مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية



د. ايناس سعدي عبد الله

يحتل موضوع دراسة العلاقات الامريكية-السوفييتية جانبا مهما، وحيويا في تاريخ العلاقات الدولية، نظرا لاتساع تلك العلاقات، ولما اتسمت به من شمولية غطت معظم انحاء العالم المعاصر، وما تركته تلك العلاقات من اثار، سواء على الصعيدين السياسي، والاقتصادي، أو من ابعادا خطيرة على الجانب الثقافي.

                ان اتساع وتشعب العلاقات بين الدولتين، ومن ثم بين المعسكرين، خلال حقبة زمنية  ليست بالقصيرة، التي اطلق عليها مصطلح "الحرب البارد"، ابتداء من عام 1945-1991، لذا فإن تغطية كافة جوانب تلك الحرب امر مستحيل في كل الاحوال، وستقتصر هذه الدراسة على تغطية جانب واحد من تلك العلاقات، وهو الصراع على اوروبا، خلال حقبة زمنية محددة امتدت بين اعوام 1945-1950.

 

                ستتناول الدراسة ابرز نقاط الخلاف حول اوروبا بين الدولتين: الولايات المتحدة الامريكية، والاتحاد السوفييتي، ومن ثم ابرز الاجراءات الامريكية لمواجهة المد الشيوعي الذي حاول ان يملأ الفراغ السياسي في بعض اجزاء اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

انظر الكتاب في:

https://uomustansiriyah.academia.edu/ashurbanipalEsarhaddon

http://www.mediafire.com/view/6zfld7j5613myv2/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9__%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%8A%D8%AA%D9%8A.pdf

https://archive.org/details/ashurbanipal668_yahoo_201411

https://drive.google.com/?tab=wo&authuser=0#my-drive





كتاب ابحاث في تاريخ الشرق الادنى القديم

د. اسامة عدنان يحيى

كتاب في اصله اربعة بحوث تتناول جوانب من تاريخ الشرق الادنى القديم وهي:

1.بلاد اشور في عصر فجر السلالات.

2.مقارنة بين نماذج من ادب وادي الرافدين مع بعض النصوص الانجيلية والفارسية.

3.التكوين السكاني لايران القديم

4.الشرق الادنى تحت حكم الاسكندر المقدوني

قراءة ممتعة

https://archive.org/details/ashurbanipal668_yahoo



د. ايناس سعدي عبد الله

كانت الحملة (D)قد وصلت إلى مياه شط العرب في يوم 3 تشرين الثاني 1914م، وفي عشية الغزو العسكري البريطاني، اصدر السير برسي كوكس الضابط السياسي المرافق للقوات البريطانية بيانا زعم فيه ان حكومته قد اجبرت على الحرب نظرا للموقف المعادي من قبل العثمانيين، لذا ارسلت بريطانيا قواتها لحماية تجارتها واصدقائها واجلاء الاتراك من المنطقة وان لا عداء لها مع العرب شريطة، الا يحموا الجنود الاتراك، ولا يحملوا السلاح في تجوالهم واكد مهددا على منع ذلك، كي يجرد السكان من وسائل الدفاع عن انفسهم في ظرف غابت فيه السلطة المحلية الحامية، وبذلك يتسنى لجيشه الغازي ان يتوغل بسهولة.

نزلت القوات البريطانية في الفاو في ساعة متأخرة من يوم 6 تشرين الثاني ورفع عليها العلم البريطاني بعد مقاومة طفيفة اضطر بعدها الجنود العثمانيون إلى الانسحاب، وبذلك تمكنت بريطانيا من السيطرة على مدخل شط العرب. أمّا السلطات العثمانية في البصرة فلم يصل اليها خبر احتلال الفاو الا في اليوم التالي من المدنيين الذين غادروا المنطقة إلى البصرة، فاستعدت القوات العثمانية لتصد التقدم البريطاني باتجاه البصرة الا ان حركة هذه القوات كانت غير نظامية ولا مدروسة بل مليئة بالأخطاء سواء في شكل التقدم أو في التعبئة والتموين ولم تقدم الاستخبارات العثمانية اية معلومات لقائد القوة عن الموقع البريطاني، ولم تكن لديه خريطة للمنطقة وقصارى القول ان القيادة العثمانية اعتمدت على الارتجالية دون التخطيط والحسابات العسكرية الدقيقة.

أمّا الخطط العسكرية والامدادات البريطانية فكانت مبنية على حسابات دقيقة وتقديرات جيدة منذ بداية تحرك القوات البريطانية من الهند، مكنت البريطانيين من دحر العثمانيين في معارك السنية وسيحان وكوت الزين، وفتح الطريق امام هذه القوات لاحتلال مدينة البصرة، حيث انسحبت القوات البريطانية باتجاه القرنة، ودخلتها القوات البريطانية في يوم 22 تشرين الثاني وفي اليوم التالي استعرضت القوات البريطانية في البصرة، ورفع العلم البريطاني على سطح احد المباني الرئيسة، واطلقت البحرية البريطانية مدافعها تحية له، واذاعت السلطة المحتلة خطابا دعت فيه اهالي البصرة إلى التعاون معها باعتبارها السلطة الوحيدة القائمة واقعيا ووعد الخطاب بالحرية والعدالة.

قامت القوات البريطانية بعد احتلالها لمدينة البصرة، بإقامة المعسكرات لسكنى قواتها وانزال معداتها العسكرية، والقيام بدوريات للحراسة، والبحث عن الاسلحة في القرى المحيطة بالبصرة، وتقرر مطاردة القوات العثمانية المنسحبة باتجاه القرنة والزبير، وقد اعطى الاحتلال القرنة اهمية كبيرة لموقعها العسكري، ولصلاحية الملاحة إلى الخليج العربي، وغنى المنطقة الزراعية، واحاطتها بإقليم الاحواز، فتقدمت القوات البريطانية واحتلت المدينة بعد استسلام القوات العثمانية في يوم 9 كانون الاول 1914. وبدخول القرنة اصبح البريطانيون يسيطرون على ملتقى نهري دجلة والفرات والطريق الملاحي إلى الخليج العربي.

لقد اوضحت الانتصارات البريطانية السريعة ضعف الاتراك، وعدم استعداد القيادة العثمانية في العراق للوقوف بوجه الغزو البريطاني، لهذا اعاد العثمانيون النظر في تنظيم قواتهم النظامية في العراق، وعملوا على كسب تأييد العراقيين لهم عن طريق اعلان الجهاد المقدس الذي كان له اثره في توجيه الراي العام المتأثر بالعواطف الدينية إلى حمل السلاح بوجه البريطانيين وبلغ عدد المتطوعين بين 10-15 الف مقاتل، وقد توجه هؤلاء لمقاتلة الانكليز في الشعيبة قرب البصرة.

احتشدت القوات العثمانية بقيادة سليمان عسكري بك ومعها قوات المتطوعين وبدأت بمناوشة القوات البريطانية، وبدأ الهجوم الفاصل صباح يوم 12 نيسان 1915 ولكنه كان هجوما فاقدا لعنصر المباغتة نظرا لما سبقته من شواهد دالة عليه، فقام البريطانيون بهجوم مضاد اسفر عن انتصار كاسح للقوات البريطانية، وابادة قسم كبير من القوات العثمانية، وتعد موقعة الشعيبة من المواقع الحاسمة في تاريخ عملية الاحتلال البريطاني للعراق، فقد فتتت معنويات القيادة العثمانية وخاصة عند انتحار القائد سليمان العسكري كما اوجدت الشكوك بين الناس في امكانية صمود العثمانيين امام الغزو البريطاني واعتبرت معركة الشعيبة مأساة تاريخية هامة بالنسبة للعثمانيين.

بعد هزيمة العثمانيين في القرنة والشعيبة تقهقرت قواتهم نحو العمارة والناصرية، بيد ان القوات البريطانية لاحقتها، واتجهت قوة برية ومائية في دجلة إلى العمارة، فاحتلتها في 2 حزيران 1915، كما احتلت قوة اخرى، اتجهت عن طريق الفرات، الى الناصرية في 25 تموز، وبعد معارك دامية تم للبريطانيين السيطرة على المثلث الواقع بين البصرة والعمارة والناصرية، واصبحت ولاية البصرة كلها تقريبا تحت الاحتلال البريطاني.

شجع احتلال ولاية البصرة والانهيار السريع للمقاومة العثمانية، القادة العسكريين البريطانيين على طلب التقدم نحو بغداد، واوضح السير برسي كوكس، رئيس قادة الحملة السياسيين في برقية بعثها إلى نائب الملك في الهند، بانه لا يرى كيف يمكن ترك احتلال بغداد، وقد اخذت حكومة الهند على عاتقها تحقيق فكرة الزحف نحو بغداد بعد تعيين الجنرال جون نيكسون إلى القيادة ما بين النهرين في 9 نيسان 1915، وخولته بالزحف على بغداد اذا كان مقتنعا بان القوة المتوفرة لديه تكفي للقيام بالعمليات المطلوبة.

تقدمت الحملة البريطانية عن طريق دجلة باتجاه بغداد، وكانت بقيادة الجنرال تاوزند الذي كان يعتقد في ضوء خبرته السابقة ضعف مقاومة الاتراك وان قواته لن تجد صعوبة في احتلال بغداد، أمّا العثمانيون فقد عمدوا إلى تجميع قواتهم المندحرة، وشكلوا لجنة تحصين مدينة بغداد للدفاع عنها وحدثت اول معركة بين الطرفين بالقرب من الكوت، في 27 ايلول 1915 استمرت نحو عشرين ساعة واشترك فيها الاسطولان النهريان البريطاني والتركي، وانتهت بانتصار البريطانيين وانسحاب العثمانيين إلى خطوط دفاعية جديدة اقاموها قرب المدائن بعد ان خسروا 17 الف قتيل وجريح و1289 اسيرا، ثم واصل البريطانيون تقدمهم نحو بعد بغداد بعد استعدادات دامت ستة اسابيع.

استعد العثمانيون بقيادة نور الدين لملاقاة البريطانيين قرب المدائن وحصلوا على امدادات عسكرية من الاناضول، كما وصل إلى بغداد الجنرال الالماني فون دوكولتز لتنظيم الدفاعات العثمانية ودارت معركة ضارية بين الجانبين، وخلال المعركة عززت القوات العثمانية بفرقة جديدة بقيادة خليل بك الامر الذي مكن العثمانيين من توجيه ضربة قوية اضطرت القوات البريطانية إلى الانسحاب والتراجع نحو الكوت بعد ان تكبدت خسائر فادحة بلغت في يوم 22 تشرين الثاني وحده 4511 قتيلا.

استغلت القوات العثمانية الانكسار البريطاني في المدائن، وقامت بتعقب القوات البريطانية المتراجعة، وتمكنت من محاصرة البريطانيين في مدينة الكوت في 7 كانون الاول 1915، وقد استمر الحصار حوالي خمسة اشهر، ذاق فيها البريطانيون ويلات الحصار، فاكلوا لحوم الخيل وخلعوا ابواب وشبابيك البيوت لاستعمالها في الوقود. وقد حاول البريطانيون عدة مرات انقاذ جيشهم المحاصر دون جدوى، واجروا مفاوضات مع العثمانيين لرفع الحصار مع استعدادهم لوضع مليون أو مليوني ليرة لخليل باشا قائد القوات العثمانية، لكنه امتنع عن قبول هذه الرشوة، واصر على التسليم دون قيد أو شرط، فاضطر البريطانيون إلى الاستسلام في يوم 29 نيسان 1916 بعد ان اتلفوا سلاحهم ومعداتهم وبلغ عدد القوات التي استسلمت 13500 جندي عدا الضباط وارسل هؤلاء اسرى إلى الاناضول والحقيقة ان تسليم الكوت كان نهاية محزنة لمشروع كان الهدف منه احتلال بغداد، وان خسائر البريطانيين منذ البداية حتى تسليم الكوت كانت كبيرة إذ بلغت 40 الف بين قتيل واسير، واخيرا فان تسليم الكوت كانت ضربة قوية لسمعة البريطانيين.

في الوقت الذي كانت القوات البريطانية محاصرة في الكوت عقدت بريطانيا اتفاقية سرية مع الحلفاء لاقتسام الممتلكات العثمانية، عرفت باسم اتفاقية سايكس-بيكو. فقد تم تعين البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو لإجراء المفاوضات نيابة عن الدولتين. ولابد من الاشارة هنا ان بريطانيا كانت في الوقت نفسه قد دخلت في مفاوضات مع الشريف حسين في الحجاز لتضمن مساعدته في الحرب ضد الدولة العثمانية، وقد اشترط الشريف حسين ان تكون هذه المساعدة متوقفة على اعتراف بريطانيا بأماني العرب القومية. واذ كانت الحكومة الفرنسية شاعرة باحتمال عقد صفقة عربية-بريطانية، وتواقة الى الحصول على جزء من الامبراطورية العثمانية لنفسها، فقد الحت على الاعتراف بمطالبها. ولما اقدمت بريطانيا وفرنسا على تحديد حقوقهما على هذه الشاكلة رغبتا في الحصول على مصادقة روسيا عليها، ومن اجل هذا ارسل سايكس وبيكو الى سان بطرسبورغ في اوائل ريع عام 1916. وهناك عرضا لائحة اتفاقيتهما وحصلا على مصادقة روسيا عليها، ولكن بعد ان كان الثمن الاعتراف بمطالب روسية اخرى في المنطقة. وقد اتخذت هذه الصفقة فيما بعد شكلا رسميا في 26 نيسان 1916 باسم اتفاقية سازونوف-باليولوغ. وقد اصبحت بعد ذلك جزءا من لا يتجزأ من التسوية العامة التي تمت بين روسيا وفرنسا وبريطانيا، والتي يشار اليها عادة باسم اتفاقية سايكس-بيكو، وتحتوي على الشروط الاتية:

1.تحصل روسيا على ولايات ارضروم، وطرابزون، ووان، وارمينية التركية، وعلى منطقة تقع في القسم الشمالي من كردستان، على الخط الممتد من موش، وزعرت، وجزيرة ابن عمر، والعمادية الى الحدود الايرانية. وهذه المنطقة تبلغ مساحتها 60 الف ميل مربع ممتدة في المساحة المحصورة بين البحر الاسود ومنطقة الموصل-اورمية، وتحتوي على ثروات غنية بالنحاس والفضة والملح.

2.تحصل فرنسا على القطاع الساحلي المشتمل على سوريا، وولاية اطنة، والمنطقة التي يحدها جنوبا الخط الممتدة من عينتاب وماردين الى الحدود الروسية المقبلة، وشمالا الى كيليكية.

3.تحصل بريطانيا على القسم الجنوبي من العراق، ابتداء من بغداد، وعلى مينائي حيفا وعكا في فلسطين.

4. يتألف من المنطقة الكائنة بين الممتلكات الفرنسية والبريطانية اتحاد لدول عربية صغيرة أو دولة عربية واحدة. وان تقسم هذه المنطقة من جديد الى منطقة نفوذ فرنسية وبريطانية. تتألف المنطقة الفرنسية من سوريا الداخلية وولاية الموصل في العراق، اما المنطقة البريطانية فتمتد ما بين فلسطين والحدود الايرانية.

5.ان تعلن الاسكندرية ميناء حرا.

6.ان تدول فلسطين.

من جانب اخر كانت الحرب في العراق ما زالت مستمرة ولم يحاول العثمانيون استثمار الهزيمة البريطانية في الكوت لمحاولة التقدم إلى جنوب العراق واعادة احتلاله وطرد البريطانيين منه، وانما ارسلوا قواتهم إلى ايران لمحاربة القوات الروسية، مما اضعف القوات العثمانية الموجودة في العراق، ومكن البريطانيين من تعزيز قواتهم من جديد وخاصة بعد تولي الجنرال ستانلي مود قيادة هذه القوات التي بدأت باستئناف الهجوم ضد العثمانيين منذ اوائل عام 1917، ودارت معارك هائلة بين الجانبين تضعضع فيها مركز العثمانيين الذين اضطروا إلى الانسحاب من الكوت إلى المدائن يوم 27 شباط وتحصنوا فيها، لكن البريطانيين استمروا في تقدمهم نحو المدائن مما دفع العثمانيين إلى الانسحاب نحو نهر ديالى في 6 اذار ثم انسحبوا من بغداد فدخلها البريطانيون بقيادة الجنرال مود فجر يوم 11 اذار 1917، وقد اصدر الجنرال مود تصريحه الشهير الى اهالي بغداد: "اننا لم ندخل بلادكم اعداء فاتحين، انما دخلناها محررين".

 

كان لاحتلال بغداد من قبل البريطانيين اثاره السياسية والعسكرية والنفسية على الوجود العثماني في مناطق العراق الاخرى، وقد واصل البريطانيون تقدمهم في شمال العراق فاحتلوا سامراء في 22 نيسان، والرمادي في 29 ايلول، وتكريت في 6 تشرين الثاني 1917، وبقي الجيش البريطاني عند الفتحة جنوب الشرقاط حتى اواخر تشرين الاول 1918 وكان على بعد 12 ميلا من القوات العثمانية في مدينة الموصل عند عقد الهدنة في 20 تشرين الاول 1918، وكانت الموصل بموجب اتفاقية سايكس-بيكو قد وضعت ضمن النفوذ الفرنسي، بينما وضعت بغداد والبصرة ضمن النفوذ البريطاني، غير ان بريطانيا ظلت مصممة على نقل الموصل الى سيادتها، فطلب قائد القوات البريطانية الجنرال مارشال، وكان قد تولى قيادة هذه القوات بعد موت الجنرال مود بمرض الكوليرا، في 19 تشرين الثاني 1917، من علي احسان باشا قائد القوات العثمانية في المدينة مغادرتها، وجرت مفاوضات بين الجانبين وافق فيها العثمانيون على الجلاء عن المدينة، ورفع العلم البريطاني عليها في 28 تشرين الثاني 1918، ولما كان من الممكن ان يشكل احتلال الموصل معارضة فرنسا، فقد تم تسوية الامر بأن تأخذ فرنسا حصة من النفط مقابل الموصل. وهكذا انتهت الاعمال العسكرية بعد ان امتدت زهاء اربع سنوات، وخضع العراق للإدارة البريطانية وقد كلف احتلال العراق البريطانيين خسائر فادحة قدرتها المصادر البريطانية، بحوالي مائة الف قتيل وجريح، هذا فضلا عن الخسائر المادية الهائلة، لهذا يمكن القول ان العراق كان من الجبهات الاساسية التي استنزفت العدد الكبير من الرجال والمال الوفير.



د. اسامة عدنان يحيى

إن بلد مثل وادي الرافدين يشكل النهران عصب الحياة النابض وركيزة البناء الحضاري، فهما أساس الاستقرار والنماء، ومن فيضهما عرفت بلاد الرافدين قيام أقدم المستوطنات الزراعية، كذلك هيأ النهران شروط الاتصال بين المناطق المختلفة،  فربط مدنه وقراه وقصباته بشبكة واسعة من الطرق اليسيرة والجيدة، لذلك يمكن عدهما الطريقين الرئيسين للمواصلات في بلاد وادي الرافدين.

          إن عاملاً مهماً في تشجيع المبادلات التجارية وتوسيعها وتطويرها تعتمد على توفر وسائل النقل اللازمة والجيدة وطرق الموصلات الطبيعية، وإن أبرز الوسائط هي وسائط النقل المائية التي ما تزال الواسطة المثالية لنقل السلع الكبيرة الحجم والوزن، الرخيصة الثمن مثل: الحجارة والمعادن والأخشاب والمنتجات الزراعية فهذه الوسائط ارخص وسائط النقل على الإطلاق وأكثرها استيعاباً، ومما زاد من اعتماد العراقيين على النقل النهري، إضافة إلى ما ذكرنا ان القسم الوسطي والجنوبي من العراق بسبب طبيعتهما السهلية، وانتشار شبكة قنوات الري وسعة الأراضي الزراعية مع احتمال غمر أجزاء منهما في موسم الفيضان يجعل كل ذلك من أمر تشييد الطرق البرية وصيانتها أمراً صعباً للغاية، إن لم يكن مستحيلاً ضمن امكانيات العراقيين القدماء مقابل ذلك تستطيع أبسط وسائل النقل النهرية من الانتقال بيسر وسهولة ودون أية خطورة محتملة من أعالي النهر وحتى مصبه في الخليج العربي.

          أبرز وسائط النقل النهرية هي السفن الشراعية التي تعد صورة متطورة لوسائط النقل النهري وهي على نوعين: سفن نقل الحمولة والبضائع، وسفن نقل المسافرين. ونعرف ان تسمية (Sapinatu) (المرادفة لكلمة سفينة) ظهرت لنا في القرن السادس قبل الميلاد، وهي تسمية العربية الشائعة لحد الآن.

          هناك أنواع عديدة من السفن ذكرتها المصادر المسمارية منها: السفن التي تجري مع النهر، والسفينة الشراعية، والسفينة التي تسير عكس مجرى النهر، وهناك سفينة النقل، وسفينة نقل المسافرين، وسفينة العبور، وسفينة الأجرة. وهناك سفن بأسماء خاصة مثل سفن نقل الثوم، وسفينة نقل التبن، وسفينة نقل القصب، وسفينة نقل الآجر. والسفن على أنواع فهناك: السفن الكبيرة، والسفن الصغيرة. وقد اشتهر سفن باسم منشئها مثل سفن مدينة أور، وسفن مدينة أكد، وسفن مدينة آشور وغيرها.

          لا تعرف بالضبط مقدار حمولة السفن، ونستدل من وثائق قديمة تعود لعهد سلالة أور الثالثة أنها بين (55-155 بوشل) من القمح للسفينة الواحدة. ونعرف من وثيقة تعود إلى السنة السابعة عشر من عهد نابونائيد عن استئجار شخص يدعى مورانو سفينة طاقتها (150 كور) لغرض استخدامها في معبد أي–أننا في الوركاء بمقدار (5) شاقل ونصف فضة خلال شهر واحد. ويقدر الأستاذ ساكز ان السفينة البابلية كانت تحمل في الألف الأول قبل الميلاد حوالي (40) طناً.

          الوساطة المائية الثانية للنقل النهري هي الكلك (kalakku)، والكلك عبارة عن رمث يصنع من أقوى أنواع القصب الذي ينمو بكثافة في الأهوار التي تبلغ من الطول درجة تخفي الإنسان تماماً، أو من أحسن أنواع الخشب الذي يستطيع بناة الأرماث من الحصول عليه محلياً. ويزداد تعويمه بربط جلود الماعز المنفوخة تحت سطحه والتي تجعله قادراً على حمل وزن كبير، وعندئذٍ يطوف الرمث في النهر باتجاه التيار، ويتم تحريكه وتوجيهه بالصارية معاً إلى ان يبلغ بعض النقاط في جنوبي بلاد الرافدين. وهناك أماكن للتوقف فيها حيث يتم تفريغ الحمولة، ويفكك الكلك، ثم تباع أخشابه، وتطوى جلود الماعز، وتنقل على الحمير. أما الملاح الذي تحول إلى قائد للقافلة فأنه يعود إلى النقطة التي بدأ منها حيث يبدأ هناك بالعملية مجددا. يبدو ان الأكلاك استمرت في الاستعمال حتى في العصر الأخميني، إذ يحدثنا هيرودوت عن مشاهداته للنقل النهري في العراق، إذ يقول ان القوارب (يقصد بها الأكلاك) المستخدمة تكون اطاراتها مصنوعة من أشجار الصفصاف الذي يؤتى من بلاد أرمينيا شمالي بلاد أشور، ومثبتة على الجلود وتغطي الألوان التي تصنع منها أبدان المراكب بأغطية من جلود تمتد إلى خارجها، وبهذه الصورة تصنع القوارب من دون سارية أو دفة مدورة أشبه بالترس تماماً. ومن ثم يجري ملؤها بالقش ثم توضع حمولتها على جنبها بعد ان تدفع بشدة لتطويفها بالنهر، والمادة التي تحملها هذه القوارب بصفة رئيسية هي الخمور التي تخزن في أوعية تصنع من أخشاب النخيل وتدار هذه القوارب من قبل رجلين. وتلك القوارب(الاكلاك) في أحجام متباينة بعضها كبير، والآخر صغير. وتبلغ حمولة أكبرها حوالي (5000) طالنت. ويربط في جانب كل قارب حمار واحد أما التي تكون أكبر فلها اكثر من حمار،  وعندما تصل القوارب مدينة بابل، يتم إفراغ حمولتها، وعرض هذه الحمولة للبيع، وبعد ذلك يفك الرجال قواربهم، ويبيعون الأحطاب، والإطارات ثم ينقلون الجلود على الحمير. ويخبرنا زينفون ان السكان كانوا ينتقلون عبر النهر بالأطواف المصنوعة من الجلود. ونعرف أنه عندما أراد الجيش اليوناني العبور في نهر دجلة اقترح أحد الجند الروديسيين طريقة للعبور،  وقال أنه سيحتاج إلى ألفي قربة من الجلد الذي سيحصل عليها من الأغنام والماعز والثيران والحمير، والتي يتم سلخها وأخذ جلودها ونفخها، وبذلك تصبح وسيلة للعبور، وقد قام أيضاً بربط القرب بعضها ببعض بحبال، ويتم وضع كل قربة حجر يتدلى من الماء كمرساة ويضع فوقها الخشب تعلوه طبقة من التراب من أجل منع الانزلاق. ولا ريب ان وصف زينفون لا ينطبق تماماً على وصف الأكلاك إلا انه لا يمنع ان تكون أحد الوسائل المتبعة من أجل النقل النهري شبيهة لصناعة الأكلاك. ومن الأمور الجديرة بالذكر ان الأكلاك ظلت مستخدمة كوسيلة من وسائل النقل حتى العصور الحديثة، اذ يقول الرحالة البريطاني ولستد الذي زار العراق في القرن التاسع عشر ان سكان مدينة الحلة يستعملون الجلود المنفوخة في عبور نهر دجلة، ويصف لايارد صناعة الأكلاك في العراق.

 

أما القفة فكانت نوعاً من سلة مدورة تشبه السلة التي يستعملها لحمل التراب والآجر على رأسهم، وهي في الواقع سلة من أغصان مدببة، وذات قعر منبسط، وغير عميق جداً وكان القعر يغطى بالجلود، ويغلف بالكتان، وقطع من الصوف، وتضغط جميعها بشدة وتمزج بالطين الرقيق والقار الذي يضمن عدم تسرب الماء خلاله. وكان يحرك من قبل رجل أو رجلين بمجاذيف قصيرة، وهكذا تتحرك القفة إلى أمام دون ان تدور حول نفسها، وكانت القف تحمل حمولات متنوعة. ولم يكن ملاحو القف يترددون في عبور الأنهار السريعة الجريان من أمثال نهر دجلة وكانت تستعمل بصفة اعتيادية في نقل السلع صعداً في النهر وانحداراً معه. 



د. ايناس سعدي عبد الله

كانت المشكلة الألمانية ومنها حصار برلين من أهم مظاهر الحرب الباردة،وكما تعتبر هذه المشكلة حجر الزاوية في النزاع بين الكتلتين الشرقية والغربية،فهذه المشكلة تقف عند القمة بالنسبة لمشاكل الحرب الباردة،وتدور في أخطر مناطق الضغط السياسي العالمي،إذ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كان جميع الحلفاء مصممين على أن لا تصبح ألمانيا مرة أخرى مصدر تهديد لهم،فتم الاتفاق على وجوب تقسيم ألمانيا والنمسا إلى مناطق احتلال بين بريطانيا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وفرنسا،وكما تقرر تسليم السلطة العليا في ألمانيا لمجلس رقابة الحلفاء المؤلف من الحكام العسكريين لمناطق الاحتلال الأربع،وقيادة تابعة لمجلس الحلفاء والمسؤولية عن برلين مؤلفة من الحكام العسكريين الأربعة.فعقدت اتفاقية بوتسدام في2 آب 1945 عن ممثلي الاتحاد السوفيتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا،وجاء نص هذه الاتفاقية:"تقتلع جذور العسكرية الألمانية وجذور النازية ويتخذ الحلفاء اليوم وفي المستقبل وباتفاق تام فيما بينهم كل التدابير الضرورية الأخرى لكي لا تهدد أبدا جاراتها أو السلم العالمي".فاقتنع الموقعون على الاتفاقية إن ألمانيا لا تصبح دولة ديمقراطية إلا بعد تحويل نظام الملكية الاقتصادية،وإصلاح السلطة فيها.وكما جاء في هذه الاتفاقية في البند 3:"إقناع الشعب الألماني بأنه لقي هزيمة عسكرية شاملة وانه لا يستطيع التخلص من مسؤولية ما لحقه بنفسه لأن حربه الشرسة التي شنها والمقاومة النازية العنيدة دمرت الاقتصاد الألماني وجعلت الفوضى والمعاناة أمرا لا مفر منه"،وكما جاء في بنود هذه الاتفاقية مسألة التعويضات التي وقعت على كاهل ألمانيا بان تلتزم بدفع تعويضات الحرب للدول المتضررة وخاصة الاتحاد السوفييتي،لكن الاتفاقية لم تشر إلى الأوضاع الاقتصادية الألمانية،وكان الروس يتقاضون التعويضات من ألمانيا ويجعلون منطقة احتلالهم تعيش من مواردها الخاصة، وقد رفض الروس تقديم بيانات عن كثير مما أخذوه من منطقتهم الخاصة فأثار هذا سخطاً متزايداً لدى السلطات الأمريكية والبريطانية لأنها كانت مضطرة لاستيراد الطعام إلى مناطق احتلالها وعلى نفقتها الخاصة،وبحلول عام 1946 كان الروس يوقفون شحنات الأغذية والمواد الخام التي كانت ترساها الولايات المتحدة مقابل التعويضات وذلك بسبب الوضع الاقتصادي السيئ في أوربا الشرقية،فذكر الجنرال الأمريكي كلاي:"جاء أول صِدام لنا مع السياسة السوفييتية في ألمانيا بسبب التعويضات"،وكما سمحت اتفاقية بوتسدام بإقامة أحزاب سياسية حرة معادية للفاشية بألمانيا،لكن الاتحاد السوفيتي قد بدأ قبل اتفاقية بوتسدام بفرض السيطرة الشيوعية الروسية على أحزاب ألمانية جديدة،وسرعان ما ظهر الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الليبرالي والحزب الديمقراطي المسيحي أو المحافظ،وانعقد مؤتمر موسكو في 10 آذار 1947،لوزراء خارجية الدول وذلك لعقد معاهدات الصلح مع ألمانيا والنمسا،وجاء انعقاد هذا المؤتمر بعد يومين من إعلان مبدأ ترومان الذي أوضح فيه تصميم الأمريكيين على مقاومة الأطماع السوفيتية ولاسيما في شرق البحر المتوسط،وبذلك كانت الأجواء التي انعقد فيها المؤتمر متوترة بدرجة كبيرة،إذ لم ينجز المؤتمر شيئاً حول معاهدات السلام المطروحة،وبذلك يعد مؤتمر موسكو عنصراً مركزياً في تطور الحرب الباردة،إذ علم الأمريكيين إن لا أمل لهم في مفاوضة السوفيت إلا من مركز قوة، ومنذ تلك المدة لم يكن إي من الجانبين كثير الاهتمام بالمصالحة.

بعد مؤتمر موسكو طبقت الولايات المتحدة وبريطانيا سياسة اقتصادية كخطوة أولى نحو تعافي أوربا الغربية بشكل عام، فطبقت في عام 1948ومن دون موافقته الروس إصلاحا للعملة في مناطقها التي كانت في حاجة ماسة إليه،وكما كانت مساعدات خطة مارشال متوفرة للمناطق التي تحتلها الدول الغربية،زاد هذا من تقسيم ألمانيا إلى شطرين،ومنذ تلك المرحلة صارت ألمانيا الشرقية على الطرف الآخر، بينما بدت ألمانيا الغربية متميزة عنها،وكما قسم إصلاح العملة برلين أيضا،فكانت ردة فعل السوفييت تجاه إصدار العملة إنهم قطعوا الاتصالات بين المدينة المعزولة ضمن المنطقة السوفيتية وبين أوربا الغربية،وبدأ النزاع يتصاعد بين الطرفين إذ أوقفت السلطات السوفيتية النقل الذي كان يوصل المؤن لسكان القسم الغربي من برلين،ولكن من دون أن تتدخل في وصول الحلفاء الغربيين إلى قواتهم في تلك الأجزاء من المدينة،وكان هدفها من ذلك هو أن تبين لسكان برلين إن القوى الغربية غير قادرة على حمايتهم. وبما إن الاتحاد السوفيتي قد اخفق بالحصول على ما يريد في ألمانيا عن طريق المفاوضات،فقد حاول الحصول على ذلك بطرق أخرى،هدفه منها محاولة إخراج الحلفاء منها بالقوة من قطاعهم في برلين وذلك عن طريق حصار برلين الذي كان في نظر السوفيت بديلاً عن الحرب،إذ كان هجوما مدبراً على جميع أنحاء ألمانيا الغربية وعلى الالتزام الأمريكي تجاه أوربا،ففرض الحصار في الظاهر احتجاجاً على الخطط الغربية لإدخال إصلاحات نقدية منها إدخال الديتشمارك الجديد محل الراينمارك على أمل أن يحفز هذا الإجراء استعادة النشاط الاقتصادي في مناطقهم الغربية،اخذ السوفييت بفرض القيود على نقاط الاتصال للطرق الحديدية وطرق السيارات التي كان الغربيون مضطرين لاستخدامها في حركة تنقلهم بين برلين وبين مناطق الاحتلال الخاصة بهم،وكان رد فعل الولايات المتحدة على فرض الحصار السوفيتي على برلين هو قيامها باستخدامها النقل الجوي وذلك بعد هجر الوسائل الأرضية الداخلية ،وأمنت هذه السياسة نقل ما يقارب 2.500.000 طن من السلع الغذائية والمحروقات والمنتجات الأخرى.

وبعد انسحاب السوفيت من مجلس الرقابة سارعوا إلى إدخال إصلاحهم النقدي إلى منطقتهم في ألمانيا وقطاعهم في برلين،وفي 23 حزيران 1948 قطع الاتحاد السوفيتي جميع الاتصالات ببرلين والتي تتم عن طريق السكك الحديدية وطرق السيارات والقنوات المائية، وقد تعقدت المشكلة بعد أن رفض الاتحاد السوفيتي في فك الحصار، أما الولايات المتحدة وحلفاؤها فأنهم اعتمدوا طريقة النقل الجوي من جراء الحصار.وقد اتخذ الطرفان مواقف صلبة الأمر الذي نتج عنه ظهور مشكلة دولية عرفت باسم مشكلة برلين،إذ إصر الاتحاد السوفيتي على إخلاء في حين فرض الأمريكيون والبريطانيون حصارا معاكساً وذلك على السلع الذاهبة من المناطق الغربية إلى المناطق الشرقية،وكان هذا الحصار أكثر إيذاء للشرق مما هو للغرب،لأن السوفييت كانوا بحاجة إلى فحم الكوك والفولاذ من المصدر الوحيد في الغرب،إذ كانت ألمانيا الغربية قادرة على الوصول إلى اقتصاد غرب أوربا وكان يساعدها مشروع مارشال، وهذا في وقت لم تتمتع ألمانيا الشرقية بمزايا من هذا القبيل،فاستمر الحصار لمدة عام اظهر انه بإمكان الولايات المتحدة إدامة الجسر الجوي لأمد غير محدود.

كانت من نتائج هذه الأزمة هي استحالة الاتفاق مع الاتحاد السوفيتي فيما يخص ألمانيا وأدى إلى ظهور دولتين ألمانيتين منفصلتين،وهي ألمانيا الغربية خاضعة للسيطرة الأمريكية وألمانيا الشرقية خاضعة للسيطرة السوفيتية،وفي 12 أيار 1949 اقر مجلس رقابة الحلفاء القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية،وفي 23 أيار 1949 خرجت هذه الجمهورية الاتحادية إلى حيز الوجود،وفي 7 أيلول 1949 أجريت انتخابات عامة في ألمانيا الاتحادية ونتج عن هذه الانتخابات تشكيل برلمان هذه الجمهورية وأصبح ( كونراد اديناور) مستشاراً لهذه الجمهورية،فكان رد فعل الاتحاد السوفيتي إن أعلنوا قيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية في 7 تشرين الأول 1949 في المنطقة السوفييتية،إذ كان يسيطر على جمهورية ألمانيا الديمقراطية حزب الوحدة الاشتراكي الذي كان يسيطر عليه الشيوعيون،ونتيجة قيام هاتين الدولتين رفض الطرفان الاعتراف بقيام هاتين الجمهوريتين،وقد أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة دين اتشيسون:"جاءت هذه الحكومة الجديدة ألمانيا الديمقراطية نتيجة إعلان سوفييتي وأوجدها ما يسمى بمجلس الشعب الذي يفتقر لانتخابات شعبية حرة وهذا الإجراء السوفيتي المتوقع منذ أمد طويل يأتي نقيضاً تاماً لجمهورية ألمانيا الاتحادية في بون والتي تتمتع بقاعدة دستورية شعبية قوية".وهكذا ومن خلال أزمة حصار برلين 1948- 1949 نجد أن جوهر الصراع قد وضع من قبل القوتين الكبيرتين،إذ تنازعت موسكو وواشنطن على ألمانيا،وكان السوفييت قد أثاروا الأزمة لكي تـنفذ أهداف إستراتيجية،بينما اختارت الولايات المتحدة السرعة والشدة وسمة الاستجابة.

بعد انتهاء الأزمة اتفقت دول الغرب مع الاتحاد السوفيتي في 22 تشرين الثاني 1949 على بروتوكول بطرسبرغ الذي هدف إلى إقرار الوضع القائم وهو أن تمارس الدول الغربية الثلاث سلطات الحلفاء في منطقتها على أن يقوم الاتحاد السوفيتي بذات المهمة في منطقته،ومنذ تلك المرحلة دأبت الولايات المتحدة والغرب على التوسع في الاختصاصات التي يمنحها لحكومة جمهورية اتحاد غرب ألمانيا،إذ منحوها حق تبادل التمثيل السياسي والقنصلي وأصبح لها وزير خارجية ومنحت دستورا يخولها سلطات واسعة ورغم هذا فقد ظل للجنة الحلفاء بعض الاختصاصات وتصدر قراراتها بالإجماع عدا الحالات التي يرى فيها عضو اللجنة إن الموقف يتعارض مع كرامة الحكومة الألمانية ومطالب قوات الاحتلال.ولم يكن الاتحاد السوفيتي اقل حرصاً من الغرب في العمل استكمال الشخصية القانونية لألمانيا الشرقية،إذ جعلت برلين الشرقية عاصمة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية وسهل للاتحاد السوفيتي اتخاذ هذا الإجراء لمرابطة قواتها في جميع الجهات حول المدينة المقسمة.

شهدت المدة بين (1949-1958) استقرار الأوضاع بين الكتلتين حول ألمانيا،إلا انه سرعان ما عادت للتأزم وخاصة في عام 1958،عندما آثار خروشوف وضع برلين عندما اقترح إلغاء الإشراف الرباعي على المدينة ويعلنها مدينة حرة منزوعة السلاح،واجتمع وزراء خارجية الدول الأربعة المشرفة على برلين في أيار 1959للتوصل إلى اتفاق يحل هذه المشكلة فلم يتوصل المجتمعون إلى الاتفاق حول الموضوع على الرغم من رغبتهم في إيجاد تسوية للمشكلة لذا دعوا إلى عقد مؤتمر آخر في باريس عام 1960،عندما دعا رئيس الوزراء البريطاني مكميلان إلى اجتماع قمة رباعية  للدول الكبرى في باريس، وأراد الاتحاد السوفيتي من هذه القمة تحقيق شيئين وهما التوصل إلى اتفاق حول برلين وثانياً اتفاق لمنع الأسلحة النووية في ألمانيا ومنطقة المحيط الهادي،أما الولايات المتحدة فقد كانت مهتمة بنتائج قمة باريس إلا إن استعدادهم للتعاون مع الاتحاد السوفيتي والتسليم بالمطالب المفرطة لنظام ألمانيا الديمقراطي قد اقلق الحكومة الاتحادية من إن الولايات المتحدة قد تتوصل إلى عقد صفقة مع الاتحاد السوفييتي.وفي خلال مدة انعقاد المؤتمر تصاعدت المواجهة السياسية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ومن الرابع من أيار أعلن خروشوف إن طائرة تجسس أسقطت أثناء انتهاكها للمجال الجوي السوفييتي،لكنه لم يقل شيئاً عما حدث للطائرة والطيار،إذ كانت هذه الطائرة مزودة بجهاز التدمير الذاتي،إذ اعتقدت السلطات الأمريكية إن الطيار (جراي باورز) قد نفذ أوامره بتدمير الأجهزة الالكترونية،فأعلنت الولايات المتحدة إن إحدى طائرات U-2 قد ضاعت أثناء دراستها للأحوال الجوية على ارتفاعات عالية،وفي 7 أيار أعلن خروشوف  إن الطائرة والطيار قد وقعا في قبضة السوفييت بعد إنكار الولايات المتحدة الهدف الذي كانت تقوم به الطائرة، وكان خروشوف بحاجة إلى ذريعة لإلغاء قمة باريس فقد توفرت له الذريعة،إذ كان يعلن عن مزايا سياسة التعايش السلمي،وجاءت أعمال الولايات المتحدة بإرسال طائرة U-2 في مهام فوق الاتحاد السوفييتي الذريعة المناسبة.

في 15 أيار قبل يوم الاجتماع لقمة باريس قدم خروشوف قائمة بالشروط المطلوب توفرها وهي ضرورة اعتذار الولايات المتحدة عن حادثة U-2 وإيقاف جميع هذه الأنواع من الطيران في المستقبل،ومعاقبة المسؤولين عن الحادث،ففشلت القمة من لحظة بدئها،وأعلن خروشوف إن على القمة إن تجتمع ثانية خلال مدة تتراوح بين ستة أشهر إلى ثمانية،وغادر خروشوف باريس متجها إلى برلين الشرقية،لعقد معاهدة الصلح مع ألمانيا الشرقية والذي سينهي هذا الصلح شرعية الوجود الغربي في ألمانيا الغربية كونها دولة احتلال،وأثار هذا الأمر الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه لاعتقادهم إن خروشوف سيعقد صلحا منفردا مع الألمان،لذا تم  بإعلان حالة الطوارئ في القوات الأمريكية في كافة إنحاء العالم.إذ إن رفع الأمور بهذا الاتجاه جعل العالم يتجه مرة أخرى نحو أجواء المواجهة العسكرية والحرب الذرية، لذا سارع خروشوف الذي كان يعي تماما مخاطر سياسته تجاه برلين،وما يترتب عليها من احتمالات المواجهة إلى تهدئة الأزمة.وأنهى خروشوف زيارته لألمانيا الشرقية دون أن يشير إلى الموضوع الذي هدد به سابقاً،وجمدت القضية حتى عام 1961.لقد حددت عوامل عدة إلى العودة مجددا لقضية برلين عام 1961 ومنها:

1.الأوضاع الداخلية غير المستقرة في الاتحاد السوفيتي وتهديد زعامته للعالم الشيوعي بعد تمرد عدد من الدول الشيوعية على تلك الزعامة مثل الصين وألبانيا ورومانيا.

2.الخبرة الحديثة للرئيس الأمريكي كينيدي في مجال السياسة الخارجية،ولاسيما انه وقع في أيامه الأولى تحت ضغط الفشل الذي مني به في عملية خليج الخنازير.

 

حاول السوفييت استغلال الارتباك الذي أصاب السياسة الأمريكية بعد الفشل في كوبا لتحقيق نجاح ما في هذا الوقت وذلك عندما اصدر خروشوف إنذارا تضمن تحديد ستة أشهر نهائياً للتوصل إلى اتفاق حول برلين،فالتقى كندي وخروشوف في فينا في حزيران 1961،وفي فينا اصدر خروشوف إنذارا أخر جاء فيه انه في حالة عدم التوصل إلى الاتفاق حول برلين بحلول العام 1961 فان الاتحاد السوفيتي سيوقع معاهدة صلح منفصلة مع ألمانيا الديمقراطية،ففشلت قمة فينا وتلا ذلك تطور سريع للازمة حول برلين.وفي 8 تموز 1961  أعلن خروشوف إن المواقف الغربية أرغمت  الاتحاد السوفيتي على زيادة حجم موازنته العسكرية بنسبة 33% ،فردت الولايات المتحدة على ذلك في 25 تموز  عندما طلب كندي من الكونغرس زيادة حجم موازنة الولايات المتحدة العسكرية،كما طلب زيادة بناء قوات حلف الأطلسي في أوربا،وفي اليوم نفسه قال غروميكو وزير خارجية الاتحاد السوفيتي لسفير ألمانيا الغربية في موسكو أنه إذا تم توقيع معاهدة صلح منفصلة فان القوات السوفييتية سوف تنتشر على طول الحدود بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية،فادت هذه التهديدات إلى رفع درجة التوتر السياسي في الحرب الباردة، وأهم من ذلك إنها زادت من إمكانية فقدان احد الطرفين السيطرة على عملية التصعيد التي بدأ فيها هذان الطرفان،ففكر كندي إرسال قوات إلى برلين إذا تم توقيع صلح منفرد ولكن جميع هذه التهديدات العسكرية الضمنية  كانت غير واقعية إذ لم يكن يوجد في برلين الغربية القريبة سوى 11000 جندي لحماية الحدود الغربية،وكما لم يكن في مقدور خروشوف تغيير وضع برلين دون المخاطرة الحقيقية بحرب نووية  وهو أمر لم يرد أن يفعله،لكن بحلول شهر آب 1961 كانت هناك زيادة ملحوظة في أعداد اللاجئين من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية،مما أدى إلى تفاقم أزمة قلة الأيدي العاملة في ألمانيا الشرقية.إذ تشير الإحصائيات انه خلال المدة 1949 – 1958 فر أكثر من مليوني ألماني شرقي إلى ألمانيا الغربية وان معظم هؤلاء يمثلون الخبرات الفنية للبناء الاقتصادي،لإيقاف ذلك قامت ألمانيا الشرقية بإغلاق حدودها مع ألمانيا الغربية والبالغة 850 ميل من الأسلاك الشائكة فضلا عن وضع حقول من الألغام،وكان اللذين يحاولون الهرب يتعرضون أما إلى القتل والى الاعتقال،وبدأ هذا التطبيق في 12 آب 1962،وثم قامت ببناء جدار عازل يفصل ألمانيا الشرقية عن الغربية وبرر الاتحاد السوفيتي إنشاء هذا الجدار لإيقاف الجواسيس والمتمردين من العبور إلى ألمانيا الشرقية،وفي أثناء ذلك عزز كل من الاتحاد السوفيتي الولايات المتحدة الأمريكية قواتهما في ألمانيا،وكما حصلت عدة مناوشات على الحدود بين الألمانيتين إلا إنها بقيت محدودة.



د. اسامة عدنان يحيى

 

        في المعتقدات القديمة تظهر الالهة وهي تتصارع مع اقرانها، هذا الصراع الذي يفسر عادة كصراع بين قوى الطبيعة احيانا، أو يشير الى نهاية عبادة بعض الالهة وظهور اخرى تتميز عادة بكونها الهة فتية. ففي بلاد الرافدين نقرأ عن الصراع الذي اندلع بين الالهة العتيقة، والالهة الفتية الذي انتهى بهزيمة تيامة ومقتلها على يد مردوك اله بابل الفتي. وفي أساطير اوغاريت نقرأ عن صراع بين بعل وموت اله العالم السفلي إذ يقتل موت، بعل وينقله معه إلى مملكته فيمتنع سقوط المطر، وتذبل الحقول الخضراء، وتستمر حالة الجدب حتى تنزل زوجته عناة وراءه إلى العالم الأسفل للبحث عنه فتلتقي بخصمه فتقطعه بمنجلها، ثم تنشر أعضاء جسمه المقطعة في الحقول فتعود الحياة من جديد إلى بعل في فصل الربيع، وتخضر الأرض. وفي أسطورة أخرى نعرف أن بعل يحاول أن يسيطر على الأرض بعد معارك دامية مع خصومه، وتبدأ الأسطورة بقرار الإله الأعظم ايل منح بعض سلطاته على البحار، والأنهار للإله يم فيغضب الإله بعل ويضمر في نفسه الحقد والحسد، فتنشب بينه وبين يم معركة ضارية ينتصر فيها بعل بمساعدة قوشار اله الفنون والصناعات الذي جهزه بأحسن الأسلحة، ولكن على الرغم هذا النجاح لم يستطيع أن يفرض سلطانه على الأرباب الآخرين فطلب من الآلهة عناة التوسط لدى الآلهة الكبرى عشيرات لإقناع زوجها ايل بالسماح لبعل بتشييد معبد على الجبل المقدس في الشمال البلاد. وافقت عشيرات على رجاء بعل وأقنعت زوجها بضرورة بناء المعبد ورضي ايل، وشيد قوشار معبدا ضخما لبعل جهزه بأحسن الأثاث ثم دعا بعل جميع الآلهة إلى مأدبة طعام احتفالا بهذه المناسبة السعيدة فاصبح سيد المجمع المقدس (البعليم). وما كاد بعل ينعم بنشوة النصر حتى ظهر لـه منافس آخر هو موت اله العالم الأسفل، واله القحط ، إذ حاول موت الخروج من مكانه الحزين المعزول في العالم الأسفل لاغتصاب المنصب الجديد الذي حصل عليه بعل في رئاسة المجمع الإلهي ولتحقيق هذه الغاية دعا بعل إلي وليمة أقامها في العالم الأسفل ليأكل من طعام الموتى،  فإذا أكل في هذا المكان فلا يمكن له الرجوع إلى الأرض  ولما حضر بعل الوليمة، وأكل الطعام وقع في الفخ، وبقي مسجونا في العالم الأسفل مدة من الزمن فحزنت عناة على اختفاء زوجها بعل.  ولكن بعل بعث مجددا وبدأت معركة حقيقية مع الإله موت انتهت بانتصار بعل، ونفي موت إلى اسفل الأرض إلى الأبد، وساهمت عناة  في هذه  المعركة . والواقع إن نقاط التشابه واضحة بين ملحمة الخليقة البابلية وأسطورة صراع بعل مع يم،  إذ إن في الأسطورتين يقوم اله شاب بدحر قوى الماء، ومثلما كان سلاح بعل البرق كان سلاح مردوك هو البرق أيضا . وفي الهند نقرأ في اسطورة كيف ناشد آلهة الاديتياس (أي أبناء اديتي المعبودة الخيرة في الريك فيدا وكان الاديتياس أو الاديتيات في حالة صراع مع الدانافات وكادوا يندحرون لذا فهم بحاجة إلى بطل) الإله اندرا أن يكون بطلاً، ولكنه على حداثة سنه اشترط قبل القبول أن يكون ملكهم، وكان عليهم أن يوافقوا. وعندئذ خرج ليدخل المعركة مع فريترا وصنع تفاشتري صانع الآلهة سلاحاً يسمى فاكرا تعادله المأثورات بالبرق، و لما قوى نفسه بثلاثة أباريق من شراب السوما، وزاد حجمه ، وقوته هاجم فريترا الذي تصفه النصوص بثعبان راقد على الجبال.  وكانت المعركة ضارية، وتحدثنا الأناشيد كيف إن اندرا قاتل وحده وتقول أحيانا بان لـه أعوانا. ولم يكن فريترا شديد البأس فحسب، بل كان حاذقاً وممتلئاً بالحيل السحرية. ومع ذلك لم ينفعه بأسه ولا سحره فقد هوى عليه اندرا، وقصم ظهره أو كما قيل فجر جوفه. إن نقاط التشابه بين هذه الأسطورة، وبين ملحمة الخليقة واضحة فكلا البطلين الإلهيين (مردوك واندرا) كانا شابين، وكلاهما اشترط قبل النزال بأن يحصلوا على السيادة في عالم الآلهة. وكلا الإلهين كانت من ضمن أسلحتهما البرق. وإن فريترا يوصف كثعبان في حين كان الثعبان من قوات تيامة. وكلا فريترا وتيامة استخدموا السحر،  وكان مردوك قد رمى تيامة بسهم، ومزق معدتها كما فعل اندرا  عندما فجر جوف فرتيرا .وفي التراث المصري نقرأ  في أسطورة انه كان للإله اوزيريس مكانة مرموقة بين الآلهة فحسده أخوه الإله سيث، وقتله  فحزنت عليه زوجته التي هي أخته بنفس الوقت الإلهة إيزيس، وأخذت تبحث عنه، وأعادته للحياة، ثم ولد لها حورس الذي نقرأ عن صراع دار بين الإلهين حورس وسيث.



د. اسامة عدنان يحيى

           كانت ثورة بابل الأولى التي اندلعت عام 522ق.م. أولى الثورات التي بوجه الاخمينيين، ويبدو أن هذه الثورة لم تأتي نتيجة الصدفة المحضة وإنما نابعة من تراكمات عدة، فالبابليين أدركوا منذ الأيام الأولى للاحتلال أن الفرس ما هم إلا غزاة، وأدركوا أيضاً أن الفرق بين كورش الفاتح الاخميني وبين نبونائيد. فبعد مرور أيام على الاحتلال، تخبرنا وثيقة الأخبار البابلية أنه في تشرين الثاني (539 ق. م) توفيت زوجة الملك نبونائيد:"في اليوم …. من شهر اراخشامنو (Araḫšamnu)ماتت زوجة الملك.من اليوم السابع والعشرين لشهر اراخشامنو إلى اليوم الثالث من شهر نيسان أقيمت مناحة رسمية في أكد،كل الناس ذهبوا إلى مكان المناحة وشعورهم شعثة".إن هذا النص يوضح لنا أن وفاة زوجة الملك نبونائيد قد أثرت كثيراً على البابليين إلى درجة أنهم استمروا في البكاء عليها ستة أيام،وأن تحليل ذلك الأمر يكشف لنا عمق الترابط الذي كان يربط الناس بذكرى الحكم المستقل.ومع ذلك فأن أي ثورة لم تندلع في عهد كورش،ولا نكاد نقرأ عن أي إشارات عن تململ الوضع باستثناء الإشارة الأنفة الذكر وربما كان ذلك بسبب سياسة كورش تجاه بابل وعدم إثارة مشاعرهم الدينية.ويمكن أن نستدل من المعلومات القليلة التي سبقت ثورة بابل الأولى شيئاً عن أسباب الثورة،فنحن نعرف عن ممارسة الموظفين سياسة ابتزاز أموال المواطنين البابليين. ومن وطأة الضرائب المفروضة يمكن أن نعرف أحد أسباب الثورة، ونحن نقرأ إشارة عند هيرودوت أن دارا الأول مثلاً حاول سرقة تمثال ذهب من معبد ايساكيلا غير أنه لم ينجح. ويمكن الاستنتاج أن الملوك الاخمينيين رغم ادعائهم بأنهم استمرار للحكم المحلي إلا أنهم حاولوا الحصول على الأموال بشتى الوسائل وحتى سرقة أموال المعابد البابلية.كما أن الاضطرابات الناشئة في أعقاب وفاة قمبيز قد حفزت البابليين على الثورة وأنهم عندما أعلن بارديا نفسه ملكاً انحازوا إليه.

          أعلن أهل بابل الثورة ضد ألاخمينيين وانظموا تحت لواء زعيم لهم يدعى
ندينتي-بيل(ندينتو-بيل) الذي أعلن ملكيته على بلاد بابل وأطلق على نفسه اسم نبوخذنصر (الثالث) وربما يمت بصلة النسب إلى نبونائيد.ويبدو أن خبر هذه الثورة قد أفزع دارا الأول فقاد الأخير الجيوش التي سارت لإخماد الثورة ويظهر أن الزعيم العراقي الثائر قد استحوذ على معابر نهر دجلة وشكّل قوة نهرية لهذا الغرض.وهي خطة محكمة تمكن منها من منع الجيوش الفارسية من التقدم ضده،في وقت ركز جيوشه على الضفة اليمنى لمنع أية قوة عسكرية فارسية قد تتمكن من عبور النهر . ورغم الاستعدادات نجح دارا في عبور النهر وسار باتجاه بابل بعد أن أوقع هزيمة بالثوار  ولكن ما أن وصل الجيش الفارسي إلى زازانا (قرية صغيرة على الفرات) حتى وجد نفسه وجهاً لوجه أمام قوات ندينتو- بيل فدحره دارا وتراجع الثوار إلى بابل وتحصنوا في أسوارها.ويخبرنا دارا في نقش بهستون عن أحداث الثورة إذ يقول:"رجل اسمه ندينتو-بيل بابلي ابن انيري تمرد في بابل وكذب على الناس بما يلي:أنا نبوخذنصر بن نبونائيد فوقف الشعب البابلي كله إلى جانب هذا الرجل،وهجموا على كل بابل وسلموه السلطة على البابليين.فأرسلت مبعوثي (أولاً) إلى سوسة  وألقيت القبض على ارشينا.ثم زحفت على بابل ضد ندينتو-بيل،الذي يقول أنه نبو خذ نصر وكان جيشه على نهر يقال له دجلة !وكان موزعاً وكان له أسطول فوضعت رجالي على القرب وآخرين على الجمال وآخرين على الخيل وعبرنا دجلة وساعدني اهورامزدا فتحاربنا وضربت جيش ندينتو-بيل ثم زحفت إلى بابل وكانت هناك مدينة في الطريق اسمها زازانا (زازانو) وقد لجأ إليها ندينتو-بيل مع جيشه استعداداً لمحاربتي فتحاربنا فضربت جيشه بقوة؛جرف الماء العدو".ونقرأ عند هيرودوت معلومات أخرى عن الثورة،إذ يقول أن دارا قد هاجم بابل وكان البابليون يشتمون دارا ويسخرون منه،ومن جيشه ولم يلبث أحد البابليين ان هتف برجال دارا قائلاً:لم تجلسون هنا أيها الفرس؟ لم لا تعودون إلى بلادكم ؟ إنكم لن تستولوا على مدينتنا إلا إذا أنجبت البغال.ويذكر أن الحصار استمر سنة وسبعة أشهر وأنه في الشهر العشرين من الحصار اقترح على دارا أحد قادته ويدعى زوبيروس بن ميكابيسوس،بأن يقوم الملك بخديعة البابليين باحتلال مدينتهم،واقترح عليه أن يقوم بضربه (أي دارا) ضرباً مبرحاً ويرسله إلى أهل بابل ليوهم الآخرين بهربه من سيده الفارسي غاضباً ولجوئه إليهم ويقول هيرودوت أن البابليين انطلت عليهم الخدعة وأنهم منحوه قوة من الجند والذي تمكن بهم من فتح الأبواب لدارا وبذلك دخل الفرس إلى بابل.

          لا يمـكن الأخـذ بكل معلومات هيرودوت لأن الحصار حول بابل لم يستمر سنتين وأن الثورة كلها استمرت من(3 تشرين الأول 522- 22 كانون الثاني521 ق. م.) إذ جاءتنا من هذه الفترة ألواح طين مؤرخة باسم ندينتو-بيل.وأخذت التواريخ تذكر بعد هذا التاريخ عبارة:"السنة التي بدأ فيها داريوس ملك بابل ملك الأقطار"،من جهة أخرى هو ليس من المنطقي أن يسلم البابليين قوة لزوبيروس لمجرد إنهم وجدوه بالصورة التي وصفها هيرودوت.غير أنه يمكن القول إنما عبّر به البابليون من أقوال نقلها هيرودوت توضح مدى رغبة البابليين في التحرر وأنه من غير المستبعد أن دارا الأول قد استعمل الخديعة من أجل دخول المدينة.وعلى أي حال فأن دارا قد دخل بابل وقتل الثائر وضرب أسوار المدينة وبواباتها ونفذ حكم الإعدام بـ (3000) شاب.