأرض عن السماء

وبعد ان عين اسم الانسان

وبعد ان اخذ آن السماء 

وبعد ان اخذ إينليل الارض".

و يستنتج كريمر من هذه الاسطر :

1.في زمن ما كانت السماء و الارض متحدتين.

2.كان بعض الآلهة موجودا قبل انفصال السماء عن الأرض.

3.بعد انفصال السماء عن الأرض كان الإله آن اله السماء هو الذي اخذ السماء و الإله إينليل هو الذي اخذ الأرض.

وفي نص نقرأ عن الالهة ناممو أو البحر الأزلية :"الام التي ولدت السماء و الارض ".

وفي اسطورة خلق الفأس نقرأ:

"أراد أن يبعد (أي إينليل) السماء عن الارض

وأراد أن يبعد الأرض عن السماء ....."

ومن هذه النصوص يخلص كريمر ان البحر الاول ولد الجبل الكوني المؤلف من السماء و الارض المتحدتين ،و بمقتضى تصور السومريين للآلهة على هيئة البشر كان الاله آن مذكرا و الالهة كي مؤنثا و من اتحادهما ولد الاله إينليل الذي فصل السماء عن الأرض. وهناك نص سومري يقول:

"عندما فصلت السماء عن الأرض

بعدما كانتا متصلتين

ظهرت الإلهة الام

وبعدما وضعت الأرض و ثبتت في مكانها

وبعدما وضعت الآلهة قواعد السماء و الأرض".

          لكن الصورة الأوسع عن خلق السماء والأرض نجدها عند البابليـين، وإن الكلمتين الدالتين على السماء و الأرض هما (šamû) أي السماء و(ersëtu) أو (ersitu) أي الأرض.

          تذكر ملحمة الخليقة البابلية انه بعد ان تم الإجهاز على قوى الشر اخذ مردوك يستعد لتنظيم الكون :

"عاد (أي مردوك) من جديد الى تيامة التي كان قد قيدها

وطأ السيد بقدميه قاعدة تيامة

بمطرقته التي لا ترحم فلق جمجمتها

وبتر أوردة دمها

فحملته ريح الشمال الى مواضع مجهولة

واذ رأى آباؤه هذا فرحوا و ابتهجوا

وحملوا إليه هدايا و عطايا

واذ هدأ السيد تأمل جثة تيامة

انه يريد ان يقسم المسخو يخلق منه أشياء جديدة ".

ثم بدأ مردوك يعمل من جسد تيامة الهامدة الكون فبدأ بالسماء

"فشقه الى اثنين مثل سمكة مجففة

ونظم نصفه و سقف به السماوات

وخطط الحدود و وضع حراسا

وخولهم مهمة منع مياهها من الخروج

واجتاز السماوات و فتش مواقعها

ووضع فيها بالمقابل بدل ابسو مسكن نوديمود ".

ثم نقرأ :

"بعد ان قاس السيد هيئة ابسو

على صورته أسس معبدا كبيرا ايشاررا

المعبد الكبير ايشاررا الذي خلقه كانت السماوات

حيث جعل انو و إينليل و ايا يشغلون أماكنهم المقدسة ".

ان النص غامض ويبدو فيه الكاتب هنا يتحدث عن السماء، اذ يقول: "المعبد الكبير ايشاررا الذي خلقه كانت السماوات". ولكن لفظ ايشاررا ينطوي على إشارة شعرية إلى الأرض التي جرى إظهارها هنا بهيئة هيكلا عظيما، يتخذ غطاء يستقر فوق الابسو. ونقرأ إشارة عن خلق الارض في ملحمة الخليقة البابلية :

"(من نصف تيامة) سقف الأرض و ركزها

(...) صب ترابا داخل تيامة

(و حولها بسط) شباكه و نشرها تماما

وبعد ان شيد السماوات و الأرض

عقد أربطتها لكي تكون محكمة الحبك".

ان دراسة فاحصة للنصوص المختلفة من اينومما ايليش يعطي لنا تصور البابليين لنشوء السماء والارض هذا التصور الذي يحتاج إلى توضيح فقد قام مردوك بشطر جسد تيامة الى نصفين من اجل خلق السماء والأرض. و لكن التساؤل المطروح لماذا يقوم مردوك بخلق السماء و الارض في وقت كان انو و ايا (اينكي) يمثلان على التوالي الهي السماء و الأرض ؟ أي بعبارة أدق انهما يمثلان الشيء ذاته الذي نسب تشكيله لمردوك بمعنى ان السماء و الارض موجودتان منذ ولادة هذين الإلهين ؟ يجيب الاستاذ جاكوبسن عن هذا التساؤل اذ يقول ان اينومما ايليش بسبب المادة الأسطورية التي تجمعها تصور خلق السماء بطريقتين في الأولى: يتكون السماء في شخص الاله انو الذي يعني اسمه السماء، وهو كذلك اله السماء، وفي الثانية يصنع اله الريح السماء من نصف جسم البحر. وإن في هذا تناقض واضح، ولكن هذا التناقض تقل حدته في فترة انتقل فيها التأكيد من مظاهر أجزاء الكون المرئية الى القوى التي يشعر الانسان بفعلها خلال هذه الأجزاء، أي ان انو يمثل للإنسان القوة الكامنة وراء السماء غير السماء     نفسها. وهذا التحليل ينطبق على خلق الارض أيضا ، أي ان ايا هو القوة الكامنة وراء الارض وليس الأرض ذاتها.

          تقدم لنا المصادر المتنوعة صور أخرى عن خلق العالم و تنظيم الكون ففي اسطورة خلق الكائنات الحية  نعرف ان الالهة سوية هم الذين خلقوا الكون:

"حينما أنجز الآلهة في مجمعهم [خلق العالم ؟]

فكونوا السماء و [شكلوا] الأرض ؟".

وفي مصدر آخر هو نص تعويذة الدودة و وجع الأسناننقرأ ان انو هو الذي خلق السماوات و لكن الأمر المهم هو ان هذا النص يقول ان السماء هي التي خلقت الارض:

"بعد ان خلق انو السماء

وخلقت السماء الارض".

وفي نص اسطورة خلق الانسان الاشوريةنقرأ :

"حينما أُنجز خلق السماوات والأرض تماما

(و) جيء بأم الإلهات إلى حيز الوجود

حينما جيء من بعد بالأرض و اتخذت الارض شكلها

حينما قدرت مصائر السماوات و الأرض".

يمكن الاستنتاج من هذا النص القصير ان :

1.إن السماء قد خلقت أولا وهو أمر أكدته بقية النصوص .

2.تم خلق أم الإلهات قبل الأرض

3. وبعد إن تم خلق السماء و أم الإلهات تم خلق الأرض التي اتخذت شكلها و هو شكل لم تحدده الأسطورة .

ان النص يذكر الارض قد اتخذت شكلها فما هو هذا الشكل ؟ لقد تصور البابليون و الآشوريون إن الأرض عبارة عن نصف كرة مقلوبة أو قبة طافية في المحيط أو قفة مقلوبة. وإن للأرض ثلاث مناطق هي المنطقة العلوية و هي الظاهرة التي يسكن فيها البشر و الأرض الوسطى موضع المياه ومنطقة اله المياه ايا و يلي ذلك الأرض السفلى و هي موضع أرواح الموتى وهي كلها منقسمة الى أربع قطاعات. ويمكن الافتراض ان البابليين عدوا الارض أزلية إذ نقرأ عبارة :" أزلية كما هي الارض". و في نص أسطوري يخص تنظيم الكون نقرأ فيه :

"حينما انو و إينليل و ايا الآلهة العظام

خططوا السماء و الأرض ".

وإن الرواية الأكثر تأخرا في وصف عملية خلق الكون نجدها عند بيروسوس.  يقول بيروسوس ان بيل شطر المرأة (ثمتة) شطرين شكل الارض من أحد شطريها و السماء من الشطر الآخر، و قام بتدمير الكائنات التي تحويها على ان هذا كله لم يكن وصفا رمزيا للطبيعة و ذلك انه لما كان الكون بأجمعه يتكون من الرطوبة فضلا عن ان المخلوقات الحية قد ولدت منها أيضا ، قام بيل الذي يناظر زووس بتقسيم الظلمة قسمين و بفصل السماء و الارض عن بعضهما و بإخضاع الكون لنظام ،غير ان الأشياء الحية  كانت قد هلكت و ذلك لعدم قدرتها على تحمل قوة إشعاع الضوء. في رواية بيروسوس نقرأ ذلك الإطار الرمزي الذي يفسر فيه خلق السماوات و الأرض من جسد تيامة . ومن الواضح أن بيروسوس كما يقول الاستاذ هايدل يسعى الى إقامة توافق بين بعض فلاسفة الإغريق و بين تأملات البابليين بغية جعلها اكثر قبولا لديهم  و من دون ان ينطوي ذلك ضمنا . على ان بيروسوس قد يوحي انه توصل الى مثل هذا التفسير من خلال تعمقه في دراسة الفكر الإغريقي، بل على العكس من ذلك فان نمط التفسير الذي يورده بيروسوس هنا كان دون شك معروفا لدى مفكري بابل واشور جميعا . فكل كاهن كان على معرفة بان تيامة ما هي الا تجسيد لماء البحر المالح الحاوي للعناصر الأولية كلها ، التي منها خلقت السماوات و الأرض فيما بعد ، ذلك انه و لفترات متأخرة من التاريخ البابلي والآشوري كانت تامتو وهي تطور لاحق لتياماتو التي اختزلت الى تيامة عندما تقرر استخدامها للدلالة على العنصر التكويني الأنثوي الأول للتعبير المألوف عن البحر أو المحيط. إن ذكر لعملية انفصال الأرض عن السماء لم تكن إحدى خصائص الفكر البابلي حسب بل نجد هذه الفكر قد سادت لدى المصريين القدماء، والعبريين، وحتى الرواية الإسلامية للخلق، وفي الأساطير الصينية.

 

-        خلق الأجرام السماوية وتنظيم الزمن:

          إن الأصل الذي نشأت عنه الأجرام السماوية و طبيعتها كالقمر و الشمس والكواكب لا نجد لها تفسيرا في المعتقدات العراقية القديمة، ولكن في رواية سومرية اعتبر السومريون الاله القمر المعروف بالاسمين سين وناننا ابن اله الهواء إينليل وزوجته ننليل .وتسوغ لنا هذه الحقيقة ان نستنتج انهم تصوروا القمر وهو الجرم النير الشبيه بالهواء و قد تكون بطريقة ما من الجو .و تخيل السومريون إن اله القمر مسافراً في قفة يجوب بها الفضاء تمكن من خلال سفرته هذه من أن يبعث بالضوء إلى إرجاء السماء فاستحالت ظلماتها الحالكة أنوارا لازوردية . و بما ان الاله الشمس المسمى اوتو (شمش) والالهة الزهرة اينانا يشار إليهما في النصوص على الدوام بكونها ولدي الاله القمر ، فيحتمل انهم تصوروا هذين الجرمين النيرين بأنهما خلقا أيضا من القمر بعد ان صنع هذا الجرم بدوره من الجو . و اله الشمس هذا هو ابن اله القمر ناننا وزوجته ننكال يوصف دوماً بكونه الإله الذي يشرق من جبل الشرق و يغرب من جبل الغرب . و إن بقية الكواكب و النجوم نجدها توصف شعريا  بانها : " الكبار الذين يسيرون حول القمر كالثيران الوحشية " و " الصغار المنتشرون حول القمر كالحبوب ". و في رواية ثانية وهي أسطورة خلق القمر و الشمس.نقرأ ان الالهة العظام الثلاثة انو و إينليل و اينكي أقاموا سوية مركب الإله القمر :

"حينما الالهة [العظام] انو و إينليل و اينكي

بمشيئتهم التي لا تحول و بأوامرهم العظمى

أقاموا مركب الإله القمر

لكي يجعلوا القمر المنجل يشع أول ما يشع فيكّون الشهر

وقد أقاموه شارة للسماء و الارض

لكي يجلب الضوء بمركب السماء

يتصاعد مرئيا في كبد السماء".

ان هذا النص السومري الذي لا يحدثنا عن الكيفية التي تكون بها القمر أو بالأحرى الاله القمر يعد تكملة منطقية لما قرأناه عن خلق القمر فبعد ان تم خلق الاله القمر قام الالهة العظام حسب هذا النص بإقامة موكب اله القمر و جعله شارة للسماء .

          لقد كتب البابليون عدة روايات عن خلق الأجرام السماوية و تنظيم الوقت، وإن النص المهم الذي يشرح خلق الأجرام السماوية و تنظيم الزمن هو مقطع من

ملحمة الخليقة البابلية. إذ نقرأ :

"(مردوك) خلق المكانة السماوية للآلهة العظام

وثبت النجوم و صورها النجمية كجوابين توأمين

عين السنة و رسم الفصول

ولكل من الاثني عشر شهرا وضع ثلاث نجوم

بعد ان رسم هكذا مدة السنة

أسس محطة نجمة القطب لتحديد الروابط بين النجوم

لئلا يرتكب أحدها خطا أو إهمالا

وضع بجانبها محطات إينليل و ايا

فتح أبوابا من جانبي السماء

وضع لها مزاليج قوية شمالا و يمينا

في كبد تيامة وضع أعالي السماء

وأضاء فيها ناننار و أودعه الليل

عين له ان يكون جوهرة الليل لتحديد الايام

فيسم بقرصه كل شهر بلا نهاية

حينما يطل بدء الشهر على البلاد

ستشع من الزوايا لتشير الى ستة أيام

وفي اليوم السابع ليكن القرص على النصف

وليشر الخامس عشر الى الاتزان في منتصف كل شهر

ثم حينما تنظر إليك الشمس في قاعدة السماء

بانتظام انتقص و تضاءل بصورة معاكسة

في يوم  اختفائك اقترب من طريق الشمس

ومعك لتشر نهاية اليوم الثلاثين من جديد الى الاتزان ".

ان هذا النص يحتاج إلى عدة توضيحات من اجل ان تكتمل الصورة التي رسمها البابليون عن تنظيم الكون . فالنجوم التي تذكر ملحمة الخليقة البابلية ان مردوك خلقها والتي تمت الإشارة إليها بكلمة لوماشي فهي تدل على أبراج الكواكب. وكلمة لوماشي تشير إلى مجموعة الأبراج، وإن المحطة النجمية التي عرفت بنجمة القطب أو نيبرو (Nebiru) وهو يمثل جوبيتر. أما محطات إينليل و ايا المذكوران في النص فهي تعني المدار إذ يوازي مدار إينليل المجموعة الشمالية ويوازي مدار ايا المجموعة الجنوبية، وهناك مدار انو و يحدد بالمجموعة الاستوائية التي تحدد بحوالي اثني عشر درجة على جانبي خط الاستواء. أما ما يذكره النص إن مردوك فتح أبوابا من جانبي السماء و في قراءة ثانية فتح بابا في كل من الصوبين فهو إشارة إلى البوابتين الأسطورتين عند شروق الشمس و غروبها ، إذ تشرق الشمس من إحداها كما يعتقد و تغيب من الأخرى. أما نهاية النص فهو يتحدث عن حركة القمر عندما يبدأ ثم يكتمل بدرا في مقابل الشمس مباشرة وثانيا عندما يقع القمر بين الأرض و الشمس عند نهاية مدة الاحتجاب تماما قبل أن تدركه الشمس عند الأفق الغربي قبل غروبها (القمر الجديد). ومن مصدر آخر هو أسطورة خلق القمر و الشمس (النص البابلي)نعرف معلومات أخرى عن خلق الأجرام و تنظيم الوقت إذ نقرأ إن الآلهة العظام انو و إينليل و ايا ثبتوا شارات السماء و الأرض و أودعوا إلى الآلهة العظام خلق اليوم و تجدد الشهر وعدوها شارة للبشر و يقول النص:

"حينما انو و إينليل و ايا

الالهة العظام بمشيئتهم التي لا تحول

ثبتوا شارات السماء و الارض

وأودعوا إلى أيدي الآلهة العظام

خلق اليوم و تجدد الشهر شارة لـ

الجنس البشري الذين يرقبون الشمس عند بوابة انطلاقها    

في الوسط بين السماء و الارض هم حملوه على ان يلبث دونما إخفاق ".

 

ان هذا النص يوضح ان خلق اليوم وتجدد الشهر بيد الالهة وان عبارة تجدد الشهر يمكن ربطها بشكل منطقي مع الوصف لحركة القمر الوارد في اينومما ايلش، وان هذه الاسطورة توضح ان القمر موقعه بين الارض و السماء. ونفهم من رواية بيروسوس إن الإله مردوك خلق النجوم و الشمس و القمر و الأفلاك الخمسة بعد خلق البشر و باقي الأجناس. وان هذه الفكرة تتناقض مع التسلسل الذي تعطيه اينومما ايليش للخلق.



مراحل الحرب الباردة

د. ايناس سعدي عبد الله

هذا البحث جزء من كتاب: الحرب الباردة تاريخ العلاقات الامريكية-الروسية/تأليف الدكتورة: ايناس سعدي عبد الله

قسمت الحرب الباردة إلى مراحل عدة،وكانت كل مرحلة تعكس نمطاً من العلاقات بين المعسكرين تبعاً لتضارب أو توافق المصالح السياسية خلال المدة الزمنية من 1945 – 1991،ومن أجل إبراز خصائص كل مرحلة قسمت الحرب الباردة إلى خمس مراحل أساسية.

المرحلة الأولى:مرحلة المواجهة 1945-1953.

في عام 1945 انتهت الحرب العالمية الثانية لتأخذ العلاقات الدولية منحنى جديد في تاريخها ويبدو أن قادة الولايات المتحدة على الأقل كانوا وقبل نهاية الحرب يرون إن المهمة القادمة كانت تتطلب إخضاع الاتحاد السوفيتي وفي اقل تقدير إضعاف نفوذه القادم في أوربا ويتضح ذلك جليا في ما قاله العالم النووي الأميركي "لي زيلارد" في مذكراته التي نشرها بعنوان:"التاريخ الشخصي للقنبلة النووية"، أن وزير الخارجية الأمريكي بيرنز اجتمع به في البيت الأبيض،وأن بيرنز كان يؤكد على أن "امتلاكنا للقنبلة (الذرية) وإظهار فعاليتها سوف يجعل الاتحاد السوفيتي أكثر طواعية في أوروبا".لقد تميزت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية  ومنذ عهد الرئيس ترومان بتوجه جديد يحدد معالم السياسة الخارجية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.وكان هذا التوجه قائماً على تدخل الولايات المتحدة في شؤون العالم بهدف احتواء انتشار الشيوعية في العالم،وبالقوة إذا اقتضى الأمر. ومن اجل أن ينفذ ترومان سياسته أكد إن أمن الولايات المتحدة لا يتم إلا عن طريق حرب شعواء على الشيوعية،أي حرب على الأنظمة الشمولية.وفي هذا الصدد، قال ترومان:"إن الأنظمة الشمولية المفروضة على الشعوب الحرة، بالاعتداء المباشر أو غير المباشر، تُضعف أسس السلام الدولي؛وبالتالي، تضعف أمن الولايات المتحدة".ورسم العالم على نحو تبسيطي، قائم على ثنائية الخير والشر، حيث دعا شعوب العالم إلى الاختيار بين الجانب الصالح -الديمقراطيات الغربية واقتصاديات السوق الحُر- والجانب السيئ -الأنظمة الشيوعية- إذ قال:"يجب على كل دولة في المرحلة الراهنة من التاريخ البشري أن تختار نمطها من بين أنماط الحياة". وقال كذلك:"من بين أنماط الحياة الموجودة، نمط يقوم على رغبة الأغلبية، ويتميز بوجود مؤسسات حرة". و"أما نمط الحياة الثاني، فيقوم على رغبة أقلية تفرض على الأغلبية بالقوة،وتقوم على الترهيب والقمع". وبعد ذلك، مضى ترومان إلى الإعلان عن الأسس الجديدة للسياسة الخارجية الأميركية، أو ما عرف لاحقاً بـ"مبدأ ترومان" حيث قال:"أعتقد أنه ينبغي أن يكون قوام سياسة الولايات المتحدة على دعم الشعوب الحرة التي تقاوم الاستعباد والخضوع اللذين تحاول الأقلية المسلحة أو الضغوط الخارجية فرضهما".

لقد تميز عام 1946 بتوتر متزايد في العلاقات الدولية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وخاصة بعد تسريح الجيش الأمريكي السريع والذي لم يتبعه تسريح مقابل من الجيوش السوفييتية،وأوجد هذا جواً من الشك وزاد سوء ظن المقابل.إذ كانت بدايات الصراع في أوربا،وخلال  هذه المرحلة صدر مبدأ ترومان ومشروع مارشال.

لقد تميزت هذه المرحلة بعدة صراعات داخل أوروبا كان أهمها  الصراع الشديد لاقتسام قارة أوربا،إذ انقسمت ألمانيا إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية والتي كانت تدعم من قبل السوفييت،وجمهورية ألمانيا الاتحادية والتي كانت تدعم من الولايات المتحدة،ورفض كل من الطرفين الاعتراف بالأخر، فقد كان انقسام ألمانيا بادرة أولى نحو انقسام أوربا بين الكتلتين المتصارعتين. فضلا عن ظهور عدد من الاضطرابات في  تركيا نتيجة مطالبة الإتحاد السوفييتي من تركيا بتصحيح الحدود الشرقية وإعادة ولايتي قارص وأردهان إلى الاتحاد السوفييتي وكذلك تعديل معاهدة (مونترو) ونظام حماية المضايق البحرية التركية على أن تكون تركيا والإتحاد السوفييتي لوحدهما مسؤولتين عن حمايتها كذلك منح مؤسسات بحرية وجوية للقوات السوفييتية،وتعديل نظام الحكم في تركيا وجعله ديمقراطياً، ونتيجة لذلك احتارت تركيا في توجهاتها في السياسة الخارجية بين الكتلتين العالميتين اللتين فرضتا نفسيهما على عموم العالم إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ومن الأزمات الأخرى التي شهدتها المرحلة كانت الحرب الأهلية في اليونان فقد غرقت اليونان في حرب بين اليمين الحاكم واليسار من الشيوعيين  والتي استمرت عدة سنوات(1945-1949) وقد كانت ألبانيا المجاورة لليونان قد أصبحت آنذاك تحت الحكم الشيوعي وتحولت إلى قاعدة مهمة لدعم القوات اليسارية في اليونان بالمال والسلاح.فضلا عن مساندة كل من بلغاريا ويوغسلافيا لليساريين، وقد تخوفت الولايات المتحدة من احتمال زيادة انتشار الشيوعية في اليونان،فقد كان ترومان يخشى بشدة المد الشيوعي على كل من اليونان وتركيا وقد أعلن:"إن وجود اليونان اليوم بات مهدداً من قبل الأنشطة الإرهابية التي يقوم بها بضعة آلاف من الرجال المسلحين، بزعامة الشيوعيين، الذين يتحدون سلطة الحكومة".وكذلك بريطانيا التي أخذت على عاتقها إمداد الحكومة اليونانية بالمال والسلاح لمواجهة الحرب الأهلية مع الشيوعيين،وقد انتصر اليمين بدعم من الغرب.ولكن كان لهذه الحرب تداعياتها ذ بعد انتصار القوى اليمينية في اليونان ارتأت الحكومة اليمينية الجديدة فرصة لتحريك وتحقيق الطموح اليوناني القديم بضم ألبانيا الجنوبية،فقد كانت ألبانيا متهمة بدورها في الحرب الأهلية،وكان مناخ الحرب الباردة المتوتر يساعد اليونان على المضي في طموحاتها وشن حرب خاطفة على ألبانيا بحجة إسقاط الحكم الشيوعي فيها إلا إن المفارقة إن الولايات المتحدة كانت تضغط في الاتجاه المعاكس،ومن خلال حلف الشمال الأطلسي،للحد من الاندفاع اليوناني والسبب في ذلك إن ألبانيا كانت عضو في حلف وارسو وبالتالي كانت الولايات المتحدة تخشى من اندلاع حرب قد تتجاوز الحدود الألبانية وتصطدم بالاتحاد السوفيتي،كذلك كانت الولايات المتحدة مشغولة بالمشكلة الكورية.

وفي تشيكوسلوفاكيا  في شباط 1948 حدث انقلاب شيوعي فقد كانت تشيكوسلوفاكيا هي  الدولة الوحيدة من الدول المتحالفة مع  الإتحاد السوفييتي التي ظلت محتفظة بنظامها الديمقراطي على الرغم من توالي الحكومات إذ ظلت تحرص على علاقتها بالاتحاد السوفييتي، ولكن هذه العلاقة لم تكفِ في نظر الروس لاعتبار أن تشيكوسلوفاكيا دولة صديقة يؤمن جانبها،لذلك صدرت الأوامر للشيوعيين التشيكيين بالقيام بالانقلاب،وبذلك طبق النظام الشيوعي في البلاد منذ هذا التاريخ.

على الرغم من أن أوربا كانت آنذاك الجبهة السياسية للصراع بين الشرق والغرب، ولكن الأزمات التي بدأت بالعلاقات الأمريكية-السوفييتية تقترب بها لم تؤدِ إلى المجابهة العسكرية المباشرة بينهما،وإنما أدت إلى سلوك تميز بالمرونة المتبادلة وهذا مما ساعد على تصعيد احتمالات الحرب النووية، وقد أكدت مثلاً الحرب الكورية 1950 ذلك عملياً،ففي خلالها طرح مارك آرثر القائد العام للقوات الأمريكية فكرة استخدام السلاح النووي ضد الحشود الصينـيةلـتدميرها، لكن فكرته لم تجد استجابة من قبل أيزنهاور ذلك خشية من رد الفعل السوفييتي.ومن التطورات المهمة في هذه المرحلة نجاح الثورة الصينية 1949 وأدى هذا إلى عقد معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفييتي،إذ آمن ماو سي تونغ الزعيم الصيني انه في عقد هذه المعاهدة أمن جناح روسيا الشرقي، وخاصة بعد أن اكتسب هذا التحالف الصيغة العسكرية مع الصين.وكذلك ظهر في هذه المرحلة مجموعة من الأحلاف الدولية إلي أعلنها كلٌ من الطرفين، إذ أعلنت الولايات المتحدة إنشاء مجموعة من الأحلاف الدولية التي ربطت موجبها مجموعة الدول الغربية،وكان من أهم هذه الأحلاف حلف الناتو 1949.وكما أعلن الاتحاد السوفييتي مجموعة من الأحلاف ربطت الكتلة الشرقية بعدد من الأحلاف أهمها حلف وارسو 1953.

المرحلة الثانية:مرحلة التعايش السلمي 1956 -1969.

اتسمت هذه المدة بأنها أشد سنوات الحرب الباردة وخاصة في نهاية الخمسينات وبداية السينات،إذ تعتبر مدة انتقالية في سياق تطور صراع الشرق والغرب،إذ أنها شهدت تأرجح العلاقات بين الطرفين من لحظات المواجهة الساخنة التي أوشكت أن تتحول إلى حرب نووية،كما حدث في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.شهدت العلاقات السوفيتية الأمريكية هدوءاً نسبيا في بداية هذه المرحلة،ولاسيما في منتصف عام 1958،وقد ظهرت بوادر التعاون التجاري بعد أن أدرك الطرفان إن كلا الدولتين تمتلكان قوة اقتصادية كبيرة،وتظهر بوادر التفاهم في الرسائل المتبادلة بين رئيس الوزراء السوفيتي خرشوف والرئيس الأمريكي إيزنهاور.ويبدو إن الأمر الذي عكر هذا الهدوء هو إسقاط طائرة التجسس U-2 التي كانت تقوم برحلات استطلاع وتصوير فوق الاتحاد السوفييتيمنذ عام 1956 فقد أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية طائرات الاستطلاع والتجسس الاستراتيجي U-2 بمهامها الاستطلاعية فوق الأراضي السوفيتية على الارتفاعات العالية جداً، ولم يعلم السوفييت شيئاً عنها إلا في عام 1958م، وكان (ريتشارد بيزل) نائب المخابرات المركزية الأمريكية،والمسئول عن برنامج طائرات التجسس U-2يرى أن هذه الطائرات نجحت في جمع المعلومات الهامة عن الاتحاد السوفيتي وقد تمكن السوفيت من إسقاطها في عام1960وكان لهذا الحادث تداعياته السياسية الخطيرة  إذ أعلن خروشوف في اجتماع مجلس السوفيت الأعلى في 5/أيار/1960:"إن يوم 16 أيار كان مقرراً لانعقاد مؤتمر قمة في باريس يضم قادة الاتحاد السوفيتي،والولايات المتحدة،وبريطانيا،وفرنسا،وأن نجاح هذا الاجتماع مهم للغاية، حيث كان مقدراً لنا إرساء قواعد قوية للتعايش السلمي بين الدول ذات النظم الاجتماعية والسياسية المختلفة"،واستطرد قائلاً:"لكن هناك ما يدعو للقلق، فإن عليَّ الآن أن انقل لكم العمل العدائي الذي قامت به الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي في يوم عيد العمال السوفيتي"،وقال:"إن هناك دوائر أمريكية تريد تفجير مؤتمر القمة،وهي تعمل ضد الاتفاق بين الجانبين"وكان من ابرز نتائج إسقاط  طائرة U-2 القضاء على مؤتمر الأقطاب المقرر عقده في باريس يوم 16 أيار 1960م، وفتحت مجالاً واسعاً لحملات الهجوم الدعائي المتبادل بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وأوجدت لدى السوفيت نوعاً من عدم الثقة في نوايا الولايات المتحدة، وأصبح الاتفاق بين الدولتين حول نزع السلاح أمراً بعيد المنال.وكان من نتائج هذا الحادث أيضاً إقدام الاتحاد السوفيتي على استئناف تجاربه النووية التي كانت متوقفة أكثر من ثلاث سنوات.

مع ذلك شهدت هذه المدة لحظات من الهدوء والتفاهم والانفراج التي لم يعهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكن تميزت هذه المرحلة لاسيما  في حقبة  الستينيات حدوث تصدعات وانقسامات داخلية خطيرة ضمن كل من المعسكرين،ففي الشرق الاشتراكي برز الخلاف السوفييتي-الصيني الذي فرق وحدة الشرق وأنهى تفرد الاتحاد السوفييتي بزعامة الشرق،وكما شهد الغرب الرأسمالي انقساما خطيراً تمثل بخروج فرنسا على الإدارة الأمريكية وانسحابها من القيادة العسكرية لحلف الشمال الأطلسي ودعوتها لاستقلال أوربا من الهيمنة الأمريكية.إن هذه الانقسامات التي ميزت مدة الستينيات دفعت كلاً من الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي إلى إجراء مراجعة شاملة والقيام بتقييم لمعرفة حجم المكاسب والخسائر التي حصلت خلال السنوات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية،واتضح للاتحاد السوفييتي أنه استطاع أن يحافظ على مد نفوذه في أوربا الشرقية،وأصبح له تأثير في معظم حركات التحرر في دول العالم الثالث، وكما حقق الاتحاد السوفييتي اكبر الانجازات عندما أطلق أول صاروخ عابر للقارات1957،وإرسال مركبة سبوتنك إلى الفضاء عام  1957،أما الولايات المتحدة فقد لاحظت بأنها أصبحت الدولة النووية الأولى في العالم، وكما تمتلك أعظم قوة اقتصادية دون منازع، إذ تحول الاقتصاد الأمريكي خلال هذه السنوات إلى اقتصاد كوني قادر على تعزيز هيمنة الولايات المتحدة السياسية والدبلوماسية على العالم المعاصر، فحققت هذه المراجعة إلى قام بها كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة بأن لهما مكاسب عديدة أظهرت لهما بأنه لابد من تهدئة الصراع وتفادي أية مواجهة نووية وأنه يجب إيجاد صيغة جديدة للتعايش السلمي بينهما.

إن هذه الرغبة الجديدة في التفاهم والتعايش السلمي بين الشرق والغرب لم تتحول إلى سياسة واضحة المعالم إلا عند مجيء ريتشارد نيكسون إلى رئاسة الولايات الأمريكية المتحدة عام  1969،إذ أعلن نيكسون عن رغبته في تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في عدد من المفاوضات الشاملة بين الشرق والغرب.

المرحلة الثالثة:مرحلة الوفاق الدولي 1969 - 1976

بعد انتهاء أزمة الصواريخ الكوبية أخذ كل من الطرفين بتحسين علاقاتهما واكتشاف آفاق التفاهم فيما بينهما،ولقد بدأ التوجه يتبلور في شكل سياسات ملموسة مع إقدام فرنسا على اتخاذ خطوات جريئة لتحسين علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي ورغبتها في الانفتاح على دول الشرق،وكما حرصت ألمانيا على إتباع خطوات فرنسا وأعلنت عن سياسة خارجية جديدة عرفت بإستراتيجية(الانفتاح على الشرق)وارتبطت هذه السياسة الجديدة باسم المستشار الألماني(ويلي براندت) الذي بدأ بحملة جديدة في السياسة الخارجية في عام1969إذ عرض توقيع معاهدات مع بولندا والاتحاد السوفييتي يوجه فيها اهتماما بالمصالح الأساسية لهذين البلدين،وكما عرض على تشيكوسلوفاكيا اتفاقيات تجارية وتعويضات لضحايا النازية،وقبلت هذه العروض وبدأت المفاوضات،لكن (براندت) كان حريصاً على ضمان الدعم من حلفائه وكما حاول الضغط على دول الغرب للتفاوض على اتفاقية رباعية مع الإتحاد السوفييتي في برلين.

        لاقت سياسة الانفتاح على الشرق ترحيباً من الاتحاد السوفييتي الذي كان ينادي هو الآخر بسياسة التعايش السلمي الذي هيئ المجال أمام جولات الحوار الجاد بين الشرق والغرب لتدعيم فرص التفاهم فيما بينهما،ومن اللافت للانتباه إن هذا التوجه نحو تعميق الانفراج جاء في وقت كان فيه جنود الولايات المتحدة يخوضون معركة خاسرة في فيتنام.وعندما تولى ريتشارد نيكسون رئاسة الولايات المتحدة حوّل الوفاق من مجرد شعارات إلى سياسة حقيقية والى واقع من وقائع الحياة السياسية الدولية المعاصرة، ولكن على الرغم من ذلك عرف عن نيكسون عداءه الشديد للشيوعية وبعدم ثقته بالاتحاد السوفييتي فقد تغيرت سياسته حيال الاتحاد السوفييتي من المناداة بوجوب دحره عام 1953 إلى البيان عام 1967 بوجوب احتواءه، إذ نشرت صحيفة نيويورك تايمز عن موقف نيكسون:"منذ سبعة عشر عاماً تحدث نيكسون نائب الرئيس أمام جمعية محرري الصحف الأميركية،فأطلق منطاد الاختبار الشهير معترفاً أنه إذا دعت الضرورة فأن القوات الأمريكية البرية سوف تُستخدم في الهند الصينية لمنع استحواذ الشيوعيين عليها،وأوضح إن القوات الأمريكية لن تنسحب باجمعها من الهند الصينية حتى يطور جزء من تلك البلاد(فيتنام الجنوبية) مقدرته  على الدفاع عن نفسه ضد الغزو الشيوعي".وعلى الرغم من ميول نيكسون المتطرفة القائمة على شعارات الحرب الباردة، إلاّ أنه فتح آفاق الوفاق وأنه الزعيم الذي أخذ على عاتقه زيارة موسكو والتفاوض مع الزعماء السوفييت،والتوقيع على جملة من الاتفاقيات التي وضعت حلولا سياسية للعديد القضايا العالقة مابين الشرق والغرب.وتنفيذاً لسياسة التعايش السلمي،عقدت قمة موسكو 1972 بين بيرجينيف  رئيس الاتحاد السوفييتي ونيكسون رئيس الولايات المتحدة، وأعلن نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر مبادئ سياسة التعايش السلمي،وهي:

1.أن تعارض محاولة قيام أي بلد لتحقيق موقع السيطرة عالمياً أو إقليمياً.

2.أن تقاوم أية محاولة لاستغلال سياسة الانفراج لإضعاف تحالفاتها.

3.سنقوم بالرد إذا كان تحقيق التوترات قد أستخدم كغطاء لإشعال النزعات في مناطق المشاكل العالمية.

لقد تراجعت الحرب الباردة تدريجياُ أمام الانفراج بين الشرق والغرب نتيجة ظهور العديد من المستجدات أهمها:

1.حدوث تغيرات داخلية هامة في الاتحاد السوفييتي بعد وفاة ستالين.

2.تزايد كميات الأسلحة النووية وتزايد مخاطر اندلاع حرب نووية عابرة.

3.تصاعد نفقات سباق التسلح والحاجة المعيشية والاقتصادية لوضع حد لهذا الإنفاق العسكري المرهق.

4.حاجة الإتحاد السوفيتي إلى الحصول على التقنية من الغرب لإنجاز وإكمال التنمية والتحديث الاقتصادي.

5.اكتشاف الولايات المتحدة فشل سياسة الاحتواء و فشل سياسة المواجهة مع الاتحاد السوفييتي ورغبتها في التأثير في السلوك السوفييتي من خلال التعامل معه.

6.بروز الصين كدولة فاعلة ورغبة الاتحاد السوفييتي في وضع حد للتقارب الأمريكي-الصيني.

لكن رغم أهمية هذه المستجدات إلاّ أن السبب الأهم من ذلك فهو اقتناع الولايات المتحدة والغرب بأن الوقت قد حان للاعتراف بالاتحاد السوفييتي كدولة عظمى لها مصالحها ونفوذها في العالم.فحسم الشرق والغرب أمر العلاقات بينهما خلال مرحلة السبعينيات والتوصل إلى صيغة التفاهم في حل القضايا الخلافية المتعلقة بأوربا، وكانت أبرز تلك القضايا هو إعادة جلسات الحوار بين الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة حول مشكلة برلين،إذ أستطاع الطرفان التوصل إلى صيغة نهائية لحل هذه المشكلة،وتم التوقيع على وثيقة لحل هذه المشكلة عام 1972 من قبل (فرنسا، بريطانيا، الاتحاد السوفييتي، الولايات المتحدة) وكان هذا الاتفاق بمثابة نقطة البدء لعقد مؤتمر الحوار والتعاون الأوربي في مدينة هلسنكي 1972 لإقرار جدول الأعمال،وتم عقد المؤتمر الثاني عام 1973،ثم عقد المؤتمر الثالث 1975 على مستوى رؤساء الدول حضرته (33 دولة) ووقعت هذه الدول على الوثيقة النهائية التي عرفت بــ (وثيقة هلسنكي)،وتضمنت هذه الوثيقة على عدة مبادئ منها:

1.الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة بين الشرق والغرب،والتعهد بحل المنازعات بينهما بالطرق السلمية.

2.التعهد بعدم انتهاك الحدود الإقليمية القائمة في أوربا أو التعديل فيها،و الاعتراف بشرعية الوضع الجغرافي القائم.

3.التعهد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة كل دولة.

4.وجوب احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

5.توسيع وتعميق التعاون الاقتصادي والعلمي والفني بين الشرق والغرب.

6.تعزيز روابط الاتصال بين الشرق والغرب.

7.التعهد بإزالة أسباب سوء التفاهم والتقليل من أخطار النزاعات المسلحة في القارة الأوربية والعمل على تخفيض حجم القوات المسلحة المتواجدة في أوربا.

تعد هذه الوثيقة هي من أهم الإنجازات السياسية لمرحلة الوفاق،إذ توالت بعد توقيع هذه الاتفاقية مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والجماعية،ومن ناحية أخرى على صعيد العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي فقد تجسد الوفاق في عدة لقاءات ثنائية بين الطرفين وتوصلا إلى عقد عدة اتفاقيات عسكرية واقتصادية وعلمية متنوعة،وكما توالت لقاءات القمة في موسكو 1972 وقمة واشنطن 1973 وقمة فلاديفستوك 1974 وقمة موسكو 1974.

المرحلة الرابعة:انتكاسة الوفاق 1976 -1985.

لم يدم الوفاق أو الانفراج طويلاً إذ سرعان ما عاد الشرق والغرب إلى الحرب الباردة قبل انتهاء عقد السبعينات،بل وإن البعض أطلق عليها الحرب الباردة الثانية،وقد أدى هذا بطبيعة الحال إلى العداء التقليدي الذي قام طويلاً بين الطرفين وظل قائماً آنذاك،إذ تم تغليب التناقضات الإيديولوجية والعسكرية،ومما ساعد على تعميق هذا التوجه نحو تصعيد التوتر بروز حكومات غربية يمينية معادية للاتحاد السوفييتي،ففي بريطانيا أنتصر حزب المحافظين وتولت مارغريت تاتشر رئاسة الحكومة البريطانية،وفي ألمانيا أنهزم الحزب الديمقراطي الذي تبنى سياسة الانفتاح على الشرق،وكما اقتربت فرنسا برئاسة فرانسوا ميتران من المعسكر الغربي وحلف الأطلسي،وفي اليابان برزت شخصية رئيس الوزراء (ياسو هيرو تاكو سوني) الذي ألغى جميع مظاهر التقارب مع الاتحاد السوفييتي وانحاز كلياً إلى الولايات المتحدة،واتخذت جميع هذه الحكومات سياسة معادية للاتحاد السوفييتي واتبعت إستراتيجية مضادة للوفاق،فكانت هذا إيذاناً بتدهور العلاقات بين الشرق والغرب وبدء مرحلة جديدة من الحرب الباردة.فضلا عن ذلك تدخل الاتحاد السوفييتي في أفغانستان 1979، كان قد صعد الموقف،إذ يمثل هذا تحدياً للمصالح الأمريكية ويبدو إن احتلال أفغانستان كان يشكل تهديدا حيويا لأمن دول المحيط الهندي،بل أن الولايات المتحدة عدت ذلك خطرا على امن منطقة الخليج ذاتها لذا يذكر جيمي كارتر الرئيس الأمريكي في خطابه عام 1980:"أن أية محاولة من أي قوة خارجية لكسب السيطرة على منطقة الخليج سوف تعد اعتداءا لابد من مواجهته بأية وسيلة ضرورية بما في ذلك القوة العسكرية". لقد جاء هذا التدخل العسكري لكي يحدث تحولاً حاداً في فكر الرئيس وفي اتجاه إدارته،فجعلت هذه الأحداث بداية لسلسلة التراجع في العلاقات السوفييتية – الأمريكية.

من جانب أخر عندما زحفت القوات السوفيتية على الأراضي الأفغانية في مطلع عام 1980م كان الهاجس الأهم والرئيسي الذي كان يشغل القيادة السوفيتية في ذلك الوقت هو تصور مفاده إن القيادة الأفغانية سوف تنصرف إلى العالم الغربي وإلى الولايات المتحدة الأمريكية،إذا لم تجد مساعدة من الجيش الأحمر السوفيتي ولذلك رأت القيادة السوفيتية في ذلك الوقت إن التدخل في أفغانستان هو الذي سوف يوقف الوجود الأمريكي في هذا الجزء من العالم.ويشير البعض إن من أسباب التدخل السوفيتي في أفغانستان هو رغبة الاتحاد السوفييتي في ترجمة تقدمه العسكري إلى نفوذ وقوة سياسية في الساحة الدولية مع تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة،في ظلِّ الوفاق الدولي بينهما آنذاك. وذكر بعض المحللين الأمريكيين أن الاتحاد السوفييتي كان يعتقد أن واشنطن تعتبر أفغانستان منطقة هامشية بالنسبة لها،ولن يدفعها تدخل السوفيت إلى حدوث مواجهة مباشرة بين البلدين، وبالتالي فإن عملية الغزو السوفييتي لأفغانستان قد تكون رسالة إلى بزوغ نجم موسكو كقوة عظمى نشطة عالميًّا مجددا.

بعد تولي (رونالد ريغان) رئاسة الولايات المتحدة استخدم سياسة الترهيب للسوفييت واستنزاف قدراتهم الاقتصادية في سباق التسلح،وإطلاق مبدأ عسكرة الفضاء أو مبادرة الدفاع الاستراتيجي (SDI)،كان هذا بداية لانجرار السوفييت وراء الولايات المتحدة لتصفية المشاكل العالمية التي كان لكلا الطرفين يد فيها،لذلك اعتمدت سياسة ريغان على تقوية القوة العسكرية والبناء العسكري الذي يجب أن تكون له الأولوية المطلقة وإن اتفاقيات الحد من التسلح لم يستفد منها إلا الاتحاد السوفييتي،وان هذا البناء سينتج عدداً من الحلول للتحديات الخارجية التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية، وهي:

1.سيمكنها من التفاوض من موقع القوة.

2.سيجبر موسكو على التفاوض حول اتفاقيات نزع السلاح بشروط أقل.

وكما يذكر وزير الدفاع بإدارة ريغان واصفا القدرة العسكرية الأمريكية:"أن هناك إدراكاً واضحاً أن قدراتنا العسكرية قد انخفضت بشكل محزن،وأن ريغان يدرك هذا، وكان مصمماً أن يدخر القدرة العسكرية التي يمكن أن تساند مواقف أمريكا والتي بدونها ستصبح مواقفها خالية من أي مضمون". مع تناقص القدرة العسكرية الأمريكية مقابل تزايدها على الجانب السوفييتي،فقد صدرت عام 1983 وثيقة دفاعية تصف القدرة العسكرية السوفييتية وما تمثله من تهديد للولايات المتحدة،وجاء في هذه الوثيقة:"أن الولايات المتحدة تواجه في الثمانينيات تحديات خطيرة لأمنها القومي، فقد تآكلت مناطق تقليدية للتفوق الأمريكي على الاتحاد السوفييتي بسبب البناء العسكري السوفييتي الشامل للقوة العسكرية،والذي لم يقابل بشكل كافٍ من الولايات المتحدة وحلفاءها،زيادة على ذلك شجع الاتحاد السوفييتي حروب التحرير الوطنية وأيدها، وهكذا كان السوفييت يفرضون تهديداً خطيراً للولايات المتحدة وحلفاءها ومصالحها على كل مستويات الصراع، وعلى نطاق واسع".

كانت التطورات الداخلية في الولايات المتحدة أثرها الكبير على تراجع سياسة الوفاق خلال عهد ريغان،ففي سني الثمانينات صعد نجم المحافظين الجدد.لقد كان المحافظون الجدد يرون أن الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي ألا تخجل من استخدام قوتها التي لا توجد قوة منافسة لها - بكل حزم إذا اقتضت الضرورة ذلك -لنشر القيم الأميركية في العالم. ويتحدث البعض منهم حتى عن إقامة إمبراطورية أمريكية.ويرى المحافظون الجدد بأن المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية تتطلب اتخاذ خطوات استباقية سواء عسكرية أو خلافه للتعامل معها بشكل فعال، ولا يمكن احتواؤها بغير هذا الأسلوب.ويرى معظم المحافظين الجدد بان عدم الاتفاق بقدر كاف على الدفاع وعدم مجابهة المخاطر بشكل حازم وقوي جعل الولايات المتحدة الأمريكية أكثر عرضة لمختلف المخاطر.وفي حقبة الثمانينات أصبح معظم المحافظين الجدد من أنصار الحزب الجمهوري،إذ وجدوا في الرئيس رونالد ريغان ضالتهم لتحقيق مخططهم العدائي في مواجهة الاتحاد السوفيتي، بعد إن قام بتبني لغة الخطاب الحماسي المتشدد ومواصلة تركيزه على الإنفاق العسكري الضخم الذي تقوم به الولايات المتحدة.ومن الجدير بالذكر  إن المحافظين الجدد بعد دخولهم إلى إدارة ريغان قد ساهموا (لاسيما إليوت أبرامز وبولوولفويتز) في إعادة توجيه سياسة ريغان نحو دعامة نشر الديمقراطية في آسيا (اندونيسيا،الفيليبين، كوريا الجنوبية) وفي أمريكا اللاتينية.

المرحلة الخامسة:انتهاء الحرب الباردة 1985 – 1991

تبدأ هذه المرحلة بتولي ميخائيل سيرجنيفتش غورباتشوف زعامة الإتحاد السوفييتي،وفي توليه الحكم طبق برنامج إعادة البناء (البيروسترويكا) وقد ساعدت هذه السياسة في تفكك النظام الشيوعي في أوربا الشرقية وكذلك تغيرات عميقة في الإتحاد السوفييتي نفسه.ومع توليه الحكم،عادت الحيوية للسياسة السوفييتية التي كانت تعاني من القصور في مدة بيرجينيف،واستطاع غورباتشوف أن يفرض رؤية واقعية جديدة للعلاقات بين الشرق والغرب التي أدت إلى تخفيف حدة التوتر في العالم بأسره،وكما دعا غورباتشوف إلى لقاء قمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي للنظر في وضع العالم،ووضع العلاقات بين الدولتين، وتم عقد هذه القمة في جنيف 1985 بين ريغان وغورباتشوف،ويعد هذا أبرز لقاء في مدة ألثمانينيات،حيث وضع حداً للحرب الباردة الثانية التي أججها ريغان،وثم توالت بعد ذلك لقاءات القمة حيث عقد قمة ريكــافيك في سنة 1986 وقمة واشنطن سنة 1987 وقمة موسكو 1988.وكان العالم يتوقع إن لقاءات القمة ما هي إلا إعادة الحياة السياسية  التي أعلنها غورباتشوف،لكن في واقعها كان إزالة وحل المشاكل العالمية العالقة وإيقاف نشر الصواريخ النووية والحد من التسلح وانسحاب السوفييت من أفغانستان.وبالرغم من السياسات الإصلاحية التي قام بها غورباتشوف إلا إنها لم تصل إلى نتيجة في تطوير الأوضاع في الاتحاد السوفييتي، فقد أخفق غورباتشوف في تحقيق التقدم الاقتصادي المطلوب والمتوقع،كما أنه كان سببا في إطلاق الحركات القومية غير الروسية من عقالها، وهي الحركات التي كانت قد قمعت لأجيال من قبل السلطة الروسية،ومن بعدها بواسطة السلطة السوفيتية،وهو ما جعل انهيار الاتحاد السوفيتي مسألة حتمية. وبعد ذلك أصبح الوضع الذي يتمتع به الحزب الشيوعي ضربا من الحكم غير شرعي في نظر الكثيرين،مما أدى إلى انتهاء سيطرة الحزب على جهاز الحكم في مارس 1990،إذ أعلن غورباتشوف في 12 كانون الأول عن خيبة أمله من التطورات الجديدة وأعلن عن رغبته في الاستقلال،وأعلن وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر أن الاتحاد السوفييتي لم يعد له وجود،كما صرح خلال زيارته إلى موسكو والاجتماع إلى الرئيس الروسي يلتسين عن توقيع معاهدة مع روسيا، ورسمياًً أعلن عن انتهاء وجود الإتحاد السوفييتي في 25/كانون الأول/1991،وبذلك، بانتهاء الاتحاد السوفييتي انتهت الحرب الباردة في عام 1991.

 

 



الغزو المغولي للعراق 2

د. ايناس سعدي عبد الله

هذا البحث وجزءه الاول جزء من كتاب تاريخ العراق الحديث 1258-1918 تأليف الدكتورة: ايناس سعدي عبد الله...

-الادارة الايلخانية في العراق.

كان على رأس الامبراطورية الايلخانية، الحاكم المغولي الاعلى ويدعى ايلخان، وتشير المصادر المتعددة لاسيما النقود الى الالقاب الكثيرة التي تلقب بها الامبراطور المغولي فلقب الايلخان وهو اهم الالقاب، ويعني في الايغورية سيد القبيلة وهو يشير الى الاصول القبلية للحكام الجدد، واحيانا يرد هذا اللقب بصيغة الايلخان الاعظم، وهناك لقب قا آن، وبادشاه ويعني السلطان/الملك الكبير، واحيانا يرد بصيغة سلطان/ملك العالم أو الدنيا. ومن الالقاب ايضا التي استخدمها الاباطرة المغول هو السلطان وهو لقب عربي، ويلحق به احيانا صفات متعددة مثل السلطان الاعظم أو المعظم أو العادل، وغيرها، ويرد هذا اللقب من ضمن القاب ابو سعيد على نقوده. ومن القاب الاباطرة المغول ايضا مالك رقاب الامم وظهر في العملات العائدة لهولاكو واولجايتو، وهناك لقب المولى وظهر في نقود ابو سعيد، واخيرا تلقب بعضهم بلقب غياث الدين والدنيا كما هو الحال مع اولجايتو.

كانت ادارة الامبراطورية الايلخانية لا مركزية ، ويتمتع حاكم العراق بدرجة من الاستقلال في ادارة شؤونه مقابل تقديمه المال اللازم لخزينة الامبراطور وارسال القوات العسكرية المناسبة له في حالات الحرب. ولكن هذه اللامركزية لم تكن كاملة لان الحاكم الايلخان كان يزور العراق ويقضي الشتاء في ربوعه في بعض الاحيان. كما كان يرسل مشرفا يستقصي شؤونه عن كثب و يرفع اليه تقريرا عنه. وكانت سلطة الايلخان غير محدودة وله حق قتل من يريد ولم تكن للشعب حقوق بل كانت عليهم واجبات اهمها الطاعة ودفع الضرائب المتنوعة. ومن اهم سمات حكومة العراق في هذا العهد عدم الاستقرار و الفساد، وكثيرا ما نقرأ عن عزل وقتل الاداريين على الاغلب نتيجة الوشايات.  الا ان ذلك العهد لم يخل من اصلاحات نادرة، كما هو الحال في عهد الايلخان السابع محمود غازان(1295 – 1303م) الذي اصبح الاسلام في عهده دين الدولة الرسمي. الا ان تلك الاصلاحات كانت وقتية وذات اثر محدود فاستمر الامن مضطربا خارج المدن ، واستمرت البلاد منهوكة القوى لما اصبها من خراب.

لقد تحول العراق بعد ان احتله المغول الى جزء من الامبراطورية الايلخانية التي اتخذت تبريز عاصمة لها، ثم تحولت الى السلطانية في اذربيجان. وبذلك فقدت بغداد مركزها المتميز في العالم الاسلامي، وحل الدمار و الخراب محل الازدهار و العمران. وقد بادرت الدولة الايلخانية الى تقسيم العراق الى ثلاثة اقسام هي: اقليم الجبال ، وفيه شهرزور، واقليم الجزيرة الفراتية، وفيه ماردين والموصل وسنجار والعمادية واربيل، واقليم العراق وعاصمته بغداد، وهو القسم الاهم، ويمتد ما بين الزاب الاعلى الى عبادان طولا، وبين القادسية وحلوان عرضا. وقسم الاقليم الاخير الى ست مناطق رئيسة اطلق عليها اسم اعمال وهي: بغداد، الاعمال الشرقية ، الاعمال الفراتية، الاعمال الحلية والكوفية، والاعمال الواسطية والبصرية، ثم اضيفت اليها بعد سقوط امارة الموصل 1260م الموصل واربيل . واصبح على راس كل منها مسؤول يطلق عليه لقب صدر، وهي وظيفة عرفت في اواخر العصر العباسي. الا انها اخذت شكل نظام مستقر في عهد الاحتلال، وتتميز عامة بجمعها بين ضمان الارض وتولي حكمها. ولم تكن هذه التقسيمات محددة واقرب الى ان تكون نظرية. اذ انه من العسير تعيين حدودها وحصر المدن والمناطق المرتبطة بها اداريا. ويرجع ذلك الى عدم الاستقرار السياسي والعسكري والاقتصادي مما ادى الى تغير مستمر في حدودها. ومع ذلك يلاحظ ان حكومة بغداد بدأت باستعادة نفوذها ليس على حدود الولاية المحددة لها، وانما على الاقسام الادارية المجاورة لها. فضمت اليها اقليم الاحواز وعاصمته تستر وكذلك جزءاً من اقليم ديار بكر. ولهذا يمكن القول ان معظم اراضي العراق خضعت الى ادارة واحدة عاصمتها بغداد، متجاوزة في هذا التقسيمات الادارية الايلخانية المفترضة . ومن هنا جاءت اهمية ولاية بغداد بالنسبة الى الدولة الايلخانية، فكانت تسمى مملكة ولقب حكامها احيانا بالملوك، وكانت ترابط فيها حامية عسكرية قوية.

ان ادارة الايلخانيين للعراق في كثير من مظاهرها استمرار للإدارة العباسية في عهودها المتأخرة. ويمكننا ان نرى فيها تبسيطا لتلك الادارة، حيث ابقى هولاكو على الوضع الاداري كما كان عليه، وحافظ الى حد ما على التقسمات الادارية القديمة، ولتسهيل مهمته في ادارة العراق، فقد عهد بعد الاحتلال الى بعض الاداريين من عهد الخليفة العباسي الاخير ان يضعوا اسس تنظيم ادارة العراق، وتألفت الادارة المؤقتة من علي بهادر الخرساني شحنة، ومؤيد الدين بن العلقمي وزيرا ، وفخر الدين الدامغاني صاحبا للديوان ونجم الدين احمد بن عمران صدرا للأعمال الشرقية، وعبد المنعم البندنيجي قاضيا، وتاج الدين على بن الدوامي صدرا للأعمال الفراتية، فكانوا جميعا من العراق باستثناء الاول. وبذلك اخذت الطمأنينة تعود شيئا فشيئا الى البلاد، واستطاع من بقي من الناس ان يفتشوا عن اموالهم واعمالهم، وشرع الموظفون ورجال الادارة الجدد بترميم ما يمكن ترميمه من المساجد والمدارس والربط والقصور والدور والجسور والشوارع والاسواق. وبذلك نجد ان سلطة الاحتلال لم تبدل نظام الحكم، بل استبقت الحالة على ما هي عليه، وتم الاحتفاظ بالترتيبات الادارية الموجودة من العهد السابق، الا انها جعلت السلطة مرتبطة دائما بأمراء المغول، يرجع اليهم الوزير في كافة الامور الذين يتصرفون بالبلاد كما يشاؤون.

لقد جاءت التبديلات الادارية في العصر الايلخاني لتتلاءم في الواقع مع تطور الاوضاع العامة، وقد تحولت البلاد الى التبعية لدولة اجنبية كبيرة، فأدمجت الوحدات المعروفة في العهد العباسي الاخير في وحدات اكبر وصولا الى تحقيق سيطرة قوية. والغيت الدواوين المركزية وابقى على الديوان الزمام الذي كان ديوان الدواوين في اواخر العصر العباسي وديوان الوزير. ولكن سرعان ما ادمجا بديوان واحد اطلق عليه اسم الديوان يرأسه صاحب الديوان الذي اصبح يحتل مكانة عليا في الادارة المدنية، حيث يشرف على شؤون البلاد المالية، ويتمتع بسلطة تعيين كبار الموظفين كقاضي القضاة والصدور والنظار. ويرتبط بصاحب الديوان (كاتب السلة)، ويتراس كتاب العراق، ولهذا يطلق عليه احيانا اسم كاتب العراق. ومن الوظائف المدنية المهمة الاخرى التي استمرت في العهد الايلخاني (خازن الديوان) و(صدر وقوف) و(الناظر) و(المشرف). والناظر وضيفة مالية بالدرجة الاولى، لكن بسبب فقدان التحديد في الادارة، فانه كان يقوم بالأشراف على امور ادارية احيانا ،بل ويقوم بواجبات الصدر نفسها. اما المشرف وهي الوظيفة التي تقوم الى جانب بقية الوظائف المهمة كالصدر والناظر، فقد ازدادت اهميتها في العصر الايلخاني، فصار هناك مشرف على صاحب ديوان بغداد ومشرف العراق. ومهمة شاغل الوظيفة الاشراف على ضبط الحسابات والصادرات والواردات والموازنة بينهما. ولا شك في ان تأكيد الايلخانيين على هذه الوظيفة، بحيث ان تعيين شاغلها وعزله، كان يتم بالأمر من السلطان المغولي نفسه، بسبب: معرفتهم بفساد الجهاز الاداري، والى رغبتهم في احكام سيطرتهم على اجزاء ممتلكاتهم، وجشعهم الشديد الذي كان يدفعهم الى الحصول على اكبر قدر من الاموال من السكان الخاضعين لهم. ولهذا كان المشرف يقدم حساباته الى السلطان نفسه. ولكن التطور الذي حصل فيما بعد باستحداث منصب (مشرف الممالك) عام 1280م. وهو المشرف العام للدولة الايلخانية جعل مشرف بغداد مسؤولا لديه. وكان مشرف بغداد ينيب عنه في كل ولاية او اقليم نائبا يحمل الاسم نفسه. وتجدر الملاحظة بان معظم المشرفين في ادارة العراق كانوا من ابناءه لانهم الاعلم بأموره المالية.

ومن المناصب المهمة التي هي استمرار لما كانت عليه في العصر العباسي، منصب قاضي القضاة ويحتل شاغله منزلة ارفع الوظائف الدينية واجلها قدرا. ولهذا كان امر تعيينه يصدره السلطان نفسه. ومهمته القيام بالأمور الشرعية والحكم بين الخصوم ، وهو مسؤول عن تعيين القضاة والنواب ومتقلدي المناصب الشرعية في مختلف انحاء البلاد ومراقبتهم ونقلهم وعزلهم ، وتثبيت الحجج والوثائق وعقود الزواج وقسمة التركات وتوليه الاوقاف والنظر في القضايا المتعلقة بالأمور الشرعية. وغالبا ما كان المرشحون لتولي مناصب القضاة هم مدرسو المدارس الدينية ، وبحكم معرفتهم بأصول الشريعة الاسلامية التي هي مصدر الاحكام في الفصل في الخلافات بين المسلمين. وكان لكل قاضي عدد من العدول يساعدونه في مهمته، كما كان الحال في العصر العباسي. واقرب الوظائف من وظيفة القاضي، الحسبة وصاحبها المحتسب، ومهمته مراقبة الاسواق ومحاسبة المقصرين والامر بالمعروف والنهي عن المنكر . ونظام الاحتساب كغيره من الانظمة الادارية الاخرى ، كان قائما في العصر العباسي واستمر في العهد الايلخاني. وهذه الوظائف الادارية المدنية و المالية المهمة غالبا ما تركت بيد العراقيين، الا ان الادارة العسكرية ، وعلى راسها وظيفة (الشحنكية) بقيت بيد المغول، مما يدل على طبيعة نظام الاحتلال القائم على التعسف والاستغلال. فمع انه نظريا كان هناك نوع من الاستقلال بين الادارتين المدنية والعسكرية، بحيث لا يجوز لمتولي اي منهما عزل الاخر، لأنها مهمة الايلخان وحده، فان بإمكان الشحنة (القائد العسكري) التنكيل بصاحب الديوان نفسه ،قبل ان يبعث بالأمر الى الايلخان طالبا موافقته على ذلك الاجراء والشحنة في الاصل منصب استحدثه السلاجقة في القرن الحادي عشر الميلادي وشاع في البلاد الاسلامية وكان شاغله مسؤولا عن ادارة المدينة والمحافظة على امنها واستقرارها. ولكن الشحنة اصبح في عهد الاحتلال المغولي يؤدي ما يشبه وظيفة الحاكم العسكري العام. واهم واجباته استتباب الامن في البلاد والقضاء على التمرد و الانتفاضات ، ومراقبة صاحب الديوان اي حاكم العراق الاداري لضمان ولائه للايلخان. فكان الشحنة عين الايلخان على رؤساء ادارة العراق من الموظفين المدنيين. ولهذا بقي الذين تولوا هذا المنصب في المدن العراقية من المغول، ولاسيما من كبار ضباط الاحتلال، بخلاف المناصب الادارية الاخرى. فقد كان الشحنة يمثل الصلة بين المدن والحكومة المركزية. وكانت لشحنة بغداد اهمية تفوق اهمية اقرانه في المدن العراقية الاخرى نظرا لثقلها الاداري والسياسي وجسامة دور حاميتها العسكرية المغولية في تثبيت سلطة الاحتلال. ومن الوظائف العسكرية الاخرى المهمة نائب الشرطة وهو المسؤول عن المحافظة على شؤون الامن في بغداد والمدن الاخرى. ويتدخل الشحنة اذا ما عجز نائب الشرطة عن مواجهه امر خطير يهدد الهيمنة المغولية في البلاد.

-المقاومة المسلحة للاحتلال المغولي:

على الرغم من انتشار انباء القوة التي استخدمها الغزاة المغول في تعاملهم مع سكان بغداد وقفت بعض المدن العراقية تقاوم الاحتلال المغولي، وفقد شهدت مدن الحلة وواسط و اربيل والموصل مقاومة عسكرية للمغول. فكان امير الحلة شمس الدين سلار قد هرب على اثر احتلال بغداد بقسم من قواته وجيش مدينة تستر ظنا منه انه يستطيع محاربة المغول ولكن خاب ظنه فلجا الى الحجاز.

اما واسط التي وصلها جيش المغول بعد احتلال بغداد فقد قاومت الجيش المغولي ولكن تفوق المغول العددي رجح كفتهم ومع ذلك فقد استبسلت الدينة في دفاعها وقدمت ما يقرب من اربعين الف شهيد قبل ان تعلن خضوعها. وفي الوقت الذي باشر به هولاكو بالزحف على بغداد عهد الى قائده ارقيو نويان بمحاصرة اربيل ونتيجة صمود المدينة عجز القائد المغولي من احتلالها على الرغم من محاولة حاكمها تاج الدين بن صلايا اقناع الاهالي بتسليم القلعة له ، حيث قوبلت مساعيه بالرفض ولم يسمح له المدافعون عن القلعة بالدخول فأرسله ارقيو نويان الى هولاكو الذي قام بقتله لعدم تمكنه من اقناع اهالي اربيل بتسليم القلعة للمغول. وقد اضطر القائد المغولي بعد ان استعصى عليه تحقيق اي تقدم لاقتحام القلعة الى طلب المساعدة من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فارسل له عددا من الجنود، لكن بدون جدوى. وقد تمكن اهل القلعة من شن غارة ليلية على المغول، وقتلوا كل من وجدوه و اشعلوا النار في المنجنيقات واحرقوها ثم عادوا الى القلعة. ولما عجز القائد المغولي من كسر حدة المقاومة العسكرية للمدافعين عن القلعة استدعى بدر الدين لؤلؤ و تشاور معه، فأشار عليه بان يدع هذا العمل حتى الصيف، لان الاكراد يفرون من الحر، ويلجئون الى الجبال اما في هذا الوقت فالجو معتدل وعندهم ذخائر وافرة والقلعة غاية في الاحكام. واخيرا وقفت القوات المغولية عاجزة امام فتح القلعة فاضطر القائد المغولي لتسليمها الى بدر الدين لؤلؤ الذي هدم اسوارها واستولى عليها.

تبعت الموصل اربيل في الثورة والتصدي لحكم المغول فبعد وفاة بدر الدين لؤلؤ عام 1260م تولى الحكم بعده ولده الملك الصالح اسماعيل الذي اعلن الثورة على المغول في نفس العام. فبعث اليه هولاكو قائده (سنداغو) فرتب الملك الصالح امر الدفاع عن المدينة، فقام بإغلاق ابوابها  كان فيها جيش كثيف من الاكراد والتركمان. نزلت قوات المغول لتحيط بالمدينة عام 1261م و بدأ المغول بإقامة المتاريس، واقاموا سوراً حول المدينة و نصبوا عليه خمسة وعشرين منجنيقا. وبادر سكان المدينة الى القتال. كما نصبوا مقابل منجنيقات المغول ثلاثين منجنيقا ترميهم ليل نهار. ودفعت صلابة مقاومة المدينة بالمغول الى التفكير في الاسراع بعملية اقتحام اسوار المدينة بعد ان دامت الحرب قرابة الشهر، وقد شن المغول هجوما نفذه ثمانون من المغول قاموا بتسلق الاسوار من اجل اقتحام المدينة الا ان الهجوم فشل وقضى سكان الموصل عليهم جميعا، ورموا برؤوسهم من اعلى الابراج. وتمكن المدافعون عن المدينة ايضا من جرح صدر الدين التبريزي (قائد احدى الفرق المغولية) فأذن له سنداغو بمغادرة ساحة المعركة الى تبريز، وهناك قابل هولاكو و ابلغه بصمود اهل الموصل فارسل جيشا اخر لإمداد سنداغو. ونتيجة لإرسال هذه التعزيزات العسكرية الجديدة وبسبب الفارق الكبير لقوات المغول قياسا الى قوات الملك الصالح و لتشديد الحصار على المدينة اضطر الاخير الى طلب النجدة من حاكمي حلب ومصر. وقد استجاب حاكم حلب شمس الدين البرلي و جاء على راس قوة لنجدة الموصل وعندما علم سنداغو بمقدم هذه القوات بعث بقوة من جيشه تعدادها عشرة الاف فارس الى سنجار لملاقاة جيش البرلي الذي كان يتكون من الف واربعمائة فارس ، ودارت معركة بين الطرفين في الرابع عشر من جمادى الاخرى عام  1262م انتهت بهزيمة البرلي ومقتل معظم جنده. ونتيجة لذلك فكر حاكم الموصل بالاعتماد على الامكانيات الذاتية في الدفاع عن المدينة التي طال حصارها واستعصت على المهاجمين ولما رأى سنداغو ان القتال لا يجدي نفعا انتظر حتى نفذت المؤنة من المدينة فاضطر الملك الصالح لطلب الامان له ولأهل البلد فأجابه القائد المغولي الى طلبه وعندما خرج اليه قبض عليه وعلى ولده علاء الملك الذي قتله سنداغو  وارسل الملك الصالح واخيه الكامل الى هولاكو الذي امر بقتلهما. واستباح المغول المدينة عند دخولها في رمضان 1261م واجهزوا على معظم سكانها ولمدة تسعة ايام ولم يفلت احد الا من كانوا قد اختبأوا في الجبال. وبعد استكمال القائد المغولي احتلال المدينة توجه لاحتلال بقية المدن التي كانت تابعة لمدينة الموصل ومنها جزيرة ابن عمر والتي حاصرها المغول طوال فصل الشتاء وعجزوا عن دخولها بعد ان ثبتوا حولها سورا، غير ان توسط مطران الجزيرة بين سكان المدينة والقوات المغولية ادى الى فتح اهل الجزيرة للأبواب فدخل سنداغو المدينة وامر بتخريب الاسوار دون ان يتعرض لسكانها.

ظلت القبائل العربية بالرغم من وجود تنظيمات الجيش في اواخر العصر العباسي القوة الاحتياطية العسكرية التي ترفد بالمقاتلين في اوقات تعرض الدولة العربية للأخطار الخارجية . وهبت تلك القبائل ملبية نداء الخلافة العباسية للتطوع في جيوشها لرد المغول، وقد كان لإسهام القبائل العسكري في مقاومة ومواجهه الغزو المغولي الاثر الفعال في استمرار اعتداءات الجيش المغولي عليها، وهذا ما دفعها على الانسحاب الى البوادي تحتمي بها من ارهاب الغزاة ومن هناك قادت المقاومة المسلحة في الريف وفي البادية وحتى في بعض المدن. وتمكنت بعض القبائل العربية في عهد الاحتلال ان تطرد الوجود المغولي من مناطق عديدة وتقصره على المدن الرئيسة حيث تتركز قواته. واهم القبائل العربية كانت ال ربيعة، وال فضل ومواقع سكناهم تمتد من حمص وقلعة جعبر الى الرحبة، ثم على شقي الفرات واطراف العراق الى البصرة . وقد فرضت وجودها وسيطرتها على مناطق غربي العراق وجعلته خارج اطار نير الاحتلال الاجنبي. وبسبب قوة تلك القبائل ودقة تنظيمها وطابعها العسكري وقدرتها على حفظ الامن في البادية فان دولة المماليك في مصر والشام حاولت استمالتها وارضائها وعهدت الى رؤسائها الذين سمتهم امراء العرب حماية قوافل التجارة القادمة من العراق الى الرحبة على الفرات، ثم منها الى مدن الشام والمناطق الاخرى، وكانت هذه الطريق تقع ضمن مناطق نفوذ ال فضل. وبهذا يكون الطريق التاريخي الرئيس الذي يربط العراق ببقية اقطار المشرق العربي بقي مفتوحا، وقد استفادت من ذلك دولة المماليك حيث سارعت الى استغلال فزع القبائل من الارهاب المغولي واثارة عاطفتهم الدينية في الانتقام الى الخلافة الاسلامية، فكسبتها الى جانبها في صراعها مع الخطر المغولي، وكان افرادها ينقلون اخبار التحرك المغولي.

كان لقبيلة خفاجة السلطة في انحاء الكوفة والمواطن الجنوبية منها فيذكر ابن بطوطة الذي زار العراق في اواخر العهد المغولي بانه عندما سافر من النجف الى البصرة كان بصحبة من عرب خفاجة ووصفهم بانهم ذوو: "شوكة عظيمة وباس شديد، ولا سبيل للسفر في تلك الاقطار الا في صحبتهم". وقبل ان يصل الى واسط عند مسيره بجانب الفرات مر بموضع يسمى العذار وهو غابة قصب في وسط الماء يسكنه اعراب يعرفون بالمعادي يتحصنون بتلك الغابة و يمتنعون بها ممن يريدهم.

اما عن قبيلة بني اسد التي كانت تقطن في انحاء الحلة وجنوبي واسط فذكر ابن بطوطة انهم كانوا ساكنين تلك الجهة وعندما خرج لزيارة احمد الرفاعي كان بحماية ثلاثة من عرب بني اسد. وكانت القبائل العربية فضلا الى سيطرتها على مناطق واسعة من العراق وجعلها بعيدة عن هيمنة الغزاة فإنها كانت تنتهز ضعف الحاكم وتتحداهم بإعلان الثورة كما حدث في عام 1284م حيث ثار العرب في جنوب العراق و اطراف واسط فهاجمهم المغول وقتلوا عددا منهم و نهبوا اموالهم. وفي عام 1293م ثار العرب في عين التمر و الكبيسات ولما هاجمتهم القوات المغولية لاذ بعضهم بالفرار الى منطقة الاهوار والمستنقعات. وغالبا ما كانت ثورات العرب تشتد عندما يشرع المغول بمهاجمة بلاد الشام من اجل مشاغلة الجيش واضعافه كما حدث عام 1298م حيث انتفض العرب في البطائح وهاجموا القوافل التجارية فاشغلوا السلطان غازان واخروا حملته لغزو الشام، لاضطراره لتسيير بعض فرقه اليهم. وهكذا ساهم العراقيون في المقاومة العسكرية للغزاة المغول ففي عام 1258م اجتمع جيش منهم وانضم اليهم عدد من جند الشام وحرروا الاراضي الواقعة في طريقهم نحوا الموصل واربيل ودخلوا الموصل فاضطر حاكمها الى الفرار. وانتفض العراقيون في شهرزور في عهد السلطان اولجايتو عندما كان يستعد لمهاجمة حلب فاضطر الى ارسال بعض فرق الحملة الى مطاردتهم مما ادى الى اضعاف قواته وتأخرها فلم تصل سوى الرحبة على الفرات واضطرت الى التراجع.

-قائمة المصادر:

-ابرار كريم الله، من هم التتار،ترجمة:رشيدة رحيم الصبروتي،(القاهرة:الهيئة المصرية العامة للكتاب،1994 ).

-احمد عبد الكريم سليمان،المغول والمماليك حتى نهاية عصر الظاهر بيبرس(648-676هـ/1250-1277م)،(القاهرة:دار النهضة العربية،1980).

-احمد مختار العبادي،قيام دولة المماليك الاولى في مصر والشام،(بيروت:دار النهضة العربية،1986).

-احمد بن يوسف القرماني(ت1019هـ/1610م)،اخبار الدول واثار الاول في التاريخ،دراسة وتحقيق:احمد حطيط وفهمي سعد،(بيروت:عالم الكتب،1992)،ج2.

-ارمنيوس فامبري،تاريخ بخارى منذ اقدم العصور حتى العصر الحاضر،ترجمة:احمد محمود الساداتي،مراجعة:يحيى الخشاب،(القاهرة:مكتبة نهضة الشرق،1987).

-اسراء مهدي مزبان،"خواتين القصور المغولية ودورهن في تدبير المؤامرات السياسية"،لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية،جامعة واسط،العدد:9،لسنة:2012.

-اكرام محمد علي خلف،"اثر المؤامرات في سقوط الدولة العباسية سنة 656هـ/1258م:دراسة تاريخية"،مجلة ديالى للبحوث الانسانية،العدد:49،لسنة:2011.

-بدر الدين العيني(ت 855هـ)،السيف المهند في سيرة الملك المؤيد شيخ المحمودي،تحقيق:فهيم محمد علوي شلتوت ومحمد مصطفى زيادة،(القاهرة:مطبعة دار الكتب المصرية،1998).

-برنارد لويس،الحشاشون فرقة ثورية في تاريخ الاسلام،ترجمة:محمد العزب موسى،(القاهرة:مكتبة مدبولي،2006).

-جرجي زيدان،تاريخ التمدن الاسلامي،(القاهرة:دار الهلال،1947)،ج5.

-جريجوريوس ابو الفرج بن اهرون المعروف بابن العبري،تاريخ الازمنة،ترجمة ودراسة وتقديم:شادية توفيق حافظ،مراجعة:السباعي محمد السباعي،(القاهرة:الهيئة العامة لشؤون المطابع الاميرية،2007).

-جمال الدين ابي المحاسن يوسف بن تغري بردي الاتابكي(ت 874هـ)،النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة،قدم له وعلق عليه:محمد حسين شمس الدين،(بيروت:دار الكتب العلمية،1992)،ج7.

-حامد زيان غانم،صفحة من تاريخ الخلافة العباسية في ظل دولة المماليك،(القاهرة:دار الثقافة للطباعة والنشر،1978).

-حسن الجاف،الوجيز في تاريخ ايران،(بغداد:منشورات بيت الحكمة،2003)،ج2.

حسين علي قيس القيسي،طبيعة المجتمع العراقي في العصر العباسي المتأخر: دراسة تاريخية اجتماعية 447-656هـ،(بغداد:دار الشؤون الثقافية العامة،2013).

-حمزة بن احمد بن عمر المعروف بابن سباط الغربي،(ت926هـ/1520م)،صدق الاخبار،تحقيق:عمر عبد السلام تدمري،(طرابلس:جرس برس،1993)،ج1.

-دونالد ولبر،ايران ماضيها وحاضرها،ترجمة:عبد المنعم محمد حسنين،(القاهرة:دار الكتاب المصري،1985).

-راجحة علي غالب،"من معارك العرب الفاصلة الكبرى معركة عين جالوت"،مجلة المورد،المجلد:10،العدد:3-4،لسنة:1981.

-رأفت غنيمي الشيخ،التاريخ المعاصر للامة العربية الاسلامية 1412-1992،(القاهرة:دار الثقافة للنشر والتوزيع،1992).

-راغب السرجاني،قصة التتار من البداية الى عين جالوت،(القاهرة:مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة،2006).

-رجب محمد عبد الحليم،انتشار الاسلام بين المغول،(القاهرة:دار النهضة العربية للطبع والنشر والتوزيع،1986).

-رشيد الدين فضل الله الهمداني(ت718هـ)،جامع التواريخ:تاريخ غازان خان،دراسة وترجمة:فؤاد عبد المعطي الصياد،(القاهرة:كتب عربية للطباعة،1998).

-رشيد عبد الله الجميلي،"حملة هولاكو على بغداد"،مجلة المورد،المجلد:8،العدد:4،لسنة:1980.

-ريهام المستادي،"رحلة قبائل المغول من التمزق الى التوحد"،دورية كان التاريخ،العدد:4،لسنة:2009.

____________،"الدولة الخوارزمية ومواجهتها للزحف المغولي"،دورية كان التاريخية،العدد:8،لسنة:2010.

-ساجدة شكري وناصر النقشبندي،"الدينار الاسلامي:الدنانير التي عثرت عليها مديرية الاثار القديمة اثناء حفرياتها في خرائب واسط"،مجلة سومر،المجلد:11،الجزء:1،لسنة:1955.

-السيد الباز العريني،المغول،(بيروت:دار النهضة العربية،1967).

__________،المماليك،(بيروت:دار النهضة العربية،1967).

-سليمان الدخيل،الفوز بالمراد في تاريخ بغداد،تقديم وتعليق:محمد زينهم محمد عزب،(القاهرة:دار الافاق العربية،2003).

-شاهين مكاريوس،تاريخ ايران،(القاهرة:دار الافاق العربية،2003).

-شمس الدين ابي عبد الله الذهبي(ت746هـ)،دول الاسلام،(بيروت:منشورات الاعلى للمطبوعات،1985).

-صادق حسن السوداني،"العلاقات الخارجية للخلافة العباسية في عهد الخليفة الناصر"،مجلة المورد،المجلد:2،العدد:4،لسنة:1973.

-صادق ياسين الحلو،"الجيش والسلاح منذ احتلال بغداد حتى العصر العثماني 1258-1534"،بحث ضمن موسوعة:الجيش والسلاح،(بغداد:دار الحرية للطاعة،1988)،ج5.

-صالح محمد العابد وعماد عبد السلام رؤوف،"العراق بين الاحتلالين المغولي والصفوي"،بحث ضمن كتاب العراق في التاريخ،(بغداد:دار الحرية للطباعة،1983).

-صالح محمد العابد،"النظام الاداري"،بحث ضمن موسوعة:حضارة العراق،(بغداد:دار الحرية للطباعة،1985)،ج10.

-الصاوي محمد الصاوي،جنكيز خان فاتح العالم،(القاهرة:دار طيبة للطباعة،2012).

-صبحي عبد المنعم محمد،سياسة المغول الايلخانيين تجاه دولة المماليك في مصر والشام،(القاهرة:العربي للنشر والوزيع،2001).

-صبري فارس الهيتي،"تخطيط مدينة بغداد عبر العصور التاريخية:دراسة في التخطيط الحضري"،مجلة المورد،المجلد:8،العدد:4،لسنة:1980.

-طارق جواد الجنابي،"العمارة العراقية"،بحث ضمن موسوعة:حضارة العراق،(بغداد:دار الحرية للطباعة،1985)،ج10.

-عادل اسماعيل محمد هلال،العلاقات بين المغول وأوروبا واثرها على العالم الاسلامي،(القاهرة:عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية،1997).

-عباس العزاوي،تاريخ العراق بين احتلالين،(بيروت:الدار العربية للموسوعات،2004).

-عبد الله بن فتح الله البغدادي المعروف بالغياثي،تاريخ الدول الاسلامية في الشرق،(بيروت:دار مكتبة الهلال،2010).

-عبد الرحمن بن خلدون،(ت 808هـ/1406م)،تاريخ ابن خلدون،تحقيق:خليل شحادة،مراجعة:سهيل زكار،(بيروت:دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع،2000)،ج5.

-عبد السلام الترمانيني،احداث التاريخ الاسلامي بترتيب السنين،(دمشق:دار طلاس،1994)،ج3،م1.

_______________،احداث التاريخ الاسلامي بترتيب السنين،(دمشق:دار طلاس،1994)،ج3،م2.

-عفاف سيد صبره،التاريخ السياسي للدولة الخوارزمية،(القاهرة:دار الكتاب الجامعي،1987).

-علاء الدين مغلطاي بن قلنج بن عبد الله البكجري الحنفي(ت762هـ)،مختصر تاريخ الخلفاء،تحقيق:اسيا كليبان علي البارح،(القاهرة:دار الفجر للنشر والتوزيع،2000).

-علي شاكر علي وعلاء محمود خليل قداوي،"دور الموصل والجزيرة الثقافي في مواجهة التحدي المغولي 660-736هـ/1362-1335"،مجلة المورد،مجلة المورد،المجلد:23،العدد:2،لسنة:1995.

-عماد الدين اسماعيل بن علي المعروف بابي الفدا(ت732هـ/1331م)،المختصر في اخبار البشر،تحقيق:محمد زينهم محمد عزب ويحيى سيد حسين،(القاهرة:دار المعارف،1999)،ج3.

-عماد عبد السلام رؤوف،"الجيش:القوى والمؤسسات العسكرية"،بحث ضمن موسوعة:حضارة العراق،(بغداد:دار الحرية للطباعة،1985)،ج10.

-فائز علي بخيت،"الخلافة العباسية بعد الاحتلال المغولي لبغداد 656-676هـ/1258-1277"،مجلة كلية العلوم الاسلامية،جامعة الموصل،المجلد:1،العدد:2،لسنة:2008.

-فاروق عمر فوزي ومرتضى حسن النقيب،تاريخ ايران:دراسة في التاريخ السياسي لبلاد فارس خلال العصور الاسلامية الوسيطة 21-906هـ/641-1500م،(بغداد:منشورات بيت الحكمة،1989).

-فرانتس تشنر وفريتس شتيبات وسلوى الخماش،تاريخ العالم العربي،(بيروت:دار صادر،1975).

-فؤاد عبد المعطي الصياد،المغول في التاريخ،(بيروت:دار النهضة العربية،1980)،ج1.

-فيصل كاظم احمد وسبله طلال ياسين،"السلطان غازان وقوانينه وفق الشريعة الاسلامية والياسا المغولية"،مجلة دراسات تاريخية،جامعة البصرة،العدد:14،لسنة:2013.

-القلقشندي(ت820هـ)،مآثر الانافة في معالم الخلافة،تحقيق:عبد الستار احمد فراج،(بيروت:عالم الكتب،بلا.ت)،ج2.

-كارل بروكلمان،تاريخ الشعوب الاسلامية،ترجمة:نبيه امين فارس ومنير البعلبكي،(بيروت:دار العلم للملايين،1968).

-كوركيس عواد،المدرسة المستنصرية في بغداد"،مجلة سومر،المجلد:1،الجزء:1،لسنة:1945.

-ماركو بولو،رحلات ماركو بولو،ترجمة:عبد العزيز جاويد،(القاهرة:الهيئة المصرية العامة للكتاب،1995)،ج1.

________،رحلات ماركو بولو،ترجمة:عبد العزيز جاويد،(القاهرة:الهيئة المصرية العامة للكتاب،1995)،ج2.

-محمد احمد دهمان،معجم الالفاظ التاريخية في العصر المملوكي،(دمشق:دار الفكر،1990).

-محمد اسعد طلس،تاريخ الامة العربية:عصر الانحدار،(بيروت:دار الاندلس للطباعة والنشر،1963).

-محمد الانطاكي،معركة عين جالوت،(بيروت:دار الشرق العربي،بلا.ت).

-محمد جاسم حمادي المشهداني،"دور الطوسي في الغزو المغولي لبغداد"،مجلة المؤرخ العربي،العدد:37،لسنة:1988.

-محمد حسن ال ياسين،"المشهد الكاظمي من بدء الاحتلال المغولي الى نهاية الاحتلال العثماني"،مجلة سومر،المجلد:19،لسنة:1963.

-محمد حسين السويطي وشيماء بدر عبد الله،"الغزو المغولي لبلاد المسلمين يفي روايات الديار بكري بكتابه تاريخ الخميس في احوال انفس نفيس"،مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية،العدد:5،لسنة:2011.

-محمد رضا الحكيمي،بداية الفرق نهاية الملوك"،توثيق وتعليق:شاكر الابراهيمي،(بيروت:دار الفردوس،1990).

-محمد السعيد جمال الدين،علاء الدين عطا ملك الجويني حاكم العراق،(القاهرة:بلا.مط،1982).

-محمد سعيد عمران،المغول واوروبا،(الاسكندرية:دار المعرفة الجامعية،بلا.ت).

-محمد علي البار،كيف اسلم المغول،(عمان:دار الفتح للدراسات والنشر،2008).

-محمد ماهر حمادة،دراسة وثائقية للتاريخ الاسلامي ومصادره من عهد بني امية حتى الفتح العثماني لسورية ومصر،(الرياض:مؤسسة الرسالة،1988).

-محمد مفيد ال ياسين،دراسات في تاريخ العراق في العهد الايلخاني،(عمان:دار غيداء للطباعة والنشر،2009).

-محمد يونس فلح،"تأثر المغول بالإسلام"،مجلة كلية العلوم الاسلامية،جامعة الموصل،المجلد:5،العدد:9،لسنة:2011.

-محمود السيد،العرب في اخطر المعارك الحربية في تاريخ العالم،(الاسكندرية:بلا.مط،1995).

-مصطفى طه بدر،محنة الاسلام الكبرى أو زوال الخلافة العباسية من بغداد على ايدي المغول،(القاهرة:الهيئة المصرية العامة للكتاب،1999).

-مختار جبلي،حملات الغزو المغولي للشرق،(باريس:دار لارماتون،1995).

-مهاب درويش لطفي البكري،"الالقاب على المسكوكات الايلخانية"،مجلة سومر،المجلد:21،الجزء:1-2،لسنة:1965.

_____________________،"العملة الاسلامية في العهد الايلخاني"،مجلة سومر،المجلد:22،الجزء:1-2،لسنة:1966.

_____________________،"العملة الاسلامية في العهد الايلخاني المحفوظة في المتحف العراقي،مجلة سومر،المجلد:25،الجزء:1-2،لسنة:1969.



الغزو المغولي للعراق

 

د. ايناس سعدي عبد الله

-اصل القبائل المغولية:

عاش في الاراضي الشاسعة التي تقع الى شمال وغرب الصين مجموعة من القبائل منذ نحو 200 ق.م. ومن هذه القبائل المغول والتتار وبعض العناصر التركية مثل الكرايت، والايغور، والنايمان، والتايجوت، وبعض القبائل الاخرى. وقد خلط البعض بين الجنسين وعدوا المغول من القبائل التركية. والحقيقة ان علماء الاجناس يفرقون بين العناصر الثلاثة أي التتار، المغول، الترك فهي تتشابه في بعض ملامحها لكنها تختلف في اصولها. مع ذلك ظل لفظ التتار يطلق على كافة القبائل التي تجاور الصين حتى ظهور جنكيز خان في القرن الثاني عشر الميلادي وقد وردت هذه التسمية في نقوش ارخون([1])، العائدة للقرن الثامن الميلادي، وكانوا ينقسمون الى قسمين: الاول يتألف من تسع قبائل والاخر يتألف من ثلاثين قبيلة.

لقد كان المغول و هم شعب يشبه الترك الى حد ما في اللغة و ملامح الوجه، ويختلفون كما اعتقد بعض الكتاب المسلمين عن قبائل التتار في لغتهم، ولكن علماء الاجناس حاليا يعتقدون ان سكان هضبة منغوليا في مظهرهم الجسماني من جنس الذي يطلق عليه اسم اشباه المغول وانهم كانوا يتكلمون لغات من عائلة اللغات التركية-التترية، وان حضارة هؤلاء تشبه في كثير من الاوجه حضارة المناطق المحيطة بالقطب الشمالي.

عاش المغول في الهضبة المعروفة باسم هضبة منغوليا شمال صحراء جوبي الممتدة في اواسط جنوبي سيبيريا وشمال التبت وغربي منشوريا وشرقي تركستان، بين جبال التاي غربا وجبال جنجان شرقا. وهي قبائل غير متحضرة، كانت كل قبيلة فيها تكون وحدة متماسكة من ناحية الجنس واللغة، يرأسها رئيس يحمل لقب نويان تطيعه وتأتمر بأمره، وكانت حياتهم بسيطة ويقضون معظم اوقاتهم في المنازعات القبلية. وقد مارس المغول الرعي والصيد فكانوا يتنقلون في ارجاء الهضبة سعيا وراء موطن المياه والكلأ، فيهبطون في الشتاء الى سهولها ومناطقها الدافئة حيت تتوفر الظروف المناسبة للرعي، وفي الصيف يستقرون في المرتفعات واعالي الجبال مدة شهرين أو اكثر حيث البرودة والمياه. ولابد ان نعرف ان الظروف الجغرافية في هضبة منغوليا قد جعلت منه اقليما فقيرا، تنعدم فيه الزراعة، لذلك استدعت حياتهم الصعبة ضرورة الاغارة على الممالك المتمدنة في الصين وما وراء النهر وايران.

تذكر الاساطير الموغلة في التاريخ انهم كانوا احدى القبائل التي اجتاحت المنطقة الواقعة الى الشمال من صحراء جوبي الى جنوب بحيرة بيكال، وانهم قضوا وقتهم مثل بقية القبائل الاخرى في رعي الماشية و الخيول والأغارات والنهب، كما سعوا الى التحالف مع الاسر الحاكمة في شمال الصين التي هي بدورها منحدرة من منبع او مخزون مماثل. وبرغم اشتهار امر المغول من بعد جنكيز خان فقد ظل صيت التتار القديم غالباً، وصار اسمهم سارياً على المغول انفسهم في بعض بلاد اواسط اسيا وفي سوريا ومصر ومناطق اخرى كثيرة. اما الترك فقد جاء اسمهم صراحة لأول مرة في نقوش ارخون، ومن هذه النقوش يتبين ان نفوذ الترك كان يمتد في القرن السادس الميلادي بين حدود الصين وحدود ايران والدولة البيزنطية، وربما كان المغول والترك ينحدرون جميعاً من قبائل الهون([2]). وقد استعان المغول بعناصر تركية كثيرة في الجيش المغولي و كلما تقدم المغول غرباً في اتجاه شرق اوروبا او في الجنوب الغربي في اتجاه البلاد الاسلامية زاد العنصر التركي في الجيش المغولي. لقد كان المغول و الترك يشتركون في الحياة البدوية، وهناك تشابه بينهما في استعمال الاسلحة  وطرق الحرب، ثم زاد من ذلك التقارب بين الجنسين غزو المغول لمنطقة القبجاق واستقرارهم فيها.

-الاوضاع العامة للعالم الاسلامي قبل الغزو المغولي.

كان العالم الاسلامي في المرحلة التي بدأ فيها ظهور المغول مقسما الى مجموعة من الممالك والدويلات الصغيرة تختلف عن بعضها بين الضعف والقوة سواء من الناحية العسكرية او الاقتصادية. وقد تميزت هذه الممالك والدويلات بالتنازع مع بعضها البعض من اجل السيطرة او التوسع على حساب الاخرى، فضلا عن الصراعات الداخلية التي تنشب على العرش في كثير من الاحيان بين امراء هذه الاسر الحاكمة. وما زاد من انشغال الحكام المسلمين بدء الحملات الصليبية على الشرق وما رافق ذلك من صراع عنيف معهم. وهكذا انشغل الحكام المسلمون فيما بينهم ولم يقدروا خطورة المغول الا بعد ان اتجهوا الى الغرب حتى الدولة الخوارزمية. ومما يعنينا من العالم الاسلامي في هذا الموضوع هو الجانب الشرقي منه الذي كانت تقاسمه عدة دول، ففي بلاد فارس او ايران كانت تقوم الدولة الخوارزمية  جنوب بحيرة ارال ومصب نهر جيحون، والتي امتدت حدودها من جبال ارال في الشمال الى الخليج العربي في الجنوب، ومن جبال السند شرقا الى حدود العراق غربا. وفي العراق كان الخليفة العباسي في بغداد وله السيادة الروحية، اما القوة السياسية والعسكرية فقد زالت عن هذه الخلافة، ولم يعد لهذا الخليفة من القوة الا ان يطلب الدعوة على المنابر في صلاة الجمعة او المناسبات او الازمات بان يوفق الله المسلمين او الاستنفار للجهاد. اما الدولة الايوبية في مصر و الشام، فقد كان لها مشاكلها خاصة مع مملكة بيت المقدس والامارات الصليبية على سواحل بلاد الشام. ومما يزيد المشكلة تعقيدا انه مع ظهور اخطار المغول كانت الحملة الصليبية الخامسة قد استولت على برج مدينة دمياط عام 1218م. مما ادى الى وفاة الملك العادل، ثم انقسام البيت الايوبي الى عدة ممالك اهمها مصر و على راسها الملك الكامل 1218-1238م. ودمشق وعلى راسها الملك المعظم عيسى 1218-1227م. وكان هناك ايضا دولة سلاجقة الروم في اسيا الصغرى، وهي الدولة التي ظلت في مواجهة الامبراطورية البيزنطية منذ نشأتها حتى نهايتها، يضاف الى ذلك اخطار الصليبيين في بلاد الشام، ثم من الشمال الغربي بعد سقوط القسطنطينية في ايدي الصليبيين من قوات الحملة الصليبية الرابعة عام 1204م.

-الغزو المغولي للعراق:

1.الاوضاع العامة للخلافة العباسية قبل الغزو المغولي:

كانت علامات الضعف قد ظهرت على الخلافة العباسية في بغداد قبل ظهور خطر المغول، وهذا الضعف كانت له جذوره العميقة التي بدأت منذ سيطرة العناصر الفارسية على الخلافة العباسية، فقد استأثرت الاسر الفارسية بمنصب الوزارة في الخلافة العباسية، الامر الذي اظهر خلافا بين العرب والفرس، وما تلى ذلك من احداث ادت الى دخول العناصر التركية الى السلطة في بغداد، وبذلك اصبح يتطلع الى السلطة ثلاثة عناصر هي: العرب والفرس والاتراك. وقد نتج عن هذا كله طمع حكام بني بويه- الذين اقاموا دولتهم في جنوب غربي ايران في السلطة- و كان لهم ما ارادوا حيث نجحوا في السيطرة على الخليفة في بغداد، وقد استأثر حكامهم بالسلطة واتخذوا لقب السلطان، وطغى نفوذهم على نفوذ الخلفاء العباسيين. وكان لهذا كله اثر كبير على هيبة الخلفاء العباسيين، وبدا حكام الولايات في الاستقلال بولاياتهم، والاكتفاء بالولاء الاسمي للخلافة العباسية، فتمزقت الروابط القوية التي تربط الخلافة بتلك الولايات، ومع هذه الحركات الاستقلالية او الانفصالية بدأت ملامح فساد الادارة داخل الخلافة. كما تعرضت الخلافة العباسية ايضا لسيطرة الاتراك السلاجقة، وقد سيطر هؤلاء على الخلافة واتخذ حكامهم لقب السلطان، وعرف حكامهم الاوائل باسم السلاطين العظام، وبقي الخليفة في بغداد او بالأحرى في قصره بلا قوة، وتصرف هؤلاء السلاطين في الاراضي والمدن و منحوها اقطاعيات للأمراء وذوي الشأن، وقد حكمها هؤلاء تحت اسم الاتابكة، وعندما انهار سلطان السلاجقة العظام كانت بلاد اعالي الفرات و شمال الشام ثم جنوبه عبارة عن دويلات لا تتعدى المدينة وما حولها، فضلا عن الصراع الذي اندلع بين الدولة الفاطمية في مصر و هؤلاء الاتابكة في الشام. وعلى هذه الصورة انفصلت اقاليم الدولة عن الحكومة المركزية في بغداد واصبحت عاجزة عن مواجهة أي غزو عسكري. ومع اقتراب الخطر المغولي لم يكن وضع الخلافة العباسية بأفضل حالا، فقد كانت القوى الاسلامية في تلك الفترة مفككة و يسود بينها التنافس و التشاحن من ناحية، ثم انتابها الذعر مما فعله المغول من ناحية اخرى. وكان حريا بتلك القوى الاسلامية ان تنسى خلافاتها وتعمل صفا واحدا لمواجهه الخطر الداهم الذي يهدد المسلمين جميعا الا ان عوامل الانقسام و المصالح الشخصية الضيقة صرفتهم الى مشاكل جانبية زادت من فرقتهم، واضعفت من قدرتهم و بددت طاقاتهم في حروب فيما بينهم. وكان الخليفة العباسي في ذلك الوقت هو الناصر لدين الله (1179-1225م)، الذي وجد ان الخلافة العباسية قد صارت ضعيفة هزيلة من الناحية السياسية، اذ انها اصبحت تنحصر بين العراق العربي وخوزستان، ولم تعد قادرة على ان تبسط سلطتها على ما جاورها من الاقاليم، ولم يتبق لها الا النفوذ الروحي فقط. وكان الناصر يظن انه يستطيع النهوض بدولته، والعمل على اتساع رقعتها بمجرد ان شعر بضعف السلاجقة و انقسام دولتهم، فوضع كل امله في حكام الدولة الخوارزمية ليزيح من طريقه دولة السلاجقة. ولكن سرعان ما اتضح له انه كان واهما في ظنه، اذ تكشفت له الحقيقة المرة ، وهي ان الخوارزميين لهم مطامع في اقليمه، وانهم لا يقلون خطرا على دولتهم من السلاجقة. وكان الخطر الذي يتهدد العباسيين من الجانب الخوارزميين قد تمثل بوضوح في عهد السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه الذي حاول ان تكون له المنزلة الاولى في بغداد، فلما عجز عن تحقيق هدفه بالطرق الودية، لم يجد بدا من استعمال القوة. فصمم على غزو بغداد و ذلك للأسباب الاتية:

1.رغبة خوارزم شاه في اخضاع الخليفة العباسي لسلطته، وان تذكر الخطبة باسمه على منابر بغداد، كما كان الوضع في عهد السلاجقة و البويهيين من قبلهم.

2.شعور السلطان محمد بان الخليفة يحتقره، ويعامله معاملة سيئة، اذ انه اهان رسله عندما قدموا له العلم والهدايا التي اهداها الى الحجاج، في حين انه قبل العلم والهدايا التي وصلت اليه من جلال الدين حسن الاسماعيلي المشهور بـ "نومسلمان" من خلفاء الحسن بن الصباح، ورحب برسله، وقدم هذه الهدايا على هدايا خوارزم شاه.

3.عندما استولى خوارزم شاه على غرنة عاصمة الغوريين([3])، عام 1214م، ووضع يده على خزائن شهاب الدين الغوري، عثر على رسائل رسمية من الخليفة يحثه فيها على مهاجمة السلطان محمد و القضاء عليه.

4.تبين لعلاء الدين محمد ان الخليفة مستمر في تحريض الممالك المجاورة ضده، فقد حرض القراخطائيين، وابدى استعداده للتحالف معهم، ووعدهم بالاعتراف بحكمهم على البلاد التي يستولون عليها، كما اثار عليه اتابكة فارس واذربيجان، وحثهم على الاستيلاء على عراق العجم و انتزاعه من الخوارزميين. فضلا عن تحالفه مع الاسماعيلية للغرض نفسه، بل انه راح يحتضن عدة اشخاص من فداءيهم ويحرضهم ضد الخوارزميين، فقتلوا "اغلمش" نائب الخوارزميين في اقليم الجبال.

5. كان السلطان علاء الدين محمد يعتقد ان الخلفاء العباسيين قد تقاعدوا وتكاسلوا عن القيام بالغزوات، وتركوا الجهاد في سبيل الله. كذلك تغافوا- رغم استطاعتهم- عن المحافظة على الثغور.

وبناء على هذا، اصدر السلطان علاء الدين امرا بعزل الخليفة، واسقاط اسمه من السكة والخطبة، ووقع اختياره على رجل من مدينة ترمذ اسمه "علاء الملك" فاعلنه خليفة للمسلمين، وخطب له على المنابر و ضرب النقود باسمه. ثم قاد السلطان محمد جيشه قاصدا بغداد في سنة 614هـ (1217م). عند اقليم الجبال التحم بالاتابك([4]) سعد بن زنكي الذي كان قد توجهه الى ذلك الاقليم، بقصد الاستيلاء عليها، بأمر الخليفة. ولكن خوارزم شاه انتصر عليه واسره، و اخيرا اطلق سراحه، بعد ان قبل دخول طاعته، وتعهد بان يتنازل له عن ثلث خراج اقليم فارس سنويا واعطائه بعض الامتيازات الاخرى. كذلك اوقع خوارزم شاه الهزيمة باوزبك بن بهلوان، اتابك اذربيجان الذي جاء هو الاخر بتحريض الخليفة العباسي. ولكن خوارزم شاه امنه-بعد ذلك- على حياته بعد ان ادان له بالطاعة، وضرب السكة و قرأ الخطبة باسمه، وارسل اليه الرسل، يحملون الهدايا اليه. ولما وجد الخليفة ان كل القوى التي اعتمد عليها في محاربة خوارزم شاه ضعيفة منحلة، لم تستطع ان تقف في وجه هذا العدو القوي، وتأكد من اصرار السلطان محمد خوارزم شاه على غزو بغداد، وانه لم يمتلك القوة الكافية لمقاومته، لم يجد مفرا من ان يلجأ الى جنكيز خان قائد المغول الاكبر، و الذي كان صيته قد ذاع وانتشر في شرق اسيا وغربها، فرأى الخليفة فيه الرجل الوحيد الذي يستطيع ان ينقذه من تلك الورطة، ويوقف خوارزم شاه عند حده وبذلك يكون الخليفة الناصر هو المسؤول الاول في توجيه انظار المغول الى الاراضي الاسلامية. بعد ذلك توجه علاء الدين من همذان قاصدا بغداد، وكان الفصل خريفا، فلما وصل الى "اسد اباد" هبت عواصف ثلجية شديدة، فاهلك البرد كثيرا من جنوده وعتاده ودوابه. وتعرض الجنود الباقون لغارات الاتراك والاكراد. وهكذا كانت ثورة الطبيعة سببا في تشتيت شمل الجيوش الخوارزمية. واخيرا وجد السلطان علاء الدين نفسه مضطرا الى العودة الى بلاده مع من تبقى من جنده.

لم يكن الصراع الذي دار بين الخلفاء العباسيين و الخوارزميين هو العامل الوحيد الذي مهد الى سقوط الخلافة العباسية.

2.الغزوات المغولية على العراق قبل عام 1258م:

لقد بدأ المغول يهددون امن الدولة العباسية  منذ وقت طويل قبل حملة هولاكو وقد  تركزت غزواتهم الاولى على المناطق الشمالية من العراق بعدما اجتاحوا بلاد خوارزم. وكانت المرة الاولى التي هاجم بها المغول اطراف العراق عام 1219م حيث قادوا حملة عسكرية اتجهت الى شمال العراق، فتصدت لهم قوات الخلافة فاضطروا للانسحاب نحو بغداد.  ثم هاجم المغول حدود العراق عام 1220م، وحين وصلت الاخبار الى بغداد بتقدم المغول من مراغة في اذربيجان نحو اربيل، بادر الخليفة الناصر لدين الله الى تحصين بغداد، وكتب الى امير الموصل وامير اربيل يأمرهما بالانضمام الى قوات الخلافة في داقوق([5])، وخرجت قوات اربيل والموصل فعلا لمواجهة الموقف، وفوجئت هذه القوات بقلة قوات الخلافة التي لم تكن تتجاوز 800 رجل خلافا لما كان قد وعد به الناصر لدين الله بانه سيرسل عشرة الاف رجل لمواجهة المغول، ولم يجرأ امير اربيل مظفر الدين كوكبوري على مهاجمة المغول الذين شرعوا في الانسحاب ظنا منهم ان قوات الخلافة في اثرهم. وتلا ذلك فترة من الهدوء دامت نحو عشر سنوات وذلك بسبب عودة المغول الى بلادهم وما تبع ذلك من وفاة جنكيز خان وتولى ولده اوكتاي العرش من بعده الذي تمكن من القضاء على اخر مقاومة للخوارزميين بهزيمة جلال الدين منكبورتي عام 1230م، ثم عاود المغول هجماتهم على العراق فوصلت غاراتهم الى اربيل والموصل وداقوق. وفي عام 1231م انسحبت القوات المغولية بعد اغارتهم على شهرزور التابعة لأربيل وقد خرج الخليفة المستنصر بالله بقواته للتصدي لهم، مع ذلك استمر الخطر المغولي قائما فقد تكررت الاغارات المغولية عدة مرات حيث تعرضت مناطق اربيل والموصل وسنجار وحران وماردين للغزو بين عامي 1235-1236م،  في وقت نجح حاكم اربيل عام 1235م من التصدي للمغول عند هجومهم على المدينة وتمكن من تحقيق نصر عليهم، فانسحبوا من المدينة وشنوا هجوما اخر على اعمال الموصل ووصلوا الى نهر كرامليس(في الموصل)، مما ادى الى هروب سكان المنطقة. ويظهر ان حاكم الموصل احتاط من خطر غزوات المغول هذه وما قد تلحقه من اذى بالمدينة فاستنجد بالخليفة العباسي المستنصر بالله ، فتحركت قوات الخلافة مما اضطر المغول من الانسحاب وتركوا حصار القلعة قبل الاصطدام بقوات الخليفة. ثم هاجم المغول اربيل من جديد عام 1236م و كان عددهم يزيد على 30 الف فارس، فهرب الناس الى القلعة واعتصموا بها فحاصرهم المغول لمدة اربعين يوما ، فطلب باثكين حاكم المدينة الصلح مقابل مبلغ من المال يدفعه لهم، فوافقوا ولكن سرعان ما غدروا به بعد ان حصلوا على الاموال، وحاولوا احتلال القلعة عدة مرات لكنهم فشلوا واخيرا اضطروا الى الانسحاب بعد وصول الانباء بتحرك قوات الخلافة من بغداد نحو اربيل. ونتيجة للغزوات المغولية المتكررة اضطر حاكم الموصل بدر الدين لؤلؤ الى مصالحتهم.

وقد توسع نطاق التعرض المغولي للأراضي العراقية فلم يقتصر على اربيل فقط بل شمل في عام 1237م مناطق اخرى من العراق فقد هاجموا داقوق وسامراء، كما هاجموا بعض المدن والقرى التابعة لبغداد، فسارع الخليفة المستنصر بالله للتصدي للهجوم المغولي، وارسل قوة يقودها الدويدار مجاهد الدين ومعه شرف الدين اقبال الشرابي تمكنت من تحقيق انتصار على المغول، في وقت اخذ الخليفة يعمل على تقوية الدفاعات امام المغول لذا عمل على تعمير سور بغداد وتجديد سور اربيل تحسبا لكل طارئ .ولكن النصر الذي احرزته قوات الخلافة لم يوقف الغزوات المغولية فسرعان ما هاجم المغول العراق ووصلوا خانقين وتمكنوا  من ايقاع الهزيمة بجيش الخليفة عند خانقين.

ونتيجة للخطر المغولي فكر الخليفة المستنصر بالله في الاستعانة بالأيوبيين في مصر والشام، غير ان البيت الايوبي كان يعاني من التمزق والصراعات الداخلية، وذهبت جهود الخليفة العباسي في محاولة توحيد كلمة الايوبيين ادراج الرياح، لاسيما بعد وفاة الملك الكامل وتولية ابنه العادل، ثم استمرت الخلافات قائمة بعد عزل العادل وتولية الصالح نجم الدين ايوب مكانه في حكم مصر، في وقت كان المغول يعملون على تصفية فلول القوى الاسلامية الباقية مثل سلاجقة الروم في اسيا الصغرى، فهاجموا عام 1241م مدينة ارزن الروم([6])، ثم واوقعوا الهزيمة بالسلطان غياث الدين كيخسرو الثاني في كوزاداخ في شرقي الاناضول عام 1243 واستولوا على سيواس، كما هاجموا قيسارية مما اضطر غياث الدين الى الاستسلام، خلال ذلك كان الخليفة المستنصر بالله قد توفي عام 1242م وتولى المستعصم بالله الخلافة. وفي عام 1245م وصلت الاخبار الى بغداد من اربيل ان المغول تقدموا من همدان بقوة بلغت 16000 مقاتل قاصدين العراق فاستعد الخليفة للقائهم، وارسل قوة عسكرية بقيادة مجاهد الدين الدويدار للتصدي لهم، والتقت قوات الخلافة بالمغول عند بعقوبة وتمكنت من دحرهم. وفي عام 1252م عادت القوات المغولية لتهاجم مناطق اعالي العراق وتقدمت حتى رأس العين وسروج وقتلت اكثر من عشر الف نسمة، ونهبت قافلة تجارية قادمة من حران الى بغداد تضم 600 حمل من السكر والقطن المصري، فضلا عن ستمائة الف دينار. لم تكن الخلافة العباسية في هذه المرحلة التاريخية الخطرة على مستوى المسئولية ولم تدرك حقيقة الكارثة التي باتت تهدد البلاد، فكانت تكتفي باستنفار المتطوعين من الاطراف وترسل الكتب الى الامراء تستحثهم على النهوض، وسرعان ما تختفي هذه الاجراءات مع ابتعاد الخطر عن اطراف الدولة، ويعود الناس الى اعمالهم، في حين كان يتعين على الخلافة تعبئة كل الطاقات وحشد قواها المادية والبشرية لمواجهة التحدي المغولي، وان يتولى الخليفة نفسه قيادة القوى المقاتلة، لما يترتب على ذلك من رفع المعنويات للجند.

 

3.حملة هولاكو على بغداد:

لقد ادرك المغول خلال توجههم نحو بغداد ان الخلافة العباسية اصبحت بمفردها تماما وان كل من يمكن ان يساعد الخلافة في صراعها المقبل مع المغول منشغلا في صراعاته الداخلية، ومن الواضح ان المغول عندما اعدوا حملتهم العسكرية الكبيرة ضد الخلافة العباسية كانوا قد اختبروا القوى الاسلامية في المنطقة سواء بحملاتهم السابقة على الاراضي الاسلامية بين الحين والاخر ، او عن طريق جواسيسهم التي لعبت دروا كبيرا في استمالة بعض الحكام المسلمين بالترهيب والترغيب. ففي بغداد كان هناك الوزير ابن العلقمي الذي ذكر عنه المؤرخون انه كان يكاتب المغول سرا ويحثهم على غزو العراق والاستيلاء على بغداد([7]). وفي الموصل كان هناك بدر الدين لؤلؤ الذي امد المغول ببعض الات القتال والجنود، بل و يقال بان ابنه الصالح ركن الدين اسماعيل اشترك مع المغول في الهجوم على بغداد. اما الاوضاع في مصر فقد دخل الصراع على السلطة فيها دورا مثيرا بعد موت الصالح ايوب عام 1249م، فقد اندلع الصراع مجددا انتهى بمقتل ابنه توران شاه وزوجته شجر الدر وانتهى بتولي عز الدين ايبك للعرش معلنا بدء السلطنة المملوكية. اما في الشام فكان هناك الناصر يوسف الايوبي الذي كان على علاقة مشبوهة بالمغول وارسل الهدايا و السفارات الى هولاكو. والمعروف ان الناصر يوسف حاول اكثر من مرة تشكيل حلف من بقايا البيت الايوبي في بلاد الشام من اجل الاستيلاء على مصر، ومن اجل تحقيق غرضه سعى ايضا الى التحالف مع لويس التاسع في اثناء اقامته في عكا بعد رحيله عن مصر، ولكن لويس التاسع خيب ظنه و لم يستطع التحالف معه بسبب الضغوط التي واجهها من جانب المماليك في مصر، اذ كان لويس لا يزال مرتبطا بمعاهدة دمياط و شروطها القاسية. فضلا عن ذلك لقد تضافرت عوامل داخلية عدة كانت المسببة لسقوط الخلافة العباسية في اخر الخلفاء العباسيين وهو المستعصم بالله ساعدت المغول على تحقيق اهدافهم وهي:

1.ضعف الخلفاء وسوء الادارة وتنافس كبار رجال الدولة على السلطة.

2. اهمال الخليفة المستعصم بالله اخر الخلفاء العباسيين للدولة وعدم الانفاق على تقوية الجيش، كما لم يتخذ أي اجراءات لمواجهة الزحف المغولي.

3.سوء الاوضاع الاقتصادية وفي مقدمتها الخراج المرهق المفروض على الاراضي الزراعية، وكساد الحياة الزراعية والصناعية، وبزوغ الفوارق الطبقية بين افراد المجتمع، كما ساهمت الحروب المتواصلة الى نقص في الايدي العاملة، فغدت الكثير من المزارع مهجورة، فضلا عن الفيضانات التي عصفت في سهول العراق الجنوبية.

في عام 1252 اجتمع امراء المغول برئاسة الخان المغولي الاكبر مونكو في القوريلتاي(المجلس المغولي) وقرروا ايفاد حملة عسكرية بقيادة اخيه هولاكو لغزو ايران وغرب اسيا، وقد حدد القوريلتاي هدف الحملة المرسلة بالقضاء على الاسماعيلية واحتلال عاصمتهم ألموت([8])، وتحطيم الخلافة العباسية في بغداد. وقد اعلن هولاكو عام 1256 قيام دولة للمغول في ايران عرفت بالدولة الايلخانية(أي نواب الخان الاعظم في قره قوم عاصمة الامبراطورية المغولية) حتى قبل ان يبدأ عملياته العسكرية على قلاع الاسماعيلية.

تحرك هولاكو بقواته بعد ان انظم اليه الكثير من الامراء المغول، كما انظم اليه في الحملة نحو الف من الرماة الصينيين البارعين في قذف السهام التي تحمل المشاعل. وقد وصل هولاكو الى ايران ومن هناك ارسل الى جميع حكام البلاد الاسلامية ومنهم الخليفة العباسي المستعصم بالله من اجل ان يساعدوه بالمال والرجال والسلاح لكي يتمكن من اخضاع قلاع الاسماعيلية المنتشرة شمالي بلاد فارس، ولكن الخليفة لم يرسل أي مساعدات الى هولاكو. ولما علم الاسماعيلية الحشيشية بتقدم المغول نحوهم حاولوا بالطرق السلمية دفع هذا الخطر، ولكن هذا لم يجد نفعا، فقد اتجه هولاكو بجيشه حتى وصل الى قلعة ألموت وشدد الحصار عليها واضطر زعيم قلاع الاسماعيلية ركن الدين خورشاه الى الذهاب لخيمة هولاكو واعلن الخضوع والاستسلام، فأرسله هولاكو الى الخان الاعظم منكو خان الى قراقورم حيث امر بقتله، وقيل ان مونكو خان رفض مقابلته فعاد ركن الدين ولكن لقي مصرعه اثناء عودته، وقد تمكن هولاكو من الاستيلاء على قلعة ألموت وغيرها من القلاع وقتل الالاف من الاسماعيلية، وقبل ان ينتهي عام 1257م لم يكن هناك الا عددا قليلا منهم في جبال فارس. ويبدو ان قضاء هولاكو على قلاع الاسماعيلية كان تمهيدا للزحف نحو بغداد وذلك حتى لا تشكل هذه القلاع تهديد لقواته من الخلف عند مواصلة الزحف غربا في اتجاه العاصمة العباسية.

اتجه هولاكو بعد القضاء على قلاع الاسماعيلية الى همدان والتي تبعد نحو 600 كم عن بغداد وقد وصلها في سنة 1257م بهدف مهاجمة العراق بعد ان تلقى تقارير من عملائه في بغداد والمدن الاخرى للوقوف على حقيقة الامر قبل الهجوم الكبير. وكان مسرح الاحداث السياسية في منطقة الشرق الاوسط مهيأ تماما للقائد المغولي لكي يضرب ضربته الكبرى ضد الخلافة العباسية، فالمنطقة من ايران حتى حدود العراق قد اصبحت خاضعة تماما للمغول، والخليفة العباسي المستعصم بالله ضعيف غير مدرك لجسامة الخطر. وبغداد كانت غارقة في الفوضى ثم زادت امور الخلافة سوءا واضطرابا عند اقتراب هولاكو من بغداد.

ارسل هولاكو الى الخليفة المستعصم في عام 1257م رسالة تهديد يدعوه فيها الى تقويض حصون بغداد و اسوارها، وان لم يسلم المدينة، وان يحضر بنفسه، او يبعث اليه احدى الشخصيات الكبيرة في بغداد مثل الوزير او الدويدار. واحتج هولاكو على الخليفة في عدم ارساله المساعدات التي طلبها هولاكو اثناء حصاره قلاع الاسماعيلية. ولم يشأ الخليفة ان يظهر بمظهر الضعف امام هولاكو. فرد برسالة تحمل معنى النصيحة واللين و تطلب من هولاكو العودة الى خراسان. وتذكره بالألاف من اتباع الخليفة من الشرق الى الغرب الذين يمكن حشدهم ساعة القتال. ولا شك ان المستعصم اراد تخويف هولاكو بقوة وهمية، ومما ازم الموقف وزاد من غضب هولاكو قيام اهل بغداد بإهانة رسله، فمزقوا ملابسهم وبصقوا في وجوههم مما لم يترك مجالا للمفاوضات. في الوقت الذي اقترب الخطر المغولي من بغداد زادت حدة الخلافات في بلاط الخليفة بين كبار مستشاريه، فأشار الوزير ابن العلقمي بأرسال الهدايا الكثيرة والاموال الى هولاكو، وان تكون الخطبة والسكة باسمه، في حين رفض الدويدار الصغير مجاهد الدين ايبك رأي ابن العلقمي واصر على ضرورة التصدي للقوات المغولية. فعدل الخليفة عن ارسال الهدايا الى هولاكو. ولكن الخليفة لم ينهي المفاوضات مع هولاكو وترددت المراسلات بين الجانبين. وعندما ايقن الخليفة تصميم المغول على الزحف الى بغداد ارسل سفيره ابن الجوزي حاملا رسالة الى القائد المغولي تفيض بالوعود وتطلب منه في نفس الوقت العودة والتراجع. واقترح الخليفة في رسالته ان يبعث الى هولاكو كل ما يطلبه المغول من اموال، فادرك القائد المغولي عندئذ ان الخليفة كان يريد كسب الوقت الى ان يتمكن من تنظيم قواته.

قبل ان يقدم هولاكو على غزو بغداد، استشار المنجمين حول هدفه، فبدأ بالفلكي حسام الدين الذي جاء برفقة هولاكو من قبل خان المغول الاعظم "منكو خان"  ويبدو انه كان حريصا على منع هولاكو من الاقدام على غزو بغداد فراح يؤكد له ان الحملة سوف تحدث خللا في نظام الكون، فضلا على انها سوف تكون وبالا على الخان نفسه. ولكن هولاكو استدعى نصير الدين الطوسي، لاستشارته فطمأن هولاكو بانه لا توجد موانع تحول دون اقدامه على الغزو، ولم يقف عند هذا الحد، بل اخذ يؤيد وجهه نظره بالحجج القوية التي تكذب نبوءة حسام الدين، فذكر ان الكثيرين من اصحاب الرسول ماتوا في الدفاع عن الدين، ومع ذلك لم تقع اية كارثة. واذا قيل ان ذلك خاص ببني العباس، فان الكثيرين من الناس قد ثاروا على هذه الاسرة، وقتلوا منهم بعض الخلفاء، دون ان يحدث اي خلل. واخذ الطوسي يستشهد بطاهر بن الحسين قائد المأمون الذي قتل محمد الامين وبالأمراء الذين قتلوا المتوكل والمنتصر والمعتز و غيرهم. وعلى اثر ذلك اصدر هولاكو امره بان تتحرك القوات المغولية الى بغداد.

استعد هولاكو للهجوم على بغداد فوضع خطته على اساس مهاجمتها من اكثر من ناحية، وساعده على ذلك كثرة قواته التي بلغت (150000-170000)، ففضلا عن القوات التي جاء بها فقد وصلت اليه قوات اضافية من مقاتلي القبيلة الذهبية([9])، وبعض القوات المغولية الاخرى من بلاد الاناضول بقيادة بايجو، وبعض العناصر الجورجية والارمنية. وقد قسم هولاكو جيشه الى ثلاثة اقسام الاول يتجه من اسيا الصغرى عن طريق الموصل، والثاني يتجه عن طريق وخوزستان، والثالث يتجه من همدان. فامر القائد سوغونجاق في شوال تشرين الاول  1257م بقيادة فرقة من الجيش المغولي والسير بها عن طريق اربيل وعبور نهر دجلة والاجتماع مع قوات القائد بايجو غربي النهر. اما القائد كيتوبوقا فسار عبر طريق لورستان- عبر خوزستان- هذا في حين زحف هولاكو بقلب الجيش المغولي عن طريق كرمنشاه و نهر حلوان. واستعان المغول في زحفهم ببعض الاسرى من طلائع جيش الخليفة الذين قبض على بعضهم و اجبروا على العمل كمرشدين لطلائع القوات المغول. هذا فضلا عن الامدادات التي قدمها لهم بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل. وابو بكر اتابك فارس.

في عام 1258م عبرت قوات المغول نهر دجلة واوقعت الهزيمة بجيش الخليفة الذي كان يقوده الدويدار مجاهد الدين ايبك في معركة الدجيل. كما فتح المغول سد احد الانهار الموجودة بالمنطقة، فغمرت المياه كل الصحراء الواقعة خلف جيش بغداد، فقتل عدد كبير من قوات الخليفة وبعض قادته فضلا عما غرق او قضى نحبه في الوحل، في حين هرب الدويدار مع عدد قليل من جنده الى بغداد، كما تفرق باقي الجند الى الحلة والكوفة. اما المغول فقد ساروا الى بغداد وبدأوا بفرض حصار حولها من كل النواحي، ففي الوقت الذي احكم سونجاق وبايجو الحصار من ناحية غرب المدينة، كان هولاكو قد نزل من الجهة الشرقية منها. وعبثا حاول الخليفة استرضاء هولاكو وتلبية طلباته السابقة، ولكن هولاكو اصر على اقتحام بغداد، وبنى حولها سورا ونصب عليه المناجيق و العرادات والات الحصار، كما سد المغول منافذ الهرب من المدينة من البر أو عن طريق النهر، وهكذا وجد الخليفة نفسه محاصرا من كل الجهات ، فلم يجد بدا من الاستسلام فخرج في 10 شباط 1258م ومعه ثلاثة الاف من اتباعه والائمة والقضاة للقاء هولاكو. ولكن ذلك لم ينقذ المدينة اذ اندفع المغول الى داخلها دون مقاومة تذكر، وقتلوا عدد كبير من سكانها، واشعلوا النار في جامع الخليفة وقبور الخلفاء ، ثم قتلوا الخليفة نفسه واثنين من ابنائه. وظل هولاكو وجنوده يمارسون القتل العام في المدينة ، فلم يسلم احد الا من كان في الابار والقنوات ولم يستطع هولاكو نفسه البقاء في بغداد فترة طويلة لعفونة الهواء بعد ان وقع الوباء في باقي سكان المدينة الذين سلموا من القتل، ويقال ان عدد القتلى قد وصل الى اكثر من ثمانمائة الف نفس. ولم يكتفى المغول بالمذابح التي احدثوها في بغداد، بل دمروا ايضا الكتب العربية التي كانت في قصور الخلافة العباسية والقوا بها في نهر دجلة، ثم جمع نصير الدين الطوسي فيما بعد بقية الكتب من العراق و نقلها الى مرصده في المراغة.

-الحكم الايلخاني في العراق.

          لقد ترك هولاكو بعد وفاته دولة مترامية الاطراف تشمل ممتلكاتها اقاليم ايران والعراق وجزء من الاناضول، وقد عرف اولاد هولاكو واحفاده بالايلخانيين، أي نائب الملك(الخان الاكبر) او تابعه.

          تولى عرش الدولة الايلخانية بعد هولاكو ابنه الاكبر اباقا(1265-1282)، وقد اختاره بإجماع مجلس امراء الايلخان، وبسبب اخلاص اباقا لسياسة والده فقد ابقى هذا الايلخان على معظم رجال الادارة السابقة فاحتفظ بشمس الدين الجويني في ديوان الممالك وعلاء الدين الجويني على ولاية العراق، ولكنه اختار تبريز محل مراغة عاصمة لحكمه. كان محور سياسة اباقا وسياسة خلفائه هو منع أي تغلغل عسكري الى ايران من الجانب الشرقي لأسيا أو من مناطق القفقاس لذلك فقد شهد عهد اباقا منذ اعتلاءه العرش صراعا مع مملكة القبجاق الاسلامية التي انتهت بانتصاره، كما اكمل اباقا تصفية القلاع الاسماعيلية الممتنعة عليهم حتى ذلك الوقت. ان حكم كل من اباقا ومن قبله والده تمثل حقبتين مهمتين في التاريخ الاسيوي للإنجازات العسكرية والسياسية التي تحققت.

          تولى العرش بعد اباقا اخيه تكودار(احمد)(1282-1284)، وقد اعتنق الاخير الدين الاسلامي، متخذا اسما جديدا له هو السلطان احمد. وقد قضى تكودار معظم سنوات حكمه البالغة عامين في نزاع مع ارغون بن اباقا الذي تمكن من الاستيلاء على الحكم في اعقاب قتله تكودار، وكان ذلك بسبب سياسة الاخير الدينية المتعصبة للإسلام والتي اثارت حفيظة زعماء المغول وامراءهم سياسا ودينيا.

          تولى ارغون العرش بين(1284-1291)، وقد برز في عهده طبيب يهودي متنفذ هو سعد الدولة اليهودي الذي وضع سياسة مالية جديدة للدولة، وقد اخذت الادارة الايلخانية في عهد ارغون تشجع استخدام المسيحيين واليهود في المناصب الادارية وفي بعثاتها الدبلوماسية. وقد تولى العرش من بعده كيخاتو(1291-1295)، وابرز الاحداث في عهده تبديل العملة المعدنية الى العملة الورقية حسب النموذج الصيني المتبع هناك. وكان نظام العملة الورقية قد طبق في العاصمة تبريز وبقي معمولا به مدة شهرين، ثم الغي لأنه تحول الى كارثة مالية وسياسية بعد توقف كلي لحركة السوق والتجارة. وانتهى عهد كيخاتو بانقلاب ناجح نفذه بايدو الا ان الاخير اطيح به من قبل غازان(1295-1304). لقد جاء غازان الى الحكم بعد كارثة اقتصادية المت بالدولة الايلخانية نتيجة تطبيق نظام صيني فاشل للعملة الورقية، لذا قرر هذا الايلخان عند اعتلائه العرش مواجهة الوضع المتردي بوضع اسس جديدة للاقتصاد الايلخاني، لذا يعد عصره عصر الاصلاح في الدولة الايلخانية. وقد ساعد غازان في اصلاحاته وزيره الشهير رشيد الدين فضل الله. وابرز اصلاحات غازان اعلان الاسلام الدين الرسمي للدولة، وتسمى باسم السلطان محمود، ثم عمل على اعادة الامن والنظام للدولة، فضبط العصابات والقوى الخارجة عن النظام التي تعبث في الامن  والاستقرار، كما حد من نفوذ رجال الدولة، مما ادى الى تحقيق حالة جيدة من الاستقرار.  وبعد وفاة محمود غازان تولى العرش اخوه اولجايتو(1304-1316)، الذي اتسم عهده بالاستقرار النسبي نوعا ما. كان اخر الايلخانات المغول هو ابو سعيد بهادر خان(1316-1335) وهو ابن اولجايتو، ولعل ابرز احداث عصره هي اعدام رشيد الدين فضل الله. وقد ساءت اوضاع الدولة الايلخانية بسبب الدسائس الكثيرة التي قام بها رجال البلاط والحريم وتدخلهم في شؤون الحكم، فضلا عن ذلك النزاع بين المغول والاتراك من جهة، والايرانيين من جهة اخرى قد ادى الى فقدان الايلخان لسيطرته على الاقاليم والمدن التابعة لإدارته فأخذت المقاطعات تميل الى العصيان على السلطة المركزية، والانفصال عنها، ولم يبق من الدولة الايلخانية التي كانت تجمع عدد من الدول في دولة واحدة وهي العراق وايران وجزء من الاناضول وجورجيا، الا عدد من الامراء المتنازعين بينهم على عدد من الاقاليم والمقاطعات التابعة لمناطق حكمهم. وكانت وفاة ابو سعيد ايذانا بانهيار الحكم الايلخاني.

التتمة في بحث قادم-انظر القائمة الرئيسية-الارشيف



د. اسامة عدنان يحيى

البحث الاصلي منشور في مجلة الدراسات التاريخية/كلية التربية الاساسية/العدد:8، لسنة: 2010.       

يجد الدارس لحضارة وادي الرافدين صعوبة الفصل بين التاريخ الأشوري والتاريخ العام لهذه الحضارة،نظرا للتماثل الكبير بين مختلف المظاهر الحضارية لهذا البلد.لكن دراسة الحقبة المبكرة في تاريخ أشور تشكل ضرورة ملحة من اجل استيعاب الأصول الأولى للحضارة الأشورية،والتي تتسم بالصعوبة البالغة في متابعتها،إذ إن دراسة هذه الحقبة تصطدم بعقبات كبيرة،فعلى العكس من الجنوب الذي وصلنا منه كتابات غزيرة سواء نصوص تاريخية(قوائم ملوك،كتابات ملكية،نصوص نذرية)،أو نصوص  أدبية(أساطير،ملاحم،مراثي،أدب مدرسي)،أو نصوص قانونية (عقود اقتصادية،عقود زواج،قوائم جرايات،نصوص إصلاحات)،أو نصوص دينية(تراتيل،أدعية،قوائم بأسماء الآلهة) التي تقدم مادة غنية ومهمة للباحث في العصور المبكرة لبلاد سومر،ولكن في بلاد أشور فان الأمر مختلف،ففي العصور المبكرة،لاسيما في عصر فجر السلالات (Early Dynastic Period)،فإننا لا نمتلك أي وثائق من اجل بناء تصور واضح حتى لو كان جزئيا عن بلاد أشور،وقد أشير إلى هذه الحالة من قبل المنقب الألماني  فالتر اندريه (Walter Andréa) انه في أشور نعاني:"من غياب كامل للنصوص الكتابية".لذا فان اعتمادنا الكلي في كتابة تاريخ أشور في هذا العصر سيعتمد بالدرجة الأساس على المادة الاثارية المتوفرة والتي كشفت عنها التنقيبات الاثارية،ومن ثم الإشارات القليلة التي وردتنا من وثائقنا في الجنوب أي بلاد سومر.

          يسمى هذا العصر في بلاد أشور بعصر الطبقة (G-H) ،وان معرفتنا عن هذا العصر ،من الناحيتين السياسية والحضارية ناقصة وغامضة لاسيما في الطورين الأول والثاني من عصر فجر لسلالات،إلا انه في الطور الثالث من هذا العصر أخذت تصلنا بعض المعلومات عن هذه المنطقة.ويؤرخ المنقب اندريه عصر الطبقتين (G-H) بفترة زمنية ترقى إلى الألف الرابع-الثالث قبل الميلاد.هذا ويعد اندريه إن شعب الطبقة (G) معاصرين لسلالة لكش(Lagaš) الأولى أي في عصر فجر السلالات الثالث.لذا لابد من تخفيض تواريخ اندريه وربما كان عصر الطبقة (H)في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد.

          لا نعرف شيء عن التنظيم السياسي لبلاد أشور خلال هذا العصر ويعتقد احد الباحثين انه على الرغم من ورود إشارات عن شمال بلاد الرافدين لكنها لم تذكر الأشوريين،مما يؤكد على أنهم لم يؤسسوا بعد كيان سياسي لهم.ونمتلك إشارة في كتابة لـ (اياناتوم) (Eanatum) حاكم من سلالة لكش الأولى انه واجه حلفا عسكريا أقيم بين عيلام(Elam) وبلاد سوبار(Subar) ومدينة أورو- أ (Uru-a)وانه انتصر عليهم أو كما يقول اياناتوم:

elam Subarki Uru-aki a-Šhur-ta tum-Šè bi-Šè

أي:"عيلام (و) سوبار (و) أورو- أ،وذلك ابتداءً من قناة اشخور،بالسلاح قد ضربها".

          إن الذي يهمنا في النص هو اشتراك سوبار في الحلف،وهو الاسم المرادف لبلاد أشور،ومن الجدير بالملاحظة إن اياناتوم يذكر سوبار وبعدها اللاحقة (Ki) والمعروف إن هذه اللاحقة تتبع أسماء المدن والمناطق،الأمر الذي يشير إن الاسم سوبار ذا دلالة جغرافية وليس قومية.وان هذا النص يشير إلى مسألتين مهمتين وهما اشتراك سوبار(Subar) في حلف عسكري مما يشير إلى امتلاكها قوة عسكرية معدة للحرب،والمسألة الثانية هي إنها أقامت علاقات سياسية مبكرة مع المناطق المجاورة.لكن ذلك يصطدم بشكل مؤكد مع نتائج التنقيبات الاثارية،فقد أشار اندريه إن سكان أشور خلال عصر الطبقتين(G-H) كانوا على ما يبدو مسالمين،إذ لم تكشف التنقيبات عن أية تركة حربية لهم،فصحيح إن هيكل الآلهة ليس المحل المناسب لكي يزين بالأسلحة،لكن لابد من وجود اثر ما في موضع ما من المدينة لتلك الأدوات،كذلك لم يبق شيء من التحصينات الأشورية لتلك الفترة السحيقة،ويرى هذا المنقب انه يجب أن ننسب القبور القديمة التي حرص السكان على أن يدفنوا فيها مع الرجال أسلحة برونزية،إلى ادوار أشورية لاحقة،ربما منتصف أو نهاية الألف الثالث قبل الميلاد(لابد من التذكير هنا إن تواريخ اندريه مرتفعة) بسبب ما تحويه من الأواني الفخارية.لذا يفترض اندريه إن بلاد أشور خلال هذه الفترة لابد إنها عاشت تحت حماية قوية،ولم تكن هذه الحماية إلا من الجنوب بل يذهب اندريه إلى ما هو أكثر ويقول انه ربما كان شعب الطبقة (G)أصلا من السومريين (يسميهم اندريه بابليين نسبة لبلاد بابل)،أي إن بلاد أشور كانت خاضعة سياسيا إلى إحدى الدويلات الجنوبية،ويستند اندريه في رأيه هذا إلى عدة أسباب وهي:

1.تشييد سكان أشور في هذا العصر معبدهم حسب الخطة الجنوبية.

2.الاختلافات الملفتة للأنظار التي تظهر في رؤوس التماثيل،والتي افترض سابقا ماير (Meyer) وجود عرقين من البشر متعايشين جنبا إلى جنب.وهذه المسألة تتعلق بالرجال فقط،حيث يبدو بعضهم حليقي الرؤوس فضلا عن اللحية،وهذا نشاهده أيضا في الجنوب لاسيما في بسمايا وتلو،بينما يظهر رجال آخرون حليقي اللحية أيضا لكن لهم شعر غزير منسدل إلى الخلف،حيث يستقر فوق الرقبة على شكل ضفيرة.ويصادفنا هذا الشكل في أعمال النحت في بسمايا ونفر وتلو.

3.وجود تناقض بين التماثيل الأشورية والسومرية،إذ تغيب تماما النقوش الكتابية من التماثيل الأولى التي تظهر في معظم التماثيل السومرية،وهنا يتساءل اندريه هل إن شعب أشور يجهل الكتابة ؟ إن ذلك غير ممكن برأي المنقب،فقد عثر في منطقة القصر القديم في أشور على كسر لرقم مشوية تحمل علامات كتابية،وقد وجدت هذه الكسر في الطبقات العميقة جدا التي لابد إنها تتطابق مع طبقة المعبد (G)أو (H).ولهذا يرى هذا المنقب بأنه ربما كانت الكتابة على التماثيل امتيازا للأمراء الكبار،بينما كان يجب على الأمراء الأصغر شأنا الاكتفاء بصنع تماثيل فقط دون نقش أية نصوص.

          من خلال ذلك يخلص اندريه إلى نتيجة مفادها إن شعب الطبقة(G) كان تابعا لأحد الحكام من الجنوب،كما حصل لزريقوم الذي حكم لاحقا في عصر سلالة أور الثالثة.غير إن هناك أسباب وجيهة تجعلنا نرفض رأي اندريه،وان أشور في هذا العصر لم تكن خاضعة للجنوب،فبالنسبة للحجة الأولى الخاصة ببناء السكان معابدهم على غرار المعابد البابلية،فلا يشكل دليلا على سيطرة سياسية من الجنوب،طالما إن المؤرخين يؤكدون إن بلاد أشور كانت خاضعة طوال الألف الثالث قبل الميلاد لمؤثرات قادمة من الجنوب.وان القول بوجود عرقين من البشر في أشور على أساس الاختلاف في النحت،فهو أمر لا يمكن الركون إليه لان المنحوتات تخضع للأذواق الفنية أكثر مما تعكس اختلافات عرقية،فضلا عن إن استخدام المنحوتات كأدلة لاختلافات قومية أصبح مرفوضا من قبل الباحثين المحدثين.وان غياب النقوش من التماثيل الأشورية ربما يعود بالفعل إلى عدم معرفة السكان بالكتابة،ويبدو إن هذا الأمر هو الذي جعلنا لا نشهد وثائق كتابية من هذا العصر في أشور،ويشير العالم الألماني اوتو ادزارد إلى حقيقة إن العلاقات بين بلاد بابل وبلاد أشور كانت مغلقة إلى درجة ما،بسبب وجود جبل حمرين،وهو فرع من سلسلة جبال زاكروس،والصحراء الواقعة إلى الجنوب منه.ويعتقد ادزارد إن ذلك هو السبب في عزلة بلاد أشور لذلك فإنها لم تحصل على الكتابة إلا في وقت متأخر كثيرا عن بلاد بابل،فهناك بعض النصوص تظهر فقط في أشور فقط خلال الفترة الأكدية.وان الافتراض الذي يقول إن غياب النقوش الكتابية من التماثيل في أشور بسبب إن ذلك امتيازا خاصا بالأمراء الكبار وليس من حق الأمراء الأصغر شأنا يتناقض مع نتائج التنقيبات الاثارية،فقد عثر في ماري(Mari)(تل الحريري قرب البو كمال الحالية) على تماثيل عليها كتابة أعانت الباحثين على معرفة أسماء الأشخاص الذين تصورهم التماثيل ومنها تمثال الطحان أيدي-ناروم(Idi-Narum) والمغنية أور-نانشة               (Ur-Nanše)،وليس هناك من دليل على إن هؤلاء كانوا من الطبقة الحاكمة.

          نخلص من هذا إن محاولة البرهنة على إن بلاد أشور كانت خاضعة للجنوب في هذا العصر،لا يمكن الأخذ بها ما لم تتوفر أدلة كتابية تؤكد هذه المسألة.هذا ويمكن الافتراض إن بلاد أشور خلال هذه الحقبة على غرار الجنوب كانت تتألف من عدد من الدويلات مثل أشور ونينوى،رغم وجود رأي يقول إن  بلاد أشور  لم ينشأ فيها نظام دول المدن في عصورها القديمة على غرار ما ظهر في الجنوب.ونقرأ في نص يعود لأحد حكام الجنوب وهو لوكال انيموندو حاكم دولة اداب (Adab) والذي حكم حسب ما يذكر الإثبات السومري للملوك تسعون سنة والذي ربما كان من ملوك سومر العظام.وقد وصلتنا منه وثيقة متأخرة تدل على انه كان غازيا كبيرا بسط نفوذه من الأراضي الواقعة بين البحر المتوسط حتى جبال زاكروس،ووصفته الوثيقة بملك الجهات الأربعة،وتتحدث عن بنائه معبد اينامزو وتذكر حضور وفود من الدول المجاورة ومنها بلاد سوبارو (سوبير) مع أضاحيهم للمشاركة في هذه المناسبة.فإذا ما أخذنا ما ورد في هذه الوثيقة كحقيقة تاريخية فان ذلك يعني وجود علاقات سياسية مبكرة بين بلاد أشور والجنوب.ومن الجدير بالذكر إن الوثيقة تشير إلى إن الوفود الذين حضروا كانوا بصفتهم سوكال ماخ(Sukkal-Mah) وهي كلمة سومرية تعني وزير الملك.ويترجمها ادزارد الوزير الأقدم وان سوكال في الأصل تعني مبعوث أو رسول.مما يشير إلى وجود تنظيم إداري جيد في أشور في هذه الحقبة.

          إن محاولة الاعتماد على المادة النصية القادمة من الجنوب لمعرفة تاريخ أشور مخيبة للآمال فالوثائق السومرية لا تقدم لنا معلومات ذات شأن مهم،ولا يمكن من خلالها رسم حتى تصور أولي عن هذه المنطقة.

          أما الجوانب الأصعب والاهم في تاريخ أشور وهي مسألة أصل السكان الذين استوطنوا هذه الأرض،ففي ظل غياب المصادر الكتابية تبقى المسألة غامضة ومربكة.فكما رأينا إن المنقب اندريه اعتقد انه من الممكن إن سكان أشور ربما كانوا من السومريين،نظرا للتشابه الكبير بين المظاهر الحضارية في الشمال والجنوب،ولكن هل يمكن للنصوص الكتابية المتوفرة في الجنوب تعطينا أضواء على التركيب العرقي لبلاد أشور؟هنا أيضا كانت مصادرنا من سومر مخيبة للظن باستثناء التسمية التي ظهرت في نص اياناتوم وهي سوبار.فهل هذه نفس المنطقة الواردة في نص لوكال انيموندو باسم سوبارو/سوبير والنصوص الخاصة بإخبار سرجون الاكدي وهي سوبارتو(Subartu) ؟ ليس من غير المعقول أن نفترض إن سوبار هي نفسها سوبارو وسوبارتو،وكما ذكرنا سابقا إن تسمية سوبار تحمل مدلولا جغرافيا وليس عرقيا،والحقيقة إن موقع سوبارتو يصعب تحديده بشكل قاطع ويفترض بوتيرو إن منطقة سوبارتو تقع في أعالي وادي الرافدين في المنطقة الممتدة من جبال زاكروس إلى الخابور والبليخ،وربما إلى أكثر من ذلك غربا.وكان يقع ضمن هذه المنطقة بلاد أشور الأصلية.بينما يعين الأستاذ الأمين هذه المنطقة بأنها الواقعة إلى شمال كركوك وشرقيها.فهل يمكن أن تكون تسمية سوبارتو  تدل في العصور المبكرة على منطقة أشور ؟في النصوص المتأخرة فقط يمكن أن نجد هذه المطابقة،فالملك دادوشا حاكم اشنونا في العصر البابلي القديم(2006-1595 قبل الميلاد) يتحدث عن جيش حاكم ماري الأشوري يسمخ ادد (Ismuh-adad) ويقول عنه:"جموع سوبارتو وخانة".وان قائمة سنوات حكم حمورابي ملك بابل (1792-1750) يرد فيها تسمية بلاد أشور بصيغة سوبارتو.ونجد إن الملك البابلي مردوخ-ابلا-ايددينا (721-710) يطلق على الملك سرجون الثاني(722-705) اسم ملك السوباريين وليس الأشوريين ويسمي جيشه جموع سوبارتو.وفي نص يعود إلى نابونائيد يصف ملك أشور سنحاريب ويسميه ملك سوبارتو.إن الأدلة السابقة تشير بشكل جيد إلى إن أشور/سوبارتو اسم لمنطقة واحدة،أطلق عليها في النصوص اسم سوبار-شوبور-سوبير-سوبارتو-شوبارتو.وهنا يبرز التساؤل من هؤلاء السوباريين الذين تركوا اسمهم على هذه المنطقة حتى أواخر حضارة وادي الرافدين؟

          إن النظرية السائدة تقول إن السوباريين كانوا من أوائل من سكن بلاد أشور،وهم الذين سبقوا الأشوريين في الاستيطان،ويرجح أن يكون الاسم الأصلي لبلاد أشور كما أسلفنا،(سوبارتو)أو (شوبارتو)أو (سوبير)،نسبة إلى أولئك السوباريين.وان أصل السوباريون ولغتهم غير معروفة،وكل ما قيل عن لغتهم إنها ليست من عائلة اللغات الهندية-الأوربية،وأنهم كانوا من الأقوام الجبلية في الجهات الشرقية مثل الكوتيين واللولوبيين،وكانوا يقطنون قي شمالي ما بين النهرين في منطقة الجزيرة العليا وشرقي دجلة،وكان يقع ضمن موطنهم المنطقة الشمالية من العراق التي عرفت باسم بلاد أشور،وذلك قبل هجرة الأشوريين إليها في الألف الثالث قبل الميلاد،إذ أزاحوا القسم الأكبر من السوباريين إلى المناطق الجبلية شرقي دجلة. ولكن الأستاذ كريمر يرى بان ما يعرفون باسم الفراتيين الأوائل الذين سبقوا السومريين في الاستيطان يمكن أن نطابقهم باسم السوباريين فإذا ما صح هذا الافتراض فان الحضارتين الجنوبية والشمالية ربما تعود إلى نفس الجذور الأولى.فضلا عن ألا يمكن النظر إلى إن حضارة شعب الطبقة (G-H) كانت سوبارية،أي بتعبير أدق هل يمكننا الافتراض إن حضارة  هذا العصر هي حضارة سوبارية وليست أشورية؟ هل يمكن أن ننسب اللقى الاثارية التي عثر عليها والتي تعود لهذا العصر في أشور إلى أولئك السوباريين المجهولين المتأثرين بالحضارة السومرية؟إن السبب الذي يدفع إلى هذا الاعتقاد إن سكان أشور في هذا العصر لو كانوا أشوريين لذكروا باسمهم وليس باسم السوباريين،ولكن النصوص المسمارية تذكر صراحة بلاد سوبار/سوبارتو وليس بلاد أشور.ومع ذلك هل يمكن إن الأشوريين يكونوا قد دخلوا شمال العراق في هذا العصر؟ إن هناك افتراض يقول إن الأقوام الرئيسة التي استوطنت بلاد أشور منذ فجر التاريخ هي تلك التي قدمت من ناحية الغرب عن طريق سوريا ومنطقة الجزيرة.ويظن إن أول هجرة كبيرة معروفة حدثت في أواخر الألف الرابع وبداية الألف الثالث قبل الميلاد واتجهت نحو القسم الوسطي والجنوبي من العراق وعرفت بالهجرة الاكدية في حين اتجهت مجموعة منها إلى المنطقة الشمالية من العراق مكونة طلائع الأقوام الأشورية.ومما يؤكد إن طلائع الأشوريين يؤلفون هم والأقوام الاكدية في الأصل موجة بشرية واحدة جاءت عن طريق الغرب،إن اللهجة الأشورية القديمة واللهجة الاكدية القديمة،تتشابهان إلى درجة ظن بعض الباحثين بأنه لابد إن كان الأشوريون قد استقروا في الجنوب إلى جانب الاكديين قبل نزوحهم إلى الشمال.غير إن هذا تفسير التشابه بين اللهجتين بانحدارهما من أصل واحد وارتباطهما الوثيق من بعد استقرار كل من الأشوريين والاكديين في منطقتين مختلفتين.ربما إن التنقيبات المستقبلية في العراق والدراسات القادمة ستستطيع أن تجيب على هذه الأسئلة؟

          لا نعرف الكثير عن حضارة الطبقة(G)،وان المعلومات المتوفرة هي تلك التي حصلنا عليه نتيجة التنقيبات الاثارية.وان الوصف التالي لهذه الحضارة سيعتمد على نتائج هذه التنقيبات.

          ليس لدينا معلومات كافية تخص الحياة الاجتماعية في أشور خلال هذه الحقبة،سوى ما عثر عليه من لقى اثارية،منها بقايا البيوت الطينية،إذ كان الطين هو المادة الأساسية في البناء،في شمال العراق وجنوبه وهو المادة الرئيسة الأوفر والأكثر اقتصادا والأقل كلفة والأكثر قدرة على التطويع والتشكيل.فقد كانت في أشور البيوت طينية،وهذا ينطبق كذلك على كبار القوم وأمرائهم.ويمكن لهذه البيوت أن تتشابه مع أبنية المعابد في مخططاتها وترتيب أجزائها:غرف نوم حول فناء واحد أو فنائين،وغرفة كبيرة واحدة أو غرفتان،ومداخل تؤدي إليها من خلال الزقاق وان أرضية البيوت عبارة عن تراب  أو حصى مدقوق،أما الحجارة المنبسطة والأجر المشوي فلا يتوفران إلا عند العتبات فقط،وربما وجدت فوق الأرضية حصيرة مصنوعة من القصب(الذي لابد وان كان يجلب من الجنوب)،لان عموم السكان كانوا يجلسون على الأرض،أما الكراسي فكانت مخصصة في الأصل للإله فقط،أو للأمراء.وكان الكرسي عبارة عن مقعد مكعب الشكل بلا مسند يكون سطحه المخصص للجلوس مقعرا.وقد عثر في أماكن متعددة من المعبد أجزاء مرتفعة تشبه المقاعد تمتد على طول الجدران تصلح للجلوس،كما إنها مثل الجدران تصلح للجلوس،كما إنها مثل الجدران مبنية باللبن ومطلية بملاط طيني.ولا نعلم ما إذا كان مثل هذه المقاعد قد توفرت في البيوت أم لا؟وقد عثر في تلو مقاعد شبيهة بهذه لكن الاستخدام الحقيقي للغرف التي وجدت فيها غير معروف تماما على الرغم العثور على العديد من الرقم الطينية فيها.ولم يصلنا شيء ومن الحاجيات التي كانت تدخل في مجال الاستعمال اليومي،باستثناء تلك المصنوعة من الفخار،فالمواد مثل الأخشاب أو المنسوجات تتلف بسرعة في المناخ والرطوبة العالية.

          زاول السكان عدداً من الحرف وبلا شك كانت الزراعة أهمها،فالمعروف إن في كل إقليم من بلاد أشور توجد مساحات صغيرة من أراضي الحبوب،وكانت هناك منطقتان واسعتان بالذات منتجتان بشكل واضح للحبوب،الأولى هي سهل اربيل- ولا نعرف إن كان هذا الإقليم كان من ضمن حدود بلاد أشور في ذلك الحين-الذي يوصف بأنه أحسن إقليم منتج للقمح في العراق،والمنطقة الثانية هي سهل الموصل.والى الغرب من دجلة هناك حزام من الأراضي الصالحة للزراعة في منطقة الجزيرة إلى الجنوب من وجبل سنجار،ويمكن أن نلحظ انه في السنوات الجيدة ينمو الشعير في هذا السهل إلى الخط الذي يصل بين الحضر وقلعة الشرقاط (موقع العاصمة القديمة أشور).ونعرف عن وجود عدد من الحرف من الشواهد الاثارية فقط،إذ كانت النجارة مزدهرة في ذلك العصر،ونمتلك عنها معلومات من خلال التماثيل الجالسة التي وصلتنا.ونعرف أيضا وجود حرفة الحفر على العاج،أما صناعة النحاس فيشير إليها منجل عثر عليه في معبد عشتار.وكانت صناعة الفخار مزدهرة،وقد وصلتنا نماذج من الأواني الفخارية المستخدمة في أشور والتي تعد من حيث شكلها وصناعتها مساوية لأفضل ما قدمته صناعة الفخار خلال العصور الأشورية.استخدم السكان أنواع متعددة من الفخاريات،فهناك وعاء خزن الماء المستعمل في البيوت والذي كان يركب فوق حامل خشبي،ويوضع تحته وعاء أخر لتجميع قطرات الماء المرشح،كذلك هناك الأقداح والأطباق والكاسة التي تستخدم لشرب الماء.فضلا عن أوعية الطعام،ومواقد الفحم لموسم البرد،ومجاري وأحواض الغسيل.وهناك أدوات واوانٍ مصنوعة من الفخار المشوي خاصة بالصلاة والعبادة.ويبدو تلوين أو نقش الأواني بالمعنى الحقيقي لم يكن مألوفا في ذلك العصر،وكل ما نعرفه هو أعمال بسيطة فقط مثل التنقيط بنقط سوداء أو رسوم دوائر أو ما شابه،وقد اقتصدوا كثيرا في هذه الأعمال التي تظهر في الغالب على رقاب وأكتاف الآنية.وان اللونين الأسود والأحمر المستخدمان على الآنية،كانا مستخدمان في عهود ترقى إلى ادوار ما قبل التاريخ وصولا حتى عصر الطبقة (H).ولا نعرف كيف كانوا يقومون بصناعة الألوان،وقد أشير بشكل عام إلى إن نقوش الفخاريات لونت بألوان من أصل عضوي ومعدني،واستخلصت الألوان العضوية من عصير النباتات أو الكربون،والمعدنية من اكاسيد الحديد والمنغنيز.وكانت اللون الأسود ينتج من استعمال عصير النباتات الذي يصبح اسود إذا كانت حرارة الكورة المستخدمة لشي الفخار قليلة ومدتها قصيرة.وكذلك يتم الحصول على اللون الأسود من اوكسيد الحديد أو اوكسيد المنغنيز أو الكربون.أما اللون الأحمر فيتم الحصول عليه من اوكسيد الحديد أيضا.كانت زخرفة أواني الطبقة (G)،أما بارزة أو غائرة،فالأوعية الكبيرة تزين عادة بحلقات منتفخة مثل الحبل،وهذه تزيد من تماسك الإناء وقوته،ويقل عددها في الأواني الصغيرة،وكذلك تشمل الزخرفة خطوط متموجة ومستقيمة ونقاط تنتج بوساطة الخدش والحز.

          كشفت التماثيل عن الأزياء التي لبسها السكان في هذا العصر،ويشير مورتكات إن الأمير-الكاهن عادة ما يظهر وهو حليق الرأس في أكثر الأحيان وفي لباس يسمى التنورة ذات الخصل الصوفية (الكوناكس) المؤلفة من سبعة صفوف أفقية من الخصلات الصوفية بعضها فوق بعض.ويبدو إن هذا الزي هو الذي كان سائدا خلال هذا العصر ويمكن أن نقارن الملبس في تمثال وصلنا من أشور مع الملابس التي تظهر على التماثيل من أنحاء مختلفة من وادي الرافدين،مثل التمثال من الرخام لرجل من خفاجة(في ديالى) ،أو التمثالين من ماري المصنوعان من حجر الكلس لـ(ايتور شامكان)،و(ناني).ونشاهد نفس الملبس يرتديه ابن اياناتوم حاكم لكش باستثناء إن الملابس التي يرتديها تتألف من خمسة صفوف أفقية من الخصلات الصوفية.ونشاهد الحاكم انتمينا يرتديه في تمثال من حجر الدورايت.وتظهر النساء وهن يتركن الكتف الأيمن والثدي عاريين ويعتقد اندريه إن هذا الزي يرتدى فقط أثناء الصلاة،وفي تمثال تظهر امرأة برداء كأنه حجاب كامل ويبدو الرداء في شكل عباءة ترتدى فوق الملبس الاعتيادي.وتصنع هذه العباءة من قطعة قماش بخصل مستطيلة الشكل،وبحافة عليا مقلوبة بحيث إن الخصل المسحوبة إلى الداخل تظهر في الأعلى كياقة متجهة للخارج.ربما فقط النساء الأحرار يرتدين مثل هذه الثياب،أو بتعبير أدق كانت النساء الأحرار يظهرن بحجاب كامل،كما تشير إلى ذلك المادة القانونية المتوفرة من العصر الأشوري الوسيط،وربما يمكننا الافتراض وجود مثل هذه الحالة في العصور المبكرة.فضلا عن ذلك تعطينا التماثيل تفاصيل أخرى عن أدوات الزينة،فقد ارتدت النساء القلائد من الخرز،وكذلك الحلق،وتعرفنا الأشكال الفخارية عن مشبكات الأذرع.

          إن معلوماتنا عن المعتقدات الدينية خلال هذا العصر قليلة،فلا نمتلك مادة كتابية حول العبادة أو الطقس الديني،ولا نعرف شيئا عن مجمع الآلهة،باستثناء الافتراض عن وجود عبادة للربة عشتار(ايناننا السومرية) على أساس المعبد الذي كشفت عنه التنقيبات والذي يعود في عصور لاحقة إلى هذه الربة.ولا نعرف إن كان الأشوريون في هذا العصر موجودين في أشور أم لا ؟و لا نعرف كذلك إن كانت عبادة الإله أشور المعبود الرئيس للأشوريين كانت موجودة ؟

          كشفت التنقيبات في أشور عن بقايا معبد مهم شيد لعبادة الإلهة عشتار،وقد سجل لهذا المعبد دوران رئيسان،أقدمهما دور التأسيس وهو المعبد المسجل بحرف (H) في التنقيبات،والذي شيد على الأرض البكر،ثم شيد فوقه المعبد الثاني وفق المخطط نفسه وهو المعبد (G).ويشير الفخار الذي وجد في المعبد إلى انه استمر في الاستعمال في الطور الثاني وأوائل الطور الثالث من عصر فجر السلالات.وكما نوهنا سابقا فانه لا توجد فروق كبيرة بين المعبد في هذا العصر والبيوت السكنية،فيما عدا وجود غرفة الإله التي تمتاز بجدران سميكة ومساحات واسعة.إن غرفة العبادة تقع على الفناء حتى إذا كان الفناء لا يؤدي إليها مباشرة،وكان الشخص الداخل إليها يجد نفسه في زاوية المكان وعليه أن يستدير شمالا لكي يستطيع رؤية الإله.وربما كان هناك مكان مرتفع لنصب تمثال الإله،هذا الموضع يبدو مرتفعا جدا في المعابد الأشورية المتأخرة،نسبة إلى الموضع الواطئ في المعابد البابلية الذي لا يزيد عن سلم ذي درجة واحدة،لذلك كان لابد من وجود درج للوصول إلى سطح القاعدة المرتفع،بينما كان البابلي القديم يقف بنفس الارتفاع مع تمثال إلهه تقريبا.ومن الملفت للنظر انه لم يبق أي اثر للتمثال المعبود في المعبد.وربما كان الموضع المرتفع يقع عند الجدار الضيق وعلى يسار الشخص الداخل.وفي عصر الطبقة(H)كان موضع الإله يبرز عن بقية أجزاء الغرفة بواسطة أعمدة جدارية على كلا الجانبين،بحيث نشأ عن ذلك مكان صغير يمكن أن نسميه(bïtrëši) (البيت الرئيس)،ويفترض اندريه إنهم عمدوا إلى عزله بستارة أو حصيرة،رغم لا يوجد ما يؤيد ذلك لافتقارنا للنصوص الكتابية.

          لا تعرف أمورا كثيرة عن الطقوس الدينية وربما كان الأفراد يُصّلون إلى اله وهم عراة،ففي مشهد في نحت بارز نشاهد رجلا وهو يقدم قربانا من المشروب،مرة إلى اله ملتحٍ وأخرى إلى إلهة أنثى،والرجل عارٍ تماما وحليق الشعر كليا.ومن خلال المشهد السفلي نتعرف على رجلين حليقا شعر الرأس تماما يسوقان ماعز وخروفا جبليا،ويحمل الرجل الذي يسير في المقدمة شيئا ما على رأسه،وهما يرتديان تنورة ذات الخصل.ويمكن أن نشاهد من إن احد الرجلين يمسك بيده اليمنى شيئا له صلة بالعبادة موضوعا فوق رأسه،بينما يرفع الثاني يده بأسلوب يدل على إيماءة الصلاة.وربما كان الرجلان في الإفريز الأسفل لا يمثلان مباشرة أمام الإله مثل واهب المشروب،لذا فهما لا يزالان يرتديان ملابس دنيوية اعتيادية أي التنورة ذات الخصل.وربما كان الشخص العاري يمثل كاهنا في حين إن المتعبدين يرتدون ملابسهم الاعتيادية،ويشير الأستاذ فون زودن انه في العصر السومري يبدو انه توجب خلال بعض تقديم القرابين أن يظهر احد الكهنة عاريا أمام الإله،وربما كان ذلك ليدلل على طهارته التامة.

          يمكن أن نفهم من التماثيل في المعبد إن علاقة المصلين بالإله كانت علاقة قريبة،حميمة وشخصية،فالإله قريب وحاضر دائما،وانه يقيم مع البشر في مكان واحد،والإنسان يخطو إليه كما يتقدم نحو أي مخلوق حي،يتكلم معه ويتلقى أجوبته ويقدم إليه القرابين.هكذا هي كانت الصورة في المعابد السومرية وليس هناك أي مبرر- نظرا للتشابه الكبير بين المظاهر الحضارية بين الجنوب والشمال- لكي نتصور حالة سكان الطبقة (G) في أشور يختلف كثيرا،لكن العلاقة هنا ربما تأثرت بمقدار ضئيل بسبب وجود تمثال الإله فوق مكان مرتفع مقارنة بالإله البابلي.ولكن لا نعرف شيء عن تمثال الإله وربما كان مصنوعا من مادة سريعة التلف ومغطى بملابس حقيقية مليئة بالزخارف والحلي.كان من النادر أن يدخل المرء إلى المعبد دون قربان،ونشاهد هذه الحالة في العديد من مشاهد الصلاة.وفي معظم الأحيان تقوم آلهة اقل شأنا ومنزلة بتقديم المصلي إلى الإله الكبير المتربع على عرشه،لذلك لم يكن يسمح للمصلي بالظهور أمام الإله بمفرده ومن تلقاء نفسه بل يحتاج إلى من يقوده ويقدمه.هذه الحالة نشاهدها بشكل جيد في الجنوب،ويعرف الإله الثانوي عادة بين الباحثين باسم الإله الحامي أو الشخصي،ففي الأختام الاسطوانية هناك مشهد يمثل فردا عابدا يقدمه اله أو إلهة إلى بعض الآلهة من مقام ومرتبة أعلى.وربما إن كهنة بزي آلهة هم الذين تولوا هذه المهمة.ولكن ماذا تمثل هذه الآلهة في أشور؟ إن غياب الوثائق يجعلنا لا نفهم دورها،لكن في سومر كان لابد للإنسان من اله شخصي،وسيط للتدخل من اجله أمام الآلهة،وسيط تكون الآلهة الكبرى راغبة بالسماع إليه،فالإله الحامي أو الشخصي أشبه ما يكون بالملاك الطيب لكل شخصية مهمة ورب أسرة، الذي يعنى بعائلة ذلك الإنسان عناية خاصة،فهو بمثابة والد الإنسان الإلهي الذي أنجبه،أو ربما هو تشخيص لحظ الفرد ونجاحه في الحياة.فالفرد في وادي الرافدين لا ينظر إلى الآلهة الكبار إلا كقوى نائية ليس له أن يتضرع إليها إلا في الأزمات الشديدة،و لا يفعل ذلك إلا عن طريق هذا الإله الوسيط.هذه هي صورة الإله الحامي في بلاد سومر،ولا نعرف إن كانت هذه الصورة هي نفسها في بلاد أشور أم لا ؟ ومع ذلك ليس هناك من مبرر للقول إن الأمر لم يكن هكذا في بلاد أشور.

          كان هناك شتى الأنواع من القرابين التي يحملها المصلي للإله،سواء كان قربانا حيوانياً أو نباتيا،وقرابين سائلة مثل الماء.ونشاهد في المنحوتات أسلوبان عند سكب الماء وهما،السكب من وعاء الهبات إلى إناء ثانٍ،أو السكب على الفاكهة أو باقات الورود.وان الطريقة الأولى تعد واقعية،أما الثانية فهي تمثل إجراء ذي معنى مجازي،إنها تُري الإله وهو يقوم بسقي الفاكهة والأشجار في الحقول والبساتين بماء المطر.كان المصلي يحمل القربان بيده إلى الإله،أو يحل محله أحيانا خادما يتولي هذا الأمر،ويسير خلف سيده صاحب القربان مرتديا زيه ومقلدا إيماءات صلاته.وبعد ذلك يجري ذبح الحيوان قربانا للإله.وربما يتم ذلك عند مدخل غرفة الإله،والسبب في هذا الاعتقاد وجود حوض مربع ومجرى ماء بالقرب من هذه الغرفة،ومن المحتمل إن دم الذبيحة يجمع في وعاء من الفخار مربع الشكل،وهو الذي عثرت التنقيبات على كسر منه في الغرفة.وكانت قطع اللحم الجيدة كالرأس والأضلاع والأفخاذ تقدم عادة للإله،وتوضع فوق منضدة القرابين الصغيرة التي لا يزيد ارتفاعها عن المتر الواحد،والمصنوعة من الفخار المشوي.وكشفت التنقيبات في المعبد عن حوامل فخارية عالية تنصب على مقربة من الإله،الغرض منها تهيئة مكان لباقات الزهور أو لحزم من الثمار،أو يوضع في أعلى الحامل الفخاري طبق ثابت في فوهته العليا أو متحرك يوضع عند الاستعمال.للطبق فتحات تسهل حرق الأخشاب ذات الرائحة الطيبة أو البخور.كانت المعابد في أشور مليئة بتماثيل نذرية لأمراء وأميرات وكهنة،وربما لأناس أدنى منزلة اجتماعية،وهذه الظاهرة نشاهدها في ماري أيضا وفي معبد الإله سين في خفاجة،والتي تعود إلى بدايات الألف الثالث قبل الميلاد.وان أفضل صورة عن أهمية وغرض التماثيل النذرية يقدمها لنا معبد عشتار الطبقة(G) من أشور.إذ وضعت أمام تمثال الإله في البيت الرئيس (قدس الأقداس)،مباخر عالية ومذابح مدرجة على شكل بيوت،بينما انتصب على كل مقعد من المقاعد الموضوعة على كلا الجدارين الطويلين تماثيل واقفة وجالسة لمصلين رجالا ونساء،كان غرضهم عبادة الآلهة واستمرار لتوسلاتهم إليها سعيا وراء إطالة الحياة،وكانت هذه التماثيل اصغر بكثير من الحجم الطبيعي للإنسان العادي؛ودائما كانت منحوتة من الحجر الجيري الهش ونادرا ما استخدم حجر الديورايت،وقلما يوجد بين هذه التماثيل من يحمل اسم صاحبه،وتعد هذه التماثيل الوريث المباشر لطراز تماثيل معبد ابو في مدينة اشنونا،غير إنها تختلف عنها كونها اقل تجريدية واشد تقيدا في النواحي الجسمية.إن افتقارنا للمادة الكتابية يجعلنا لا نعرف بشكل جيد أهداف هذه التماثيل،ومرة أخرى لابد من الاستعانة بمادة نصية من بلاد سومر حتى نفهم مغزاها بشكل أوثق.إن التماثيل النذرية من بلاد سومر وفي ديالى مصنوعة بلا استثناء للمعابد السومرية،وعثر عليها في بقايا هذه المعابد.وان هدف هذه التماثيل واضح،إذ وجد الفرد في الحجارة بديلا منحوتا له،وهذا ما تؤكده الكلمات الفعلية المستخدمة عند الكتابة على هذه التماثيل،مثل:"إنها تُمنح للصلاة"،وهو نقش عثر عليه في احد التماثيل من لكش،وهناك تمثال أخر يذكر:"قل أيها التمثال لمليكي(الهي)..."،فالتمثال يتحدث حديثا مباشرا إلى الإله.لا نعرف إن كان الأشوريون هنا كانت لهم نفس الأفكار فيما يخص التماثيل النذرية،ولكن وجودها في المعبد يعطينا  انطباعا إن الأمر هنا لا يختلف كثيرا عما كان يفكر فيه الناس في سومر.

          لقد قدمت لنا المنحوتات إشارة إلى وجود الآلهة،وان النحت البارز الذي ناقشناه سابقا الخاص بتقديم القرابين،يظهر فيه صورة اله والهة،ولكن لا نعرف من هم،وان الدليل ألعماري الذي يشير إلى وجود معبد للربة عشتار،يدل إلى عبادة هذه الربة التي نجهل المعلومات عنها هنا في بلاد أشور.وتظهر في الأشكال الصغيرة المصنوعة من الفخار صورة امرأة وهي تمسك الثدي وهذه إشارة إلى ربة الخصوبة،في مرة واحدة فقط،وعثر على شكل المرأة ومعها الطفل.ونحن نعرف في اقل تقدير إن النموذج الأخير شمالي بشكل لافت للانتباه،ويظهر في وقت مبكر في دور العبيد الشمالي(الألف الخامس قبل الميلاد)،فقد عثر في قرية تبة كورا (تقع على بعد 15 ميلا شما شرقي الموصل)،إلى نوع من دمى الطين ممثلة على هيئة امرأة تحمل على صدرها طفلا،وفسر المشهد بأنه يمثل الربة الأم.هل يمكن أن نفسر التماثيل الصغيرة الفخارية من أشور دلالة إلى الربة الأم(عشتار) ؟ لا يمكن الجزم بالأمر،ومع ذلك تبدو المسألة منطقية إلى حد ما.

          على الرغم من غياب المشاهد الجنسية في عصر الطبقتين (G-H) إلا إن ذلك لا يمنع من وجود عبادة ذات طقس جنسي.وربما كان طقسا تعود جذوره إلى عصور ما قبل التاريخ فمنذ العصر الحجري الحديث كما يشير تشايلد كان هناك طقس سحري يقوم على اتحاد الجنسين بصورة احتفالية والذي قد يرمز إلى التلقيح في الطبيعة.

ومثل أمور كثيرة ما زلنا نجهلها عن بلاد أشور وديانتها في هذه الحقبة فإننا أيضا لا نعرف الكثير عن معتقدات العالم الأسفل،ويمكننا الافتراض بان السكان كانوا يدفنون في التراب،كما تم إثبات ذلك بالنسبة للطبقة (E) (ربما كانت معاصرة لعصر سلالة أور الثالثة)،وهذا يتفق مع ما هو موجود في الجنوب،ففي فارا عثر على العديد من القبور الأرضية،وفي مسلة العقبان للملك السومري اياناتوم (المعاصر للطبقة G) نشاهده وهو يدفن قتلاه من الجند في قبر جماعي،ولا يحكي لنا المشهد عن أية توابيت أو حرف للجثث.وفي الطبقة (E) نعرف عن حالة مماثلة،مع اختلاف بسيط هو وجود حرق الجثث قبل الدفن فوق موقد خاص اعد لهذا الغرض،ولا نعلم ما إذا كانت هذه العادة سارية في هذا العصر أيضا أم لا؟،ويعتقد اندريه إنها حالة محتملة نظرا لوجود صلات تشابه بين الطبقتين.

          لا نعرف كيف انتهى عصر فجر السلالات في أشور ولكن التنقيبات الاثارية تشير إلى إن الطبقة العائدة لهذا العصر قد دمرت تدميرا تاما،ولا نعرف الغازي الذي قام بهذا الفعل،هل من الممكن أن يكون التدمير ناتج عن الحركات العسكرية التي نفذها سرجون الاكدي(2371-2316)؟ لا يبدو الأمر غريبا ونحن في اقل تقدير نمتلك أدلة عن قيام هذه الملك بمهاجمة بلاد سوبارتو (أشور)،فنصوص الفأل تضم إشارات إلى فتح سرجون لهذه المنطقة.وفي نص متأخر هو جزء من كتب الأخبار البابلية يشير إلى عملية عسكرية وجهها سرجون إلى بلاد سوبارتو وانه قام بإخضاعها.

          إن تاريخ أشور خلال هذا العصر يتسم بالغموض لعدم توفر النصوص الكتابية،وان المادة النصية المتوفرة في الجنوب قد تساعدنا من فهم بعض المظاهر الحضارية في بلاد أشور،رغم الحذر الشديد من استخدام هذه المادة كما يرى الأستاذ ساكزومع ذلك فان المادة التي تقدمها النصوص من الجنوب مهمة رغم ضعفها فيما يخص الجانب السياسي لبلاد أشور خلال هذا العصر.وتبقى المادة الاثارية في أشور هي المهمة من اجل دراسة أفضل للحقبة،مع عيوب الاعتماد على الآثار المجردة،لأننا سنعتمد على التخمين من اجل تصور الحياة الاجتماعية أو الدينية للحقبة.



 

د. اسامة عدنان يحيى

يطلق مصطلح الهندوأوربيون على عائلة لغوية واسعة تضم اللغات التي تنطق بها الآن شعوب عدة بعيدة بعضها كبعد أمريكا عن الهند وشبه الجزيرة الإسكندنافية عن إسبانيا.ويمكن تحديد البقعة التي انتشرت فيها هذه العائلة اللغة اليوم في حدود البنغال وسيبيريا الشرقية في أقصى الشرق وحتى نيوزيلندا واستراليا جنوباً وشواطئ المحيط الهادئ في الأمريكيتين غرباً، وأيضا في أفريقيا الجنوبية وإن كان المتكلمون بها أقلية ضئيلة من السكان.

لقد أطلق عدة تسميات على هذه العائلة اللغوية الواسعة، إذ تسمى عائلة اللغات الهندية أوربية وهي تسمية نسبة إلى أبعد الأقاليم التي بلغتها هجرات هذه الشعوب وهما الهند وأوروبا،أو ان هذه الشعوب كونت الغالبية العظمى من سكان أوربا والهند.وتسمى أحياناً باللغات الآريــة.واشتقت هذه التسمية من كلمة (آري) التي هي أصلاً مشتقة من آريا أي الشعب (الشريف) ومنها اشتقت كلمة آريان في العصر الحديث أي (آري) و(آريون).ويذكر الأستاذ أبو مغلي أن القبائل التي نزحت إلى الهضبة الإيرانية تسمي نفسها (أييري) بمعنى (الشجاع أو الشريف) وقد أطلقت على البلاد التي سكنها أسم اييرين (بلاد الآريين).وترد صيغة الآريين في المصادر المسمارية بصيغة (Ar-ri-i).وكلمة (آريا) وردت في الافستا التي تعني بلاد الآريين وتعني أيضاً في الفارسية القديمة السامي أو المجيد. وقد ذكر المؤرخ والجغرافي اليوناني الشهير المدعو أراتوسثنيس من القرن الثالث قبل الميلاد كلمة (آريانا) (Ariana) بمعنى بلاد إيران.ويرى أحد المختصين في تاريخ الشرق القديم أن مصطلح القبائل الآريــة يعود نسبة إلى موطنها الأصلي في إقليم (إيرانويج). وتعرف هذه العائلة اللغوية أيضاً باسم الهندية إيرانية نسبة إلى أسم الإقليمين الرئيسيين لنزوح هذه الأقوام وهما إيران والهند.وتسمى أحياناً باسم عائلة اللغات الهندية-الجرمانية،وأحياناً باسم الآريــة-الإيرانية.

إن محاولة تعيين مهد الشعب الهندي-الاوربي الأول من الأمور الصعبة التي تواجه الباحث، وقد واجهت نظرية بعد نظرية اعتراضات حقيقية، وأن كل ما يمكن اتخاذه كأساس حول أصول هذه الأقوام هو ما يخص التشابه اللغوي والعقائد الدينية المشتركة التي من الصعب توحي بأصولها الأولى وبالرغم من العديد من الأدلة التي امتلكتها كل نظرية سيقت في هذا المضمار إلا أننا نجد أن بعض التحديدات التي أعطاها بعض المختصين تفتقد إلى الدقة المطلوبة. وأن هناك من الأدلة التي ترجح أن الهجرات الواسعة لهذه الأقوام والنقاط التي دخلت منها هذه اللغات التاريخ وأثرت في العالم المتحضر من الشمال تأثيراً وثيقاً، توحي بأن أصلها من السهول الشمالية، وهنا نجد في هذه السهول الحركة السهلة وهنا وجدت ثقافة بربرية أو مجموعة من الثقافات، تمتاز بنماذج من الفؤوس الحربية الحجرية تقدم في الوقت الحاضر خير مفتاح لحل هذه المشكلة.ويُعتقد ان هذه القبائل كانت تسكن في أرض مناخها جيد وسهلية ليس فيها جبال أو غابات،ومع ذلك أن البعض يحدد الموطن الأول للآريين بشكل أكثر دقة وهي المنطقة الواسعة التي تسقيها أنهار الدانوب والدنيبر والدون والفولغا والتي تمتد إلى جبال الأورال والسهول الواقعة بين بحيرة أورال وبحر قزوين.غير أن المسألة لا يمكن حلها بهذه السهولة إذ يعتقد الأستاذ (رو) من خلال توزيع المناطق اللغوية في العصور التاريخية المبكرة أن موطنهم الأصلي قبل انقسامهم إلى عدة فروع، كان يقع مكان ما بين بحر البلطيق والبحر الأسود ولعله كان في سهول روسيا الجنوبية حيث السهوب الاوراسية.ويحدد اخرون موطن الآريين بوجه عام في المناطق الكائنة جنوبي روسيا أو في منطقة تمتد من جنوب شرق أوربا عبر الأجزاء الجنوبية من بحر (Pontus) ومن أواسط أوربا إلى غرب الأورال في الشرق، والوديان العليا من الأنهار الكبرى وهي الفستولا والأودر والألب والويزر. ومع هذا الجدل حول الموطن الأصلي للآريين قد ترك أواسط أوروبا لتظهر فرضية اخرى ترجح منطقة إيرانويج الواقعة ما بين نهري سيحون وجيحون في المنطقة التي تقع فيها مدن خوارزم وسمرقند وغيرها كمواطن للقبائل الهندو-أوربية. ويرجح أحد الباحثين أن الآريين قد جاءوا من الشمال، أو أنهم جاءوا من الصحارى الواسعة الواقعة شمالي خراسان،أو  إن هذه الأقوام قد اندفعت من المنطقة الممتدة من الدانوب الأسفل شرقاً على طول الجانب الشمالي من البحر الأسود قاطعاً روسياً الجنوبية حتى بحر قزوين.

من الناحية اللغوية تشكل الهندية-الاوربية برأي البعض أما للعديد من اللغات الحالية ومنها الفارسية. وان هذه اللغة لم يترك لها أقوامها أي أثر مكتوب. وإن الدراسة المقارنة لهذه اللغات قدمت أدلة على أن الشعوب الهندية-الاوربية تحتفظ أصلاً بأنماط معيشة متشابهة وأن حياتهم تتألف في الأساس من رعاة بارعين في تربية الجياد، كما كانوا يمارسون الزراعة بشكل متقطع ويعرفون العجلة والزورق فضلاً عن تكنيك المعادن. ويعتقد الباحثون أن هؤلاء الهنود-الاوروبيون كانوا منظمين في عوائل وقبائل تعبد آلهة مجسمة وهذه القبائل يحكمها رئيس أو ملك ينتخب من الأسر النبيلة، ويساعده في الحكم مجلس شورى مكون من الفرسان أو النبلاء وكان الشغل الشاغل لهذه الأقوام الفروسية والحرب، وأن تدجين الحيوان ولاسيما الخيل واستعمال العجلة قد أعطى هذه الأقوام قابلية هائلة على الحركة والتنقل إذ أن ضرورة حماية المواشي أثناء الانتقال بين مراعي الصيف ومراعي الشتاء جعلت منهم مجتمعاً متمرساً بالحرب والقتال.