مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية



الله في المسيحية

د. اسامة عدنان يحيى

منذ بدايات الكنيسة الرسمية عرف المسيحيون الاله تحت ثلاث صور هي:

1.الاب وهو خالق وقاض والذي ظهر في العهد القديم.

2.يسوع وهو السيد المسيح المبعوث.

3.روح القدس الذي كان له القدرة على تجديد الحياة واكمال الملكوت.

 

وهكذا يظهر في المسيحية وهو يمتلك ثلاث اقانيم، وهو ما يعرف بالثالوث المقدس، وبالتالي ان ذلك لا يعني ان للمسيحيين ثلاثة الهة، بل اله واحد في ثلاثة اقانيم، وهو مبدأ لخصه القديس اوغسطين في العبارة: جوهر واحد-ثلاثة اشخاص، وقد عبر عن هذه العقيدة احسن تعبير قانون مار اثناسيوس(توفي عام 373م): "الايمان الجامع هو ان نعبد الها واحدا في ثالوث، وثالوثا في وحدانية، لا نخلط الاقانيم، ولا نفصل الجوهر. فإن للاب اقنوما على حدة، وللابن اقنوما اخر، وللروح اقنوما اخر. ولكن لاهوت الاب والابن والروح القدس كله واحد، والمجد متساو، والجلال ابدي معا...الاب اله، والابن اله، والروح القدس اله، ولكن ليسوا ثلاثة الهة بل اله واحد...الاب رب، والابن رب، والروح القدس رب، ولكن ليسوا ثلاث ارباب بل رب واحد...الدين الجامع ينهينا عن ان نقول بوجود ثلاثة الهة، أو ثلاثة ارباب"، لكن اريوس كاهن الاسكندرية طرح في اوائل القرن الرابع الميلادي تفسيرا اكثر تماسكا واكثر فلسفة لمفهوم التثليث، اذ لم يرفض اريوس التثليث، ولكنه انكر المشاركة في الجوهر للأشخاص الالهية الثلاثة، فبالنسبة له ان الاله واحد غير مخلوق، وان الابن وروح القدس خلقا فيما بعد من قبل الاب، وبالتالي هما ادنى منه. وقد عاود اريوس من جهة اخرى الاخذ بنظرية المسيح الملاك، اي المسيح المتماهي برئيس الملائكة القديس ميخائيل وهي فكرة ظهرت في روما في القرن الثاني الميلادي. الا ان افكار اريوس رفضت تماما. ومن الجدير بالذكر انه نتيجة لتأليه السيد المسيح تم تأليه مريم ام المسيح، ففي نهاية القرن الاول الميلادي كانت الكنيسة قد اعترفت بالدلالة الدينية لمريم، فأهمية مريم تنبع من امومتها، فهي ديبارا اي: "تلك التي تلد الاله"، وهي عبارة تأكدت لأول مرة في بداية القرن الثالث الميلادي؛ ولكن عندما استعمل هذا المصطلح القائلون بالطبيعة الواحدة في معنى هرطقي استبدلت كلمة ديبارا بعبارة اكثر وضوحا هي ثيوتوكوس اي ام الاله.



د. اسامة عدنان يحيى

لا يقر كل المسيحيين بأن المسيح ابن الله ، اذ اعتقد احد الغنوصيين ويدعى سيرانث(Cerinthe) ان يسوع هو ابن يوسف ومريم؛ وبتعميده، نزل عليه المسيح بشكل حمامة، وكُشف له الاب المجهول، ثم انه قبل الالام عاود الصعود لقرب الاله الاب. وحوالي عام 120م اعلن غنوصي اخر ويدعى كاربوكرات مذهبا مشابها، اذ يعتقد ان يسوع هو ابن يوسف، ولكن قوة قد قدسته، والذي يتلقى قوة يصبح مساويا ليسوع، وهو مؤهل لإكمال ذات المعجزات. وهذا يفسر لنا اشارة وردت في احدى الكتب غير القانونية(ابوكريفا) على لسان السيد المسيح: "ينبغي ان اموت حسب الجسد". الا ان التصورات المسيحية المبكرة لا تقف عند هذا الحد، بل تأخذ ابعاد اكثر عمقا، فحسب احد الغنوصيين وهو فالانتينوس المتوفي في الاسكندرية عام 161م، لم يكن المسيح ابنا لله، أو ابنا ليوسف. اعتقد فالانتينوس الكون مكون من 30 ايون( 15 زوج من الايونات) وهي: الزوج الاول مكون من الاب والصمت(وردت عند البعض الاب والفكرة اي اينويا/Ennoia) وان الاب وهو مبدأ مطلق، وغير مرئي، ولا يمكن فهمه، كان بصحبة الصمت(Sighê)، وقد ولّد الزوج المتمثل (بالروح والحقيقة)، والذي يخرج منه الزوج (كلمة الله والحياة)، واللذان ينتجان بدورهما (الانسان والكنيسة)، ثم انبثق من كلمة الله والحياة 10 ايونات، ومن الانسان والكنيسة 12 ايون، الذين بمجموعهم يشكلون سوية البليروم(Pleirome). ولكن في الدرجة الاخيرة من الـ 12 ايون هناك الايون المؤنث صوفيا(Sophia) اي الحكمة، وهي روح فضولية، تعميها رغبتها لمعرفة الاب، وتريد من اجل تقليده ان تتناسل، ولا تنجح الا في توليد المادة عديمة الشكل، ونتيجة عملها هذا تثير ازمة على اثرها يظهر الشر، وتظهر الالام، وان صوفيا والخلائق الضالة المترسبة من البليروم تنتج الحكمة الدنيا. وبناء على رجاء ايونات البليروم، يغفر الاب للحكمة صوفيا، ويجيز للروح والحقيقة انتاج زوج جديد، هو المسيح والروح القدس، وهكذا يسود السلام مجددا في البليروم، واخيرا يتحد كل السكان ليلدوا الايون يسوع، الذي يمر عبر العذراء، كما يمر الماء في الانبوب، ويجيء لأجل اعادة ارساء النظام الكوني. وعندما بنزل المنقذ(يسوع) في الاقاليم الدنيا، يؤلف المادة غير المرئية التي تشكل مع العناصر المادية الاتية من الحكمة الدنيا، ومع العناصر النفسية، الخالق اي اله العهد القديم. وهذا الاخير يجهل وجود عالم اعلى ويعد نفسه الاله الوحيد، لذا يقوم بخلق العالم المادي، ثم يقوم الخالق بخلق صنفين من البشر عن طريق احيائهما من نفخته هما: الماديين، والنفسيين، ولكن العناصر الروحية الاتية من الصوفيا العليا، تدخل بلا علمه في نفخة الخالق، وتُوّلد طبقات الانسام الغازية، وهكذا يُقّسم فالانتينوس الناس الى غازيين(روحانيين)، وهم المسيحيون، والى نفسيين وهم اليهود، وماديين، والاولون يخلصهم العرفان، والثاني فعل الخير، ولكن المجموعة الثالثة يعودون الى التراب الذي اتوا منه. وبهدف انقاذ اتباعه الروحيين الاسرى في المادة نزل المسيح على الارض، وبدون ان يتجسد، كشف عن المعرفة المحررة(العرفان)، وهكذا فإن الانسام الغازية المتيقظة بالعرفان هي وحدها فقط تعاود الصعود نحو الاب.