مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية



د. اسامة عدنان يحيى

                لقد برز المعبد خلال العصر البابلي المتأخر(627-539 قبل الميلاد)،كمؤسسة اقتصادية كبيرة لها أثرها الفاعل في المجتمع، يمتلك المقاطعات الزراعية الضخمة ويمارس تجارة واسعة. إذ لم تقتصر أهمية المعبد في العهد البابلي الحديث على الأمور الدينية، بل شملت كذلك الأمور الاقتصادية للمجتمع البابلي. وقد ازدهرت المعابد في هذه الفترة وازداد ثرائها، حيث تمكن الكهنة من توحيد أنفسهم اجتماعيا واقتصاديا، ليكونوا شريحة تكاد تكون مستقلة عن الحكومة المركزية. لقد كانت سلطة الملك المركزية في العهد البابلي الحديث اقل بكثير من سلطة المعبد، وان تاريخ بلاد بابل خلال السنوات التي أعقبت القرن السابع كان في بعض أوجهه صراعا للاستحواذ على السلطة بين السلالة الحاكمة ومؤسسات المعبد انتهى أخيرا بانتصار مؤسسات المعبد.

تشير الوثائق الاقتصادية الكثيرة التي وجدت في معابد هذا العصر مثل منطقة المعابد في اوروك إلى ازدياد أملاك المعبد، واتساع نشاطه التجاري في داخل البلاد وخارجها، وأصبح معبد اي-أننا(É-anna)مركزا اقتصاديا واجتماعيا مستقلا عن الحكومة تقريبا. إذ ترينا أرشيفات المعبد انه كان يستحوذ على قطاعات كبيرة تؤجر بعضها للمزا عيين، ويتولى رجاله الإشراف على بقيتها، وغدا كأنه يمتلك معظم أراضي بابل، إذ امتدت أملاكه من مدينة أور في الجنوب حتى مشارف مدينة بابل في الشمال.

لقد كان المعبد يستحوذ على أراضي واسعة عن طريق الشراء، أو مصادرتها تسوية لالتزامات مالية، أو كهدايا خاصة، أو منح ملكية، وقد استحوذ المعبد على مزيد من الأملاك عن طريق تنازل بعض مالكي الأراضي عن أراضيهم مقابل حصولهم على الحماية والأمن، وإعفائهم من بعض الالتزامات. وكان يقف على رأس الجهاز الإداري للمعبد ثلاثة إداريين هم: الشتاممو(Šatammu)،(وهو لقب لعله يعني حارس المنطقة) والـ(Qipu)(الناظر) والكاتب(țabšaru).وان جميع النشاطات المتنوعة التي كانت الشتاممو ورفاقه مسئولين عنها يمكن إيجازها بأنها شملت: تأجير الأراضي، ومقاطعات المعبد الواسعة، وتحديد الحقوق والواجبات ذات العلاقة بالقنوات، والإشراف العام على تخمين وجمع ونقل واستخدام وتوزيع إنتاج الأراضي والقنوات، وحفظ السجلات والحسابات المتعلقة بذلك. فضلا عن تنظيم علاقات الموظفين والمستخدمين والأشراف على النشاطات التي لها علاقة بالعبادة. لقد كانت البضائع التي تنتج في مقاطعات المعبد تجلب أولا إلى المستودعات في اوروك، ومهما كانت وجهتها النهائية. وكانت شبكة القنوات قد جعلت من النقل أمرا سهلا لأي صنف من أصناف البضائع، وهناك رسالة تعطي تعليمات لإرسال شحنة من الأغنام حيث يأمر الكاتب ولعله شتاممو معبد اي –أننا: "إذا كانت الأرض ملائمة دعمهم يأتون على الأقدام، وألا فدعهم يأتون بالسفينة". وربما كانت السفن المستخدمة لذلك ضمن ممتلكات المعبد في معظم الحالات، ولو إنها كانت تستأجر بالتأكيد من أصحاب السفن أحيانا. لقد أصبح رجال الدين مزارعين، وأصحاب مشاغل وصيارفة على نطاق واسع كما اصحبوا كتاب عقود، يوقعون ويشهدون على صحة العقود المبرمة، ويكتبون الوصايا، ويستمعون إلى الدعاوى القانونية، ويصدرون الأحكام عليها، ويترأسون المرافعات، ويحتفظون بالسجلات الرسمية، ويسجلون الصفقات التجارية العامة والخاصة، وهناك نص من مدينة نفر(Nibru) يصور مدى الثراء الكبير الذي بلغته المعابد،ولو انه يعود لبداية العصر البابلي المتأخر (تاريخ النص في حدود 630 ق.م)،وهو عبارة عن قرض من المعبد مقداره (30) طالنت من الفضة(909كغم) وهو مبلغ كبير جدا .لقد قام المعبد باستئجار العمال، والعبيد، وحرث الحقول، وحصد وكري الأنهار، وحفرها في الأراضي الزراعية العائدة له، كما كان للمعبد ضريبة يفرضها تعرف بالكارو (Karu) تعطى مقابل مرور السفن عبر القنوات التابعة له، كما كان للمعبد، كما يبدو امتيازا خاصا لعبور القنوات الملكية، وكان بإمكان الشتاممو تزويد السفينة بإشارة تدعى خوتارو (ḫutaru) التي لا نعرف طبيعتها بالضبط،تحصل السفينة بموجبها حق العبور الحر دون رسوم كما يتبين من الرسالة التالية: "رسالة اديننا،(Iddina)، وشمش-اريبا(Šamaš-eriba) إلى الشتاممو ، سيدنا إننا نصلي يوميا إلى بيل(Bel)، ونابو(Nabu) وسيدة أوروك(Belit uruk) ونانا(Nana) من اجل حياة ونفس وسعادة وطول أيام سيدنا لقد جلبنا(200) كور من التمر من القنال المسمى نان-ابلي، وقد أوقفنا من قبل سيد الميناء من بيت-كيسر لتأتي رسالة خطية من سيدي إلى نونا (Nuna) سيد الميناء ليسمح لنا بعبور الميناء …انه  يتحقق علينا كل يوم نصف شاقل أجرة السفينة، وشاقل من الفضة أجرة الرجال المؤجرين ليعرف سيدنا إننا حجزنا في الميناء منذ العشرين على أن يأتي مع رسالة سيدي خوتارو وتبقى على السفينة".

كان معبد اي-أننا مركزا تجاريا نشطا، وكان جزء كبيرا من البضائع التي تجمع هناك وتذهب ثانية إلى أجزاء أخرى من بلاد بابل، وحتى إلى خارج البلاد، وهناك بعض الرسائل توفر عدد من الإشارات إلى التجارة حيث كانت تستبدل منتجات ومقاطعات المعبد بصورة رئيسة ببضائع تجارية كالفخار والشب والسمسم والمعادن والخشب والقماش. وكانت الموارد المالية للمعبد تشمل غلة الأرض وأرباح التجارة، وريع الحقول والبيوت، والضرائب الدينية المفروضة على المواطنين إضافة إلى قسم من النذور والقرابين، التي كان تقديمها مسالة طواعية من الناحية النظرية وان كانت إلزامية عمليا.

 

لقد أدت الاحتكارات المعبدية للاقتصاد إلى تضاؤل واردات الملك وحكومته إلى درجة لا تتماشى مع متطلبات الدولة على الإنفاق على المشاريع، وعلى رأسها نفقات الجيش الذي أصبح منذ عهد نبوخذنصر الثاني(605-562 قبل الميلاد) جيشا نظاميا قائما يتطلب الإنفاق لأعالته وتجهيزه فلم تسد الثروة الزراعية تلك الحاجة بالنظر إلى مزاحمة المعبد في امتلاك الأراضي الزراعية الواسعة، ولهذا فقد أدت الاحتكارات المعبدية للشؤون الاقتصادية إلى أزمة حادة في البلاد. 



د. اسامة عدنان يحيى

قمبيز هو الابن الأكبر لكورش الكبير، أشركه أبوه في الحكم خلال السنوات الثمان الأخيرة من حكمه، وقد منحه أبوه لقب ملك بابل. وكان لكورش ابن ثان يدعى بارديا أوكل إليه أبوه حكم الأٌقاليم الشرقية مـن الإمبراطورية وهي: خوارزم، وباكتريا، وباريثا، وكرمانيا. وكان قمبيز حسب ما تذكره المصادر غريب الأطوار قاسياً، وبعد وفاة كورش تولى قمبيز العرش(529-522 قبل الميلاد)، فبدأت الاضطرابات الناشئة عن المؤامرات التي يرجح اشتراك بارديا فيها فاتهمه أخوه بأنه يسعى لقتله ودبر أمر اغتياله.

                كان أول عمل عسكري يقوم به قمبيز هو التحرك باتجاه مصر، والواقع أن فكرة غزو مصر كانت من تنظيم كورش الكبير الذي كان قد أعد العدة لفتح مصر غير انه توفي قبل انجاز عمله العسكري، وكان قد أوكل مهمة تهيئة الحملة إلى ابنه قمبيز أثناء حياته.

                لقد كان هناك فارق كبير في الوضع السياسي في مصر بحلول عام 525 ق.م، إذ أن مصر لم تعد في الواقع قادرة على التصدي للفرس الأخمينيين، ونحن نعرف أن مصر كانت من ضمن حلفاء كروسوس سابقاً مما يعني أنها كانت تشعر بوجود الخطر الفارسي منذ فترة سابقة للغزو الاخميني. لقد كان فراعنة الأسرة السادسة والعشرين قد اعتمدوا في قوتهم العسكرية على المرتزقة الإغريق، وكانت مشكلة الإغريق في مصر عويصة، ويبدو أن تأزم الموقف في مصر يعود إلى تزايد نفوذ الدخلاء الاجانب في مصر وما كان من الفرعون أحمس الثاني (570-526 ق.م) إلا أن يحاول حل المشكلة، غير ان أحمس الثاني لم يرد أن يخسر صداقة العالم الإغريقي، كما لم يرغب أن يستفز شعور المصريين المعادي للإغريق، لكن ان ما أن كان الخطر يزداد على مصر من جانب الفرس حتى أخذ أحمس يعتمد تدريجياً أكثر فأكثر على الإغريق المرتزقة، فقد قام بتجنيد أعدادا كبيرة من الجند المرتزقة الإغريق تحسباً للخطر كما ضمن ولاء قبرص. أما قمبيز ملك فارس فقد عمل جاهداً لإعداد العدة لتجريد أحمس الثاني من حلفائه، فقد تمكن من محالفة بوليكراتيس حاكم ساموس الحليف السابق لأحمس الثاني، كما تحالف مع ملوك فينيقيا الذين زودوه قمبيز بعدة سفن فينيقية. فضلاً عن ذلك أن قمبيز قد حصل على مساعدة بدو خليج السويس، وهكذا وجد قمبيز لنفسه قاعدة قوية يتمكن بها من الهجوم على الأراضي المصرية، والتصريح لليهود ببناء معبد أورشليم، كما أن الفرس اكتسبوا إلى جانبهم عواطف الجنود المرتزقة اليهود الذين كانوا في خدمة الفرعون المصري. فضلاً عن ذلك أن الخيانة ساعدت كثيراً الفرس في احتلال مصر، إذ هرب أحد قادة أحمس الثاني من الاغريق ويدعى فانيس وهو من مدينة هاليكارناسوس، وانضم إلى معسكر قمبيز، وأطلعه على الأسرار العسكرية للجيش المصري.

تحرك الجيش الاخميني باتجاه مصر إلى الحدود المصرية ماراً بفلسطين، وأرسى أسطوله في ميناء عكا، وفي هذه الأثناء توفي أحمس الثاني، وتولى ابنه بسماتيك الثالث العرش، وكان الجيش الاخميني قد وصل إلى الحدود المصرية، وقد اتخذ من مدينة غزة قاعدة انطلاق باتجاه مصر. وعند بلوغه مدينة بلوزيوم (الفرما) اندحر الجيش المصري، وسقطت المدينة، وأعقبها اقتحام عين شمس ثم منف عام 525 ق.م. ويخبرنا نص مصري موجود حالياً في الفاتيكان عن دخول قمبيز لمصر: "أتى إلى مصر الملك العظيم لكل البلاد الأجنبية قمبيز على حين كان معه غرباء البلاد الأجنبية كلها، عندما استولى على هذه الأرض جميعها أستوطنها هؤلاء الغرباء". أما بسماتيك الثالث فقد عفا عنه قمبيز غير أن الفرعون السابق حاول إثارة المصريين ضد الفرس، فاشتط قمبيز في معاملته حتى أدى به إلى الانتحار.

 

 



د. اسامة عدنان يحيى

  كان كورش ابن قمبيز الأول ومندانا بنت استياگز اخر ملوك الميديين، والمعروف أن كورش، أثناء حياة أبيه قمبيز الأول كان في العاصمة أكبتانا التي بقي بها مدة من الزمن، واشترك في بعض العمليات العسكرية هناك. وفي عام 559 ق.م تولى عرش فارس، وكان تابعاً لجده استياگز، وقد اتخذ لنفسه عدة ألقاب منها: "الملك الاخميني العظيم ملك بارسوماش وانشان". قد ظل كورش خلال السنوات الثمان الأولى من حكمه تابعاً للحكم الميدي، إلا أنه كان يطمح بالاستقلال بنفسه عن الملك استياكز. لقد استغل كورش مركزه فأخذ يقوي نفسه وأسس عاصمة جديدة هي بزرگادة، وأخذ يدبر أمر انفصاله واستقلاله عن الميديين. وكان يحكم في بلاد بابل الملك نابونائيد(556-539 قل الميلاد) الذي أعد الخطط للاستيلاء على بعض الأقاليم التابعة إلى مملكة ميديا، ولاسيما حران، فقد كان الحلم الأثير الذي يراود مخيلة نابونائيد هو إعادة بناء معبد الإله سين في حران، وكانت حران قد وقعت بيد الميديين منذ عام 610 ق.م، ولما كان لا قبل لنابونائيد منفرداً بمقارعة الميديين الأقوياء، لذلك فقد التفت صوب الفرس وتحالف معهم، ويبدو أن مفاوضات سرية بين نابونائيد وكورش قد دارت ليكونا حليفين وإن الحلف كان موجهاً ضد استياگز. ويبدو أن التحالف الذي أقيم بين الملك البابلي وكورش قد تسربت أخباره للملك الميدي لذلك استدعى استياكز تابعه كورش إلى العاصمة أكبتانا غير أن كورش رفض الامتثال للأمر لهذا لم يكن أمام الملك الميدي إلا إعلان الحرب على كورش.

كان قائد الجيش الميدي هو هرباخوس، إلا أنه خان سيده وانظم إلى جانب كورش.  ونتيجة لذلك جهز استياگز حملة ثانية قادها بنفسه وتوجه لحرب كورش، وفي نفس الوقت كان الأخير قد سار إلى أكبتانا لانتزاعها من استياگز، ويبدو أن معركة عنيفة وقعت بين الطرفين انتهت بهزيمة استياگز ووقوعه في أسر كورش. وتنقل لنا المصادر المسمارية معلومات جيدة عن ما حدث في إيران. فيذكر نابونائيد في مدوناته بأن الإله مردوك قد ظهر له في المنام وأنه أوعز إليه ببناء معبد أي-خول-خول في حران فلما اعترض الملك قائلاً أن حران واقعة في قبضة الأومان-ماندا(الميديين)،أجابه مردوك قائلاً: "إن الأومان-ماندا الذين تتحدث عنهم هم وبلدهم والملوك في صفهم لن يبقوا في الوجود، ففي السنة الثالثة القادمة سأجعل خادمهم الشاب كورش ملك أنشان يفرق بجيوشه القليلة الأومان-ماندا ويطردهم. فقام كورش بأسر أشتوميگو (استياگز) ملك الأومان-ماندا وأخذه مكبلاًَ إلى بلده". وتذكر وثيقة الأخبار البابلية معلومات أخرى عن الأحداث السنة السادسة:"...استدعىوقد سار أشتوميكو باتجاه كورش ملك أنشان إلا أن الجيش الأول قد تمرد ضده وسلموا الملك الميدي أسيراً لكورش، واحتل الأخير مدينة أگامتانو، واستولى على مقر إقامة الملك. استولى [أي كورش] على الذهب والفضة والأشياء الثمينة العائدة لأگامتانو كغنائم وجلبها إلى أنشان". وبذلك تمكن كورش من القضاء على المملكة الميدية معلنا قيام الدولة الاخمينية عام 550ق.م.

بعد انهيار الدولة الميدية أصبحت بلاد إيران تحت حكم كورش، وتم توحيد الشعبين الميدي والفارسي تحت زعامته، وأخذ كورش الآن يخطط للاستيلاء على الأراضي المحيطة به ولهذا ستتوزع جهوده في ثلاث جهات رئيسية:

الأولى: باتجاه آسيا الصغرى.

الثانية: نحو الأقاليم الشرقية لإيران.

الثالثة: بابل والأقاليم الغربية.

تعد دولة ليديا أقوى دولة أيونية في أسيا الصغرى وكانت هذه الدولة في توسعها قد اصطدمت بجبهتين الأولى: مع الدولة الميدية إلا أن الأمر سوى بين الدولتين بموجب اتفاقية عام 585 ق.م. أما الجبهة الثانية: كانت المدن اليونانية في آسيا التي أخضعت جميعاً إلى دولة ليديا باستثناء مليتوس (ملطية). وفي نفس الوقت كانت تربط مصر علاقات تحالف وطيدة مع دولة ليديا وربما كان ملك ليديا قد ساعد بسماتيك الأول بجنود من الأيونيين والكاريين للعمل في جيشه . إن ارتباط العرشين الميدي والليدي بتحالف دفع كورش إلى إيجاد تحالف بديل ويمكن تسميته التحالف الجنوبي(الفارسي-البابلي) مقابل التحالف الأول الشمالي. وكان العرشين الميدي والليدي أيضاً مرتبطان بمصاهرة سياسية نتيجة زواج أخت كروسوس ملك ليديا من استياگز. وقبل أن يبدأ الأول بسياسته العدائية تجاه كورش حاول أولاً التأكد من أهداف كورش فأرسل إليه طلباً بإطلاق سراح استياكز إلا أن كورش رفض طلبه. في حين كان كورش يعمل على تضييق الخناق على دولة ليديا فقد تمكن من إخضاع مدينة قبرص قبل عام واحد من تحركه باتجاه الدولة الليدية.

أرسل كروسوس سنة 548 ق.م الرسل لاستشارة الأرباب في المعابد اليونان وليديا بشأن حربه لكورش، ثم استشار كروسوس كاهنة معبد دلفي غير أن الجواب الذي قدمه وحي دلفي كان غامضا: "إذا عبر كروسوس نهر الهاليس فإنه سيدمر إمبراطورية عظيمة، قوية". حاول كروسوس كخطوة أساسية لمحاربة كورش إقامة حلف واسع النطاق ليشمل إلى جانب ليديا كل من: إسبارطة ومصر وبابل للحصول على مساعدتهم. غير أننا لا يمكن أن نعرف هل كان بالإمكان الحلف الصمود بوجه كورش؟. ومع هذا فإن الأحداث ستثبت أن أي من أعضاء الحلف لم يساعدوا كروسوس، وفي نفس الوقت كانت المدن الأيونية قد رفضت التمرد على ليديا.

تقدم كورش من العاصمة أكبتانا باتجاه الهاليس، وبعث رسلاً إلى المدن الأيونية في غرب آسيا الصغرى حثهم بها على الثورة ضد كروسوس، فرفضت ندائه، وقد عبر كروسوس حدود دولته ربما قرب سهل بافرة على نهر الهاليس، والتقى الطرفان في معركة عنيفة، وقد تمكن كروسوس وكان جندياً متمرساً بالحرب أن يصمد في الحملة الأولى، ولكنه عندما انسحب ليستريح ويريح جنده أثناء فصل الشتاء لم يمهله كورش وسار ورائه متحدياً برد الشتاء في الأناضول، وكان على كروسوس أن يحارب أمام عاصمة دولته سارديس دون أن يكون حلفائه معه وقد انهزم حملة الرماح الفرسان والرماحون الليديون المشهورين عندما أجفلت خيولهم وتراجعت لدى رؤيتها جمال الحمل التي كانت تتقدم صفوف الجيش الفارسي وشمها رائحتها التي لم تألفها من قبل. وخلال أسبوعين من المعارك سقطت قلعة سارديس نفسها التي لا تقهر بأيدي الفرس الذين اقتحموا القلعة متسلقين صخورها. وكان سقوط ليديا هذه الإمبراطورية العظيمة القوية سقوطاً مرعباً لم يعرف العالم اليوناني مثيلاً له. وقد اختلفت المصادر في مصير كروسوس، فالمصادر الكلاسيكية تؤكد أن كورش قد عامل ملك ليديا كروسوس معاملة حسنة، في حين تؤكد الأخبار البابلية أن كورش قتل ملك ليديا :"توجه [كورش] في شهر أيار نحو بلدة ليديا محتلاً قتل ملكها وأخذ مواكبه وأحل محلها حاميته". وأشـــارت إحــــدى القصــص الأسطــورية اليونانية أن أبوللو حمل كروسوس إلى الجنــــة الأرضية في ارض الهيبوربوريين، فــي حين يرجح الأستاذ اندرو روبرت بـــرن أن كروسوس قد هلك في المعركة كما هلك جنده.

بعد سقوط ليديا أخذت المدن الأيونية التابعة لكروسوس تفتح أبوابها لكورش. ولم يفرض الأخير شروطاً لاستسلامها. وعقد مع مليتوس التي كانت خارج مملكة كروسوس معاهدة اعترف فيها باستقلالها ضمن نطاق دولته، وقد هاجرت بضع جماعات إلى خارج البلاد مثل غالبية أهل فوكيا الذين رحلوا إلى جزيرة كورسيرا في وقت أعلنت مدن أخرى رفضها لسيطرته، وبمثل هذا الانقسام واجهت أيونيا الغزو الفارسي. وقد ترك كورش إدارة الأمور في آسيا الصغرى إلى قادته وعلى رأسهم هرباخوس الذي أكمل إخضاع البلاد وفرض على المدن اليونانية الجزية تاركاً لهم حرية التجارة. وقد قسمت آسيا الصغرى إلى ست مقاطعات أدار اثنان منها وهي أيونيا وليديا بيد حاكم فارسي واحد مركزه مدينة سارديس، ثم مقاطعة فيريجيا التي شملت المدن الأيونية في منطقة بحر مرمرة أيضاً قد صارت في يد حاكم آخر مركزه داسكيليون ولم يتدخل هؤلاء الحكام في شؤون المدن التي كانت تدير شؤونها الداخلية بنفسها وعلى رأس كل حكومة منها حكاماً منهم، من جانب آخر أن سقوط المدن اليونانية في آسيا بيد الإمبراطورية الفارسية أدى إلى تقدم الفرس نحو جزر بحر ايجة بجوار الدول اليونانية وبذلك اصطدم العالم الإغريقي بامتداد النفوذ الفارسي. وأن أول احتكاك بين مدن اليونان وبين الإمبراطورية الفارسية كانت عندما أرسلت مدينة إسبارطة رسالة سلمية إلى كورش طلبت منه أن يرفع يده عن اليونانيين، وسأل كورش هنا: "من هم الإسبارطيون ؟.." وقد اقترح المفكر الإغريقي طاليس فــــي مؤتـــمر حضره مندوبو المدن الأيونية أن تؤلف هذه المدن دولة اتحادية (فدرالية) ولكنه كان في هذا سابقاً لعصره.

بعد أن تخلص كورش من مشكلة دولة ليديا والمدن الأيونية نقل ثقل عملياته العسكرية شرقاً فقد سار بمحاذاة بحر قزوين (مقاطعة هركانيا) ثم بارثافا أو بارثيا (خراسان)، وعبر إلى بلاد ما وراء النهر (المنطقة المحصورة بين سيحون وجيحون)،وسيطر على مركز المنطقة (مدينة سمرقند) وجعل من نهر سيحون الحدود الشمالية لإمبراطورتيه وبنى عدد من التحصينات العسكرية على الضفة الجنوبية للنهر لحماية هذه الحدود من هجمات الطورانيين الذين كانوا يتمركزون في أواسط آسيا.

قبل أن يتجه كورش إلى بابل قام (حسب اعتقاد البعض) بمهاجمة أرض البحر فقد أخبرنا برحوشا بأن كورش أخضع بقية آسيا قبل التوجه نحو بابل، وهو أمر عده الأستاذسامي سعيد  الأحمد دليلاً على مهاجمة كورش لأرض البحر، خاصة وان زينفون في كتابه (Cyropaedia) ذكر أن كورش قد أخضع الفيريجيين، والكبدوكيين والعرب، وربما جعل زينفون أرض البحر ضمن بلاد العرب، ولكن هذا الغزو الفارسي الذي نقرأ عنه إشارات قليلة ليس لدينا تفاصيل حوله في الوقت الحاضر، إلا أن أرض البحر كانت جزءاً من الإمبراطورية الاخمينية، وأن مدينة شالامو(Šalamu) في بلاد العرب كانت ضمن الإمبراطورية الاخمينية في السنة الثامنة من حكم كورش. في حين يعتقد الأستاذ جواد علي أن ورود لفظة (Arabiai) بعد (Kappadokia) دليلاً على إن المراد بها (بلاد الجزيرة) أي (Mesopotamia) أو جزء منها ويظهر من موضع آخر أن العربية هي المنطقة الواقعة شرق (Araxes) أي الخابور. ويمكن ترجيح رأي الأستاذ جواد علي لاسيما وأن تتابع ذكر الفيريجيين ثم الكبدوكيين والعرب يرجح هذا الرأي ومما يؤيد ذلك أن زينفون نفسه يصف الجزيرة الفراتية أثناء تحركه فيها ويقول عنها (العربية) (Arabia). غير أن ذلك لا ينفي مطلقاً أن أرض البحر قد دخلت ضمن دولة كورش. ويقول الأستاذ دوگرتي أن كورش قد فتح أرض البحر قبل فتحه لبابل.

بدأت بوادر الخطر الفارسي على العراق في وقت مبكر، حتى قبل سقوط دولة ليديا على يده، إذ قام كورش عام 547 ق.م بعبور نهر دجلة من الجهة الجنوبية لمدينة اربيل، وتذكر وثيقة الأخبار البابلية  في أحداث السنة التاسعة من حكم نابونائيد: "استدعى كورش في شهر نيسان جيشه، وعبر نهر دجلة أسفل مدينة اربيلا". ربما كان تحرك الجيش الفارسي نحو اربيل قد تم عند نقطة قرب مخمور الحالية، ولم تكن هدفه وإنما كانت نقطة مروره إلى أسيا الصغرى .وربما أيضا كان يهدف إلى جس نبض القوات البابلية ومدى استعداداتها. ويعتقد الأستاذ الأحمد ان رد فعل البابليين كان سريعا، إذ نعرف عن تجمع للجيوش البابلية بأمر من بيل– شار–اوصور سنة 547 ق. م قرب مدينة كوراشو (قرب اليوسفية) تحسبا من تطور الأحداث. إلا ان وثيقة الأخبار لا تؤيد ذلك، إذ نقرا ان أم الملك نابونائيد قد توفيت في 5 نيسان في دور كوراشو وتقول الوثيقة: "أقام ولي العهد وجيشه مناحة رسمية في الصباح الباكر لأيام ثلاثة"، وبذلك ان تجمع الجيوش البابلية عند منطقة كوراشو ليست لها علاقة بالتحركات الاخمينية. ونقرا في أخبار سنة 546 ق.م انه في 21 سيمانو (Simanu)،(حزيران)،ان العيلاميين كانوا في أكد، وان حاكما اخذ يحكم الوركاء، وان وجود نقص في وثيقة الأخبار البابلية الخاصة بأحداث عام 545 ق.م تجعل تحركات كورش في هذه السنة غامضة إذ تذكر:" … دجلة … في شهر آذار عشتار الوركاء … الـ …. بلاد البحر … حيث قام جيش بالهجوم …. ". ويعتقد الأستاذ الأحمد بناء على ما ورد في أخبار عام 546 ق.م ان حاكما فارسيا من قادة كورش، قد دخل البلاد وصار حاكما في الوركاء. فإذا صحت هذه الحقيقة فان بابل قد أصبحت في فكي كماشة. غير إننا لا نعرف معنى هذه الحقيقة بالضبط فهل ان القائد ترك ملكه ولجأ عند الملك البابلي ولكن لا يمكن لنابونائيد ان يعينه حاكما على أية مدينة، أو ان قوة فارسية انتهزت فرصة غياب نابونائيد في تيماء فاخترقت الحدود لفترة من الزمن إلى الوركاء. غير ان الأستاذ هاري ساكز يشير إلى ان الوركاء بقيت بيد نابونائيد رغم الغارة العيلامية، ويبدو من أحداث عام 545 ق.م هجوما قد تم على بلاد بابل لا نعرف تفاصيله، ويبدو ان كورش أثناء تحركاته قد تمكن من السيطرة على بلاد أشور، ويرجح معظم الباحثين من ان كورش توجه إلى بلاد أشور عن طريق همدان–كرمان شاه-اربيل وهو الطريق التاريخي المؤدي إلى حران، واغلب الظن ان كورش قد وصل اربيل وانحدر بعدها إلى مدينة بابل متبعا الطريق ما بين مرتفعات حمرين ونهر دجلة، وعبرت جيوشه ذلك النهر عند مدينة اوبس. وقد تمكن كورش في هذه الأثناء من الحصول على ولاء حاكم كوتو المدعو گوبارو.

هاجم كورش العراق معتديا في تشرين الأول 539 ق.م حيث اصطدم بالجيش البابلي عند مدينة اوبس، وتخبرنا وثيقة الأخبار البابلية عن اضطراب الأوضاع في بلاد بابل أثناء الهجوم على اوبس: "في شهر تشرين الأول عندما هاجم كورش جيش أكد في اوبس على نهر دجلة ثار السكان في أكد، ولكن نابونائيد نزل تقتيلا بالسكان كيفما اتفق". لا نعرف حقيقة هذه الإشارة هل ان سكان أكد ثاروا على نابونائيد مستغلين هجوم كورش ؟ أم ان لكورش عملاء داخل بابل أشعلوا نار الثورة باتفاق مع كورش على ان تكون ثورتهم متزامنة مع هجوم الأخير على البلاد ؟ غير ان الوثيقة تؤكد ان نابونائيد قمع الثورة. كان الجيش البابلي يقوده بيل–شار–اوصور الذي خرج إلى اوبس وفي معركة بين الطرفين حقوق كورش أول انتصار على القوات البابلية، ويخبرنا المؤرخ البابلي بيروسوس(برحوشا) ان الجيش البابلي قد تقابل في شهر أب من عام 539 ق.م مع الجيش الاخميني عند مدينة اوبس الواقعة على نهر دجلة وقتل خلال المعركة بيل–شار–اوصور.

عهد كورش إلى گوبارو قيادة الجيش الفارسي المتجه إلى سيبار، والتي كان بها نابونائيد كما يتضح من وثيقة الأخبار: "في اليوم الرابع عشر احتلت سيبار من دون قتال وفر نبونائيد"، وهكذا سقطت سيبار في 14تشرين الأول 539 ق.م، وربما كان نابونائيد قد فكر بالانسحاب والتحصن في بابل عندما رأى عدم قدرته على مقاومة العدو في سيبار، وان سقوط سيبار كان مهما لما لها من أهمية كبيرة لكونها خط الدفاع عن بابل. تقدمت الجيوش الفارسية نحو بابل وتذكر وثيقة الأخبار البابلية انه: "في اليوم السادس عشر دخل گوبارو حاكم گوتيوم( Gutium) وجيش كورش إلى بابل من دون قتال". وبأي حال سقطت بابل بعد يومين من سقوط مدينة سيبار، إلا ان ذلك يثير التساؤلات فالمسافة بين المدينتين حوالي90كم وقطع هذه المسافة في تلك العصور يتطلب أكثر من يومين فكيف يكون الفرق بين الاحتلال سيبار وبابل يومان فقط ؟ فمن المعقول الافتراض بان الجيش المعادي المتقدم لابد وان حصل على معونة ودعم من عناصر محلية، ومنهم يهود الأسر البابلي فمدينة بابل حصينة وليس من السهل على أي عدو دخولها.

لم يكن نابونائيد يعرف ان بابل قد سقطت فبعد انسحابه من سيبار عاد إلى بابل، وتذكر وثيقة الأخبار: "وعندما عاد نابونائيد إلى بابل، بعد الحرب تم اعتقاله فيها". على أي حال لم يكن كورش هو الذي دخل بابل إنما گوبارو كما ذكرنا، أما نابونائيد فيذكر بيروسوس ان نابونائيد قد نفي إلى كرمان . أما كورش فلم يدخل بابل مباشرة وإنما دخلها في يوم 13تشرين الثاني539 ق.م، كما يرد في وثيقة الأخبار.

 

كانت آخر العمليات العسكرية لكورش هو حملته على قبائل الاسكثيين ثم توجه بعد ذلك لقتال قبائل الساكا البربرية عبر نهري سيحون وجيحون وفي أواخر سنة 530 فشل كورش في إحدى معاركه ضد القبائل المذكورة ولقي حتفه هناك ويعتقد أن خسر في هذه المعركة (200,000) مقاتل. وهو رقم مبالغ فيه كثيرا.