مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

تصنيف: تاريخ وحضارات



نابونائيد في تيماء...

د. اسامة عدنان يحيى

تقع تيماء (Tema )تقع في وسط سهل خصب ذات مناخ صحي، وعندها تلتقي الطرق التجارية القادمة من مأرب، ومعين، ونجران، ويثرب، وديدان، والحجر (مدائن صالح)، ومنها يذهب فرع للعراق من تيماء نفسها، والثاني إلى بطرا عاصمة الأنباط، ثم الطريق القادم من الجرعاء(جرها) على الخليج العربي ماراً بالإحساء، فالهفوف، ثم بريدة الحالية، فالأهمية الاقتصادية لهذه المدينة لابد وان كانت سببا هاما في ذهاب نابونائيد إلى تيماء، إذ كان الهدف الأساس لنابونائيد هو يعمل جاهدا على تامين طريق تجارة التوابل الممتد من اليمن إلى مصر، وفلسطين، مارا بشبه الجزيرة العربية. فضلا عن ذلك فان خلاف نابونائيد مع الكهنة في بابل واتهامهم له بأنه فضل عبادة الإله سين على عبادة مردوك الإله القومي للبلاد عاملا لذهابه إلى تيماء. كما ان تيماء من جانب أخر كانت مركزا من مراكز عبادة الإله القمر، وربما أدرك نابونائيد ان الإله القمر (التائيري) الذي يعبده العرب في تيماء وقتذاك هو وجه أخر من أوجه الإلهالملك نابونائيد سين البابلي، وربما يكون هذا الوجه للإله القمر هو الذي أشار إليه الناسخ في أخبار نابونائيد الشعرية. واعتقد البعض ان نابونائيد ربما فكر في الحصول على مساعدات العرب في المناطق العربية التي مر بها مثل: تيماء، وفدك (الحائط)، وخيبر، لمواجهة خطر كورش الفارسي المتزايد. في حين اعتقد آخر ان نابونائيد أراد يجعل من الإله سين قاسما مشتركا ليوحد بين القبائل الآرامية الساكنة في حران، وبين القبائل العربية الساكنة في شبه الجزيرة العربية. ونقرأ في إحدى الوثائق بان الملك نابونائيد توجه عام 549 ق. م إلى سوريا وجمع جيشه في ارض خاتي(سوريا) ،ودخل الصحراء العربية ليحاصر ادوممو (Adummu)(الجوف)على بعد 280 ميلا شرق العقبة، وقد وصل إلى واحة تيماء حيث وقتل ملكها، واتخذها عاصمة لمدة عشر سنوات. ونقرأ في نص يخص رحلة نابونائيد إلى تيماء: "اصطحب معه فصائل قوات أكد، تحول إلى منطقة تيماء في عمق الغرب، سالكا بحملته طريقا مؤديا إلى إقليم بعيد. وعندما وصل إلى هناك قتل أمير تيماء في المعركة، وقتل الناس الساكنين في الحي، وفي أنحاء البلدة، وهو نفسه أقام في تيماء، اذ بقيت قوات جيش أكد، جعل المدينة جميلة وبنى قصره هناك، بنى الجدران كذلك على غرار مقره شو-اننا(Šu-anna)(اسم اخر لبابل)".والحقيقة ان تيماء كانت تمثل العاصمة الحقيقة للإمبراطورية البابلية لأنها كانت مقرا لنابونائيد طوال العشر سنوات التي سبقت احتلال بابل على يد الاخمينيين. وتشير وثيقة بابلية ان نابونائيد كان خلال سنوات (7-9-10-11) في تيماء، وكان ابنه بيل –شار –اوصور (Bel-Šar-Uṣur) في بابل، وان الرسائل المتعددة، والوثائق الاقتصادية العائدة لهذه الفترة في بابل والمنسوبة إلى ولي العهد تؤكد انه رئيس السلطات العليا. كانت لتحركات الملك البابلي أثرها المهم داخل بابل، إذ تعلق وثيقة الإخبار البابلية الخاصة بنابونائيد على الأحداث، ففي السنة السابعة نذكر الوثيقة: "الملك بقي في تيماء (Tema)،بقي ولي العهد ومواطنوه وجيشه في أكد، لم يأت الملك إلى بابل من اجل احتفالات شهر نيسان ،لم يذهب بحضر الإله نابو إلى بابل ،ولم يخرج الإله بيل من معبد ايساگيلا ، والغي مهرجان السنة الجديدة".

 



د. اسامة عدنان يحيى.

يمكن إطلاق تسمية المستوطنون الأوائل على أولئك المجموعة من البشر الذي استوطنوا إيران من أقدم الفترات في تاريخها منذ العصر الحجري القديم، إذ عاش إنسان هذا العصر في الملاجئ الجبلية في إيران،وكان إنسان همجياً أعتمد في حياته على جمع القوت عن طريق التقاط الجذور والنباتات البرية. وقد عثر لإنسان هذا العصر على بقايا في كهف تنگي بابدا في جبال بختياري إلى الشمال الشرقي من شوشتر، ويعود عمر الإنسان الذي عاش في هذا العصر إلى  نحو (100,000) سنة مضت. كما عثر على بقايا إنسان العصر الحجري القديم في كهف بهستون، وكهف تامتاما، (قرب بحيرة أورميا)، وكهف كاماربند (كهف بيليت) المشرف على بحر قزوين. كانت معظم أدوات هذا الإنسان تخص الصيد ومصنوعة من أحجار الصوان والعظام. وقد شهد الشرق الأدنى القديم في حدود الألف الثامن قبل الميلاد،التحول الاقتصادي الخطير في العالم القديم، إلا وهو اكتشاف الزراعة، وتدجين الحيوان، وقد عرف هذا التحول باسم العصر الحجري الحديث، ويحدد الأستاذ ساكز إن هذا الانقلاب حدث في المنطقة الواقعة من فلسطين حتى سلسلة جبال زاكروس. وقد أبانت التحريات الاثارية الشيء الكثير عن بقايا هذا الإنسان في عدة مواقع منها تبة سيالك، كذلك في مواقع باكون، وتبة هزار، وتبة كيان. وخلال الألف الربع قبل الميلاد ازدهرت مواقع مهمة تعود للعصر الحجري المعدني، ولاسيما في سوسة ومن أبرز ميزات هذا العصر التأثيرات الواضحة العراقية على إيران فــي عصــر العبيــد،وعصر الوركاء،وعصر جمدة نصر وأصبح زحم الحضارة العراقية واضحاً.

المصادر:

R. Ghirshman,Iran,(London,1954).

-طه باقر،مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة،(بغداد،1956).

-طه باقر واخرون،تاريخ ايران القديم،(بغداد،1980).

-سامي سعيد الاحمد وجمال رشيد احمد،تاريخ الشرق القديم،(بغداد،1988).

-سامي سعيد الاحمد ورضا جواد الهاشمي،(بغداد،1981).

-هاري ساكز،عظمة بابل،ترجمة:عامر سليمان،(الموصل،1979).

-هنري فرانكفورت،فجر الحضارة في الشرق الادنى القديم،ترجمة: ميخائي خوري،(بيروت،بلا.ت).

-تقي الدباغ ووليد الجادر،عصور ما قبل التاريخ،(بغداد،1983).

 



د. اسامة عدنان يحيى

                لقد برز المعبد خلال العصر البابلي المتأخر(627-539 قبل الميلاد)،كمؤسسة اقتصادية كبيرة لها أثرها الفاعل في المجتمع، يمتلك المقاطعات الزراعية الضخمة ويمارس تجارة واسعة. إذ لم تقتصر أهمية المعبد في العهد البابلي الحديث على الأمور الدينية، بل شملت كذلك الأمور الاقتصادية للمجتمع البابلي. وقد ازدهرت المعابد في هذه الفترة وازداد ثرائها، حيث تمكن الكهنة من توحيد أنفسهم اجتماعيا واقتصاديا، ليكونوا شريحة تكاد تكون مستقلة عن الحكومة المركزية. لقد كانت سلطة الملك المركزية في العهد البابلي الحديث اقل بكثير من سلطة المعبد، وان تاريخ بلاد بابل خلال السنوات التي أعقبت القرن السابع كان في بعض أوجهه صراعا للاستحواذ على السلطة بين السلالة الحاكمة ومؤسسات المعبد انتهى أخيرا بانتصار مؤسسات المعبد.

تشير الوثائق الاقتصادية الكثيرة التي وجدت في معابد هذا العصر مثل منطقة المعابد في اوروك إلى ازدياد أملاك المعبد، واتساع نشاطه التجاري في داخل البلاد وخارجها، وأصبح معبد اي-أننا(É-anna)مركزا اقتصاديا واجتماعيا مستقلا عن الحكومة تقريبا. إذ ترينا أرشيفات المعبد انه كان يستحوذ على قطاعات كبيرة تؤجر بعضها للمزا عيين، ويتولى رجاله الإشراف على بقيتها، وغدا كأنه يمتلك معظم أراضي بابل، إذ امتدت أملاكه من مدينة أور في الجنوب حتى مشارف مدينة بابل في الشمال.

لقد كان المعبد يستحوذ على أراضي واسعة عن طريق الشراء، أو مصادرتها تسوية لالتزامات مالية، أو كهدايا خاصة، أو منح ملكية، وقد استحوذ المعبد على مزيد من الأملاك عن طريق تنازل بعض مالكي الأراضي عن أراضيهم مقابل حصولهم على الحماية والأمن، وإعفائهم من بعض الالتزامات. وكان يقف على رأس الجهاز الإداري للمعبد ثلاثة إداريين هم: الشتاممو(Šatammu)،(وهو لقب لعله يعني حارس المنطقة) والـ(Qipu)(الناظر) والكاتب(țabšaru).وان جميع النشاطات المتنوعة التي كانت الشتاممو ورفاقه مسئولين عنها يمكن إيجازها بأنها شملت: تأجير الأراضي، ومقاطعات المعبد الواسعة، وتحديد الحقوق والواجبات ذات العلاقة بالقنوات، والإشراف العام على تخمين وجمع ونقل واستخدام وتوزيع إنتاج الأراضي والقنوات، وحفظ السجلات والحسابات المتعلقة بذلك. فضلا عن تنظيم علاقات الموظفين والمستخدمين والأشراف على النشاطات التي لها علاقة بالعبادة. لقد كانت البضائع التي تنتج في مقاطعات المعبد تجلب أولا إلى المستودعات في اوروك، ومهما كانت وجهتها النهائية. وكانت شبكة القنوات قد جعلت من النقل أمرا سهلا لأي صنف من أصناف البضائع، وهناك رسالة تعطي تعليمات لإرسال شحنة من الأغنام حيث يأمر الكاتب ولعله شتاممو معبد اي –أننا: "إذا كانت الأرض ملائمة دعمهم يأتون على الأقدام، وألا فدعهم يأتون بالسفينة". وربما كانت السفن المستخدمة لذلك ضمن ممتلكات المعبد في معظم الحالات، ولو إنها كانت تستأجر بالتأكيد من أصحاب السفن أحيانا. لقد أصبح رجال الدين مزارعين، وأصحاب مشاغل وصيارفة على نطاق واسع كما اصحبوا كتاب عقود، يوقعون ويشهدون على صحة العقود المبرمة، ويكتبون الوصايا، ويستمعون إلى الدعاوى القانونية، ويصدرون الأحكام عليها، ويترأسون المرافعات، ويحتفظون بالسجلات الرسمية، ويسجلون الصفقات التجارية العامة والخاصة، وهناك نص من مدينة نفر(Nibru) يصور مدى الثراء الكبير الذي بلغته المعابد،ولو انه يعود لبداية العصر البابلي المتأخر (تاريخ النص في حدود 630 ق.م)،وهو عبارة عن قرض من المعبد مقداره (30) طالنت من الفضة(909كغم) وهو مبلغ كبير جدا .لقد قام المعبد باستئجار العمال، والعبيد، وحرث الحقول، وحصد وكري الأنهار، وحفرها في الأراضي الزراعية العائدة له، كما كان للمعبد ضريبة يفرضها تعرف بالكارو (Karu) تعطى مقابل مرور السفن عبر القنوات التابعة له، كما كان للمعبد، كما يبدو امتيازا خاصا لعبور القنوات الملكية، وكان بإمكان الشتاممو تزويد السفينة بإشارة تدعى خوتارو (ḫutaru) التي لا نعرف طبيعتها بالضبط،تحصل السفينة بموجبها حق العبور الحر دون رسوم كما يتبين من الرسالة التالية: "رسالة اديننا،(Iddina)، وشمش-اريبا(Šamaš-eriba) إلى الشتاممو ، سيدنا إننا نصلي يوميا إلى بيل(Bel)، ونابو(Nabu) وسيدة أوروك(Belit uruk) ونانا(Nana) من اجل حياة ونفس وسعادة وطول أيام سيدنا لقد جلبنا(200) كور من التمر من القنال المسمى نان-ابلي، وقد أوقفنا من قبل سيد الميناء من بيت-كيسر لتأتي رسالة خطية من سيدي إلى نونا (Nuna) سيد الميناء ليسمح لنا بعبور الميناء …انه  يتحقق علينا كل يوم نصف شاقل أجرة السفينة، وشاقل من الفضة أجرة الرجال المؤجرين ليعرف سيدنا إننا حجزنا في الميناء منذ العشرين على أن يأتي مع رسالة سيدي خوتارو وتبقى على السفينة".

كان معبد اي-أننا مركزا تجاريا نشطا، وكان جزء كبيرا من البضائع التي تجمع هناك وتذهب ثانية إلى أجزاء أخرى من بلاد بابل، وحتى إلى خارج البلاد، وهناك بعض الرسائل توفر عدد من الإشارات إلى التجارة حيث كانت تستبدل منتجات ومقاطعات المعبد بصورة رئيسة ببضائع تجارية كالفخار والشب والسمسم والمعادن والخشب والقماش. وكانت الموارد المالية للمعبد تشمل غلة الأرض وأرباح التجارة، وريع الحقول والبيوت، والضرائب الدينية المفروضة على المواطنين إضافة إلى قسم من النذور والقرابين، التي كان تقديمها مسالة طواعية من الناحية النظرية وان كانت إلزامية عمليا.

 

لقد أدت الاحتكارات المعبدية للاقتصاد إلى تضاؤل واردات الملك وحكومته إلى درجة لا تتماشى مع متطلبات الدولة على الإنفاق على المشاريع، وعلى رأسها نفقات الجيش الذي أصبح منذ عهد نبوخذنصر الثاني(605-562 قبل الميلاد) جيشا نظاميا قائما يتطلب الإنفاق لأعالته وتجهيزه فلم تسد الثروة الزراعية تلك الحاجة بالنظر إلى مزاحمة المعبد في امتلاك الأراضي الزراعية الواسعة، ولهذا فقد أدت الاحتكارات المعبدية للشؤون الاقتصادية إلى أزمة حادة في البلاد. 



د. اسامة عدنان يحيى

قمبيز هو الابن الأكبر لكورش الكبير، أشركه أبوه في الحكم خلال السنوات الثمان الأخيرة من حكمه، وقد منحه أبوه لقب ملك بابل. وكان لكورش ابن ثان يدعى بارديا أوكل إليه أبوه حكم الأٌقاليم الشرقية مـن الإمبراطورية وهي: خوارزم، وباكتريا، وباريثا، وكرمانيا. وكان قمبيز حسب ما تذكره المصادر غريب الأطوار قاسياً، وبعد وفاة كورش تولى قمبيز العرش(529-522 قبل الميلاد)، فبدأت الاضطرابات الناشئة عن المؤامرات التي يرجح اشتراك بارديا فيها فاتهمه أخوه بأنه يسعى لقتله ودبر أمر اغتياله.

                كان أول عمل عسكري يقوم به قمبيز هو التحرك باتجاه مصر، والواقع أن فكرة غزو مصر كانت من تنظيم كورش الكبير الذي كان قد أعد العدة لفتح مصر غير انه توفي قبل انجاز عمله العسكري، وكان قد أوكل مهمة تهيئة الحملة إلى ابنه قمبيز أثناء حياته.

                لقد كان هناك فارق كبير في الوضع السياسي في مصر بحلول عام 525 ق.م، إذ أن مصر لم تعد في الواقع قادرة على التصدي للفرس الأخمينيين، ونحن نعرف أن مصر كانت من ضمن حلفاء كروسوس سابقاً مما يعني أنها كانت تشعر بوجود الخطر الفارسي منذ فترة سابقة للغزو الاخميني. لقد كان فراعنة الأسرة السادسة والعشرين قد اعتمدوا في قوتهم العسكرية على المرتزقة الإغريق، وكانت مشكلة الإغريق في مصر عويصة، ويبدو أن تأزم الموقف في مصر يعود إلى تزايد نفوذ الدخلاء الاجانب في مصر وما كان من الفرعون أحمس الثاني (570-526 ق.م) إلا أن يحاول حل المشكلة، غير ان أحمس الثاني لم يرد أن يخسر صداقة العالم الإغريقي، كما لم يرغب أن يستفز شعور المصريين المعادي للإغريق، لكن ان ما أن كان الخطر يزداد على مصر من جانب الفرس حتى أخذ أحمس يعتمد تدريجياً أكثر فأكثر على الإغريق المرتزقة، فقد قام بتجنيد أعدادا كبيرة من الجند المرتزقة الإغريق تحسباً للخطر كما ضمن ولاء قبرص. أما قمبيز ملك فارس فقد عمل جاهداً لإعداد العدة لتجريد أحمس الثاني من حلفائه، فقد تمكن من محالفة بوليكراتيس حاكم ساموس الحليف السابق لأحمس الثاني، كما تحالف مع ملوك فينيقيا الذين زودوه قمبيز بعدة سفن فينيقية. فضلاً عن ذلك أن قمبيز قد حصل على مساعدة بدو خليج السويس، وهكذا وجد قمبيز لنفسه قاعدة قوية يتمكن بها من الهجوم على الأراضي المصرية، والتصريح لليهود ببناء معبد أورشليم، كما أن الفرس اكتسبوا إلى جانبهم عواطف الجنود المرتزقة اليهود الذين كانوا في خدمة الفرعون المصري. فضلاً عن ذلك أن الخيانة ساعدت كثيراً الفرس في احتلال مصر، إذ هرب أحد قادة أحمس الثاني من الاغريق ويدعى فانيس وهو من مدينة هاليكارناسوس، وانضم إلى معسكر قمبيز، وأطلعه على الأسرار العسكرية للجيش المصري.

تحرك الجيش الاخميني باتجاه مصر إلى الحدود المصرية ماراً بفلسطين، وأرسى أسطوله في ميناء عكا، وفي هذه الأثناء توفي أحمس الثاني، وتولى ابنه بسماتيك الثالث العرش، وكان الجيش الاخميني قد وصل إلى الحدود المصرية، وقد اتخذ من مدينة غزة قاعدة انطلاق باتجاه مصر. وعند بلوغه مدينة بلوزيوم (الفرما) اندحر الجيش المصري، وسقطت المدينة، وأعقبها اقتحام عين شمس ثم منف عام 525 ق.م. ويخبرنا نص مصري موجود حالياً في الفاتيكان عن دخول قمبيز لمصر: "أتى إلى مصر الملك العظيم لكل البلاد الأجنبية قمبيز على حين كان معه غرباء البلاد الأجنبية كلها، عندما استولى على هذه الأرض جميعها أستوطنها هؤلاء الغرباء". أما بسماتيك الثالث فقد عفا عنه قمبيز غير أن الفرعون السابق حاول إثارة المصريين ضد الفرس، فاشتط قمبيز في معاملته حتى أدى به إلى الانتحار.

 

 



د. اسامة عدنان يحيى

  كان كورش ابن قمبيز الأول ومندانا بنت استياگز اخر ملوك الميديين، والمعروف أن كورش، أثناء حياة أبيه قمبيز الأول كان في العاصمة أكبتانا التي بقي بها مدة من الزمن، واشترك في بعض العمليات العسكرية هناك. وفي عام 559 ق.م تولى عرش فارس، وكان تابعاً لجده استياگز، وقد اتخذ لنفسه عدة ألقاب منها: "الملك الاخميني العظيم ملك بارسوماش وانشان". قد ظل كورش خلال السنوات الثمان الأولى من حكمه تابعاً للحكم الميدي، إلا أنه كان يطمح بالاستقلال بنفسه عن الملك استياكز. لقد استغل كورش مركزه فأخذ يقوي نفسه وأسس عاصمة جديدة هي بزرگادة، وأخذ يدبر أمر انفصاله واستقلاله عن الميديين. وكان يحكم في بلاد بابل الملك نابونائيد(556-539 قل الميلاد) الذي أعد الخطط للاستيلاء على بعض الأقاليم التابعة إلى مملكة ميديا، ولاسيما حران، فقد كان الحلم الأثير الذي يراود مخيلة نابونائيد هو إعادة بناء معبد الإله سين في حران، وكانت حران قد وقعت بيد الميديين منذ عام 610 ق.م، ولما كان لا قبل لنابونائيد منفرداً بمقارعة الميديين الأقوياء، لذلك فقد التفت صوب الفرس وتحالف معهم، ويبدو أن مفاوضات سرية بين نابونائيد وكورش قد دارت ليكونا حليفين وإن الحلف كان موجهاً ضد استياگز. ويبدو أن التحالف الذي أقيم بين الملك البابلي وكورش قد تسربت أخباره للملك الميدي لذلك استدعى استياكز تابعه كورش إلى العاصمة أكبتانا غير أن كورش رفض الامتثال للأمر لهذا لم يكن أمام الملك الميدي إلا إعلان الحرب على كورش.

كان قائد الجيش الميدي هو هرباخوس، إلا أنه خان سيده وانظم إلى جانب كورش.  ونتيجة لذلك جهز استياگز حملة ثانية قادها بنفسه وتوجه لحرب كورش، وفي نفس الوقت كان الأخير قد سار إلى أكبتانا لانتزاعها من استياگز، ويبدو أن معركة عنيفة وقعت بين الطرفين انتهت بهزيمة استياگز ووقوعه في أسر كورش. وتنقل لنا المصادر المسمارية معلومات جيدة عن ما حدث في إيران. فيذكر نابونائيد في مدوناته بأن الإله مردوك قد ظهر له في المنام وأنه أوعز إليه ببناء معبد أي-خول-خول في حران فلما اعترض الملك قائلاً أن حران واقعة في قبضة الأومان-ماندا(الميديين)،أجابه مردوك قائلاً: "إن الأومان-ماندا الذين تتحدث عنهم هم وبلدهم والملوك في صفهم لن يبقوا في الوجود، ففي السنة الثالثة القادمة سأجعل خادمهم الشاب كورش ملك أنشان يفرق بجيوشه القليلة الأومان-ماندا ويطردهم. فقام كورش بأسر أشتوميگو (استياگز) ملك الأومان-ماندا وأخذه مكبلاًَ إلى بلده". وتذكر وثيقة الأخبار البابلية معلومات أخرى عن الأحداث السنة السادسة:"...استدعىوقد سار أشتوميكو باتجاه كورش ملك أنشان إلا أن الجيش الأول قد تمرد ضده وسلموا الملك الميدي أسيراً لكورش، واحتل الأخير مدينة أگامتانو، واستولى على مقر إقامة الملك. استولى [أي كورش] على الذهب والفضة والأشياء الثمينة العائدة لأگامتانو كغنائم وجلبها إلى أنشان". وبذلك تمكن كورش من القضاء على المملكة الميدية معلنا قيام الدولة الاخمينية عام 550ق.م.

بعد انهيار الدولة الميدية أصبحت بلاد إيران تحت حكم كورش، وتم توحيد الشعبين الميدي والفارسي تحت زعامته، وأخذ كورش الآن يخطط للاستيلاء على الأراضي المحيطة به ولهذا ستتوزع جهوده في ثلاث جهات رئيسية:

الأولى: باتجاه آسيا الصغرى.

الثانية: نحو الأقاليم الشرقية لإيران.

الثالثة: بابل والأقاليم الغربية.

تعد دولة ليديا أقوى دولة أيونية في أسيا الصغرى وكانت هذه الدولة في توسعها قد اصطدمت بجبهتين الأولى: مع الدولة الميدية إلا أن الأمر سوى بين الدولتين بموجب اتفاقية عام 585 ق.م. أما الجبهة الثانية: كانت المدن اليونانية في آسيا التي أخضعت جميعاً إلى دولة ليديا باستثناء مليتوس (ملطية). وفي نفس الوقت كانت تربط مصر علاقات تحالف وطيدة مع دولة ليديا وربما كان ملك ليديا قد ساعد بسماتيك الأول بجنود من الأيونيين والكاريين للعمل في جيشه . إن ارتباط العرشين الميدي والليدي بتحالف دفع كورش إلى إيجاد تحالف بديل ويمكن تسميته التحالف الجنوبي(الفارسي-البابلي) مقابل التحالف الأول الشمالي. وكان العرشين الميدي والليدي أيضاً مرتبطان بمصاهرة سياسية نتيجة زواج أخت كروسوس ملك ليديا من استياگز. وقبل أن يبدأ الأول بسياسته العدائية تجاه كورش حاول أولاً التأكد من أهداف كورش فأرسل إليه طلباً بإطلاق سراح استياكز إلا أن كورش رفض طلبه. في حين كان كورش يعمل على تضييق الخناق على دولة ليديا فقد تمكن من إخضاع مدينة قبرص قبل عام واحد من تحركه باتجاه الدولة الليدية.

أرسل كروسوس سنة 548 ق.م الرسل لاستشارة الأرباب في المعابد اليونان وليديا بشأن حربه لكورش، ثم استشار كروسوس كاهنة معبد دلفي غير أن الجواب الذي قدمه وحي دلفي كان غامضا: "إذا عبر كروسوس نهر الهاليس فإنه سيدمر إمبراطورية عظيمة، قوية". حاول كروسوس كخطوة أساسية لمحاربة كورش إقامة حلف واسع النطاق ليشمل إلى جانب ليديا كل من: إسبارطة ومصر وبابل للحصول على مساعدتهم. غير أننا لا يمكن أن نعرف هل كان بالإمكان الحلف الصمود بوجه كورش؟. ومع هذا فإن الأحداث ستثبت أن أي من أعضاء الحلف لم يساعدوا كروسوس، وفي نفس الوقت كانت المدن الأيونية قد رفضت التمرد على ليديا.

تقدم كورش من العاصمة أكبتانا باتجاه الهاليس، وبعث رسلاً إلى المدن الأيونية في غرب آسيا الصغرى حثهم بها على الثورة ضد كروسوس، فرفضت ندائه، وقد عبر كروسوس حدود دولته ربما قرب سهل بافرة على نهر الهاليس، والتقى الطرفان في معركة عنيفة، وقد تمكن كروسوس وكان جندياً متمرساً بالحرب أن يصمد في الحملة الأولى، ولكنه عندما انسحب ليستريح ويريح جنده أثناء فصل الشتاء لم يمهله كورش وسار ورائه متحدياً برد الشتاء في الأناضول، وكان على كروسوس أن يحارب أمام عاصمة دولته سارديس دون أن يكون حلفائه معه وقد انهزم حملة الرماح الفرسان والرماحون الليديون المشهورين عندما أجفلت خيولهم وتراجعت لدى رؤيتها جمال الحمل التي كانت تتقدم صفوف الجيش الفارسي وشمها رائحتها التي لم تألفها من قبل. وخلال أسبوعين من المعارك سقطت قلعة سارديس نفسها التي لا تقهر بأيدي الفرس الذين اقتحموا القلعة متسلقين صخورها. وكان سقوط ليديا هذه الإمبراطورية العظيمة القوية سقوطاً مرعباً لم يعرف العالم اليوناني مثيلاً له. وقد اختلفت المصادر في مصير كروسوس، فالمصادر الكلاسيكية تؤكد أن كورش قد عامل ملك ليديا كروسوس معاملة حسنة، في حين تؤكد الأخبار البابلية أن كورش قتل ملك ليديا :"توجه [كورش] في شهر أيار نحو بلدة ليديا محتلاً قتل ملكها وأخذ مواكبه وأحل محلها حاميته". وأشـــارت إحــــدى القصــص الأسطــورية اليونانية أن أبوللو حمل كروسوس إلى الجنــــة الأرضية في ارض الهيبوربوريين، فــي حين يرجح الأستاذ اندرو روبرت بـــرن أن كروسوس قد هلك في المعركة كما هلك جنده.

بعد سقوط ليديا أخذت المدن الأيونية التابعة لكروسوس تفتح أبوابها لكورش. ولم يفرض الأخير شروطاً لاستسلامها. وعقد مع مليتوس التي كانت خارج مملكة كروسوس معاهدة اعترف فيها باستقلالها ضمن نطاق دولته، وقد هاجرت بضع جماعات إلى خارج البلاد مثل غالبية أهل فوكيا الذين رحلوا إلى جزيرة كورسيرا في وقت أعلنت مدن أخرى رفضها لسيطرته، وبمثل هذا الانقسام واجهت أيونيا الغزو الفارسي. وقد ترك كورش إدارة الأمور في آسيا الصغرى إلى قادته وعلى رأسهم هرباخوس الذي أكمل إخضاع البلاد وفرض على المدن اليونانية الجزية تاركاً لهم حرية التجارة. وقد قسمت آسيا الصغرى إلى ست مقاطعات أدار اثنان منها وهي أيونيا وليديا بيد حاكم فارسي واحد مركزه مدينة سارديس، ثم مقاطعة فيريجيا التي شملت المدن الأيونية في منطقة بحر مرمرة أيضاً قد صارت في يد حاكم آخر مركزه داسكيليون ولم يتدخل هؤلاء الحكام في شؤون المدن التي كانت تدير شؤونها الداخلية بنفسها وعلى رأس كل حكومة منها حكاماً منهم، من جانب آخر أن سقوط المدن اليونانية في آسيا بيد الإمبراطورية الفارسية أدى إلى تقدم الفرس نحو جزر بحر ايجة بجوار الدول اليونانية وبذلك اصطدم العالم الإغريقي بامتداد النفوذ الفارسي. وأن أول احتكاك بين مدن اليونان وبين الإمبراطورية الفارسية كانت عندما أرسلت مدينة إسبارطة رسالة سلمية إلى كورش طلبت منه أن يرفع يده عن اليونانيين، وسأل كورش هنا: "من هم الإسبارطيون ؟.." وقد اقترح المفكر الإغريقي طاليس فــــي مؤتـــمر حضره مندوبو المدن الأيونية أن تؤلف هذه المدن دولة اتحادية (فدرالية) ولكنه كان في هذا سابقاً لعصره.

بعد أن تخلص كورش من مشكلة دولة ليديا والمدن الأيونية نقل ثقل عملياته العسكرية شرقاً فقد سار بمحاذاة بحر قزوين (مقاطعة هركانيا) ثم بارثافا أو بارثيا (خراسان)، وعبر إلى بلاد ما وراء النهر (المنطقة المحصورة بين سيحون وجيحون)،وسيطر على مركز المنطقة (مدينة سمرقند) وجعل من نهر سيحون الحدود الشمالية لإمبراطورتيه وبنى عدد من التحصينات العسكرية على الضفة الجنوبية للنهر لحماية هذه الحدود من هجمات الطورانيين الذين كانوا يتمركزون في أواسط آسيا.

قبل أن يتجه كورش إلى بابل قام (حسب اعتقاد البعض) بمهاجمة أرض البحر فقد أخبرنا برحوشا بأن كورش أخضع بقية آسيا قبل التوجه نحو بابل، وهو أمر عده الأستاذسامي سعيد  الأحمد دليلاً على مهاجمة كورش لأرض البحر، خاصة وان زينفون في كتابه (Cyropaedia) ذكر أن كورش قد أخضع الفيريجيين، والكبدوكيين والعرب، وربما جعل زينفون أرض البحر ضمن بلاد العرب، ولكن هذا الغزو الفارسي الذي نقرأ عنه إشارات قليلة ليس لدينا تفاصيل حوله في الوقت الحاضر، إلا أن أرض البحر كانت جزءاً من الإمبراطورية الاخمينية، وأن مدينة شالامو(Šalamu) في بلاد العرب كانت ضمن الإمبراطورية الاخمينية في السنة الثامنة من حكم كورش. في حين يعتقد الأستاذ جواد علي أن ورود لفظة (Arabiai) بعد (Kappadokia) دليلاً على إن المراد بها (بلاد الجزيرة) أي (Mesopotamia) أو جزء منها ويظهر من موضع آخر أن العربية هي المنطقة الواقعة شرق (Araxes) أي الخابور. ويمكن ترجيح رأي الأستاذ جواد علي لاسيما وأن تتابع ذكر الفيريجيين ثم الكبدوكيين والعرب يرجح هذا الرأي ومما يؤيد ذلك أن زينفون نفسه يصف الجزيرة الفراتية أثناء تحركه فيها ويقول عنها (العربية) (Arabia). غير أن ذلك لا ينفي مطلقاً أن أرض البحر قد دخلت ضمن دولة كورش. ويقول الأستاذ دوگرتي أن كورش قد فتح أرض البحر قبل فتحه لبابل.

بدأت بوادر الخطر الفارسي على العراق في وقت مبكر، حتى قبل سقوط دولة ليديا على يده، إذ قام كورش عام 547 ق.م بعبور نهر دجلة من الجهة الجنوبية لمدينة اربيل، وتذكر وثيقة الأخبار البابلية  في أحداث السنة التاسعة من حكم نابونائيد: "استدعى كورش في شهر نيسان جيشه، وعبر نهر دجلة أسفل مدينة اربيلا". ربما كان تحرك الجيش الفارسي نحو اربيل قد تم عند نقطة قرب مخمور الحالية، ولم تكن هدفه وإنما كانت نقطة مروره إلى أسيا الصغرى .وربما أيضا كان يهدف إلى جس نبض القوات البابلية ومدى استعداداتها. ويعتقد الأستاذ الأحمد ان رد فعل البابليين كان سريعا، إذ نعرف عن تجمع للجيوش البابلية بأمر من بيل– شار–اوصور سنة 547 ق. م قرب مدينة كوراشو (قرب اليوسفية) تحسبا من تطور الأحداث. إلا ان وثيقة الأخبار لا تؤيد ذلك، إذ نقرا ان أم الملك نابونائيد قد توفيت في 5 نيسان في دور كوراشو وتقول الوثيقة: "أقام ولي العهد وجيشه مناحة رسمية في الصباح الباكر لأيام ثلاثة"، وبذلك ان تجمع الجيوش البابلية عند منطقة كوراشو ليست لها علاقة بالتحركات الاخمينية. ونقرا في أخبار سنة 546 ق.م انه في 21 سيمانو (Simanu)،(حزيران)،ان العيلاميين كانوا في أكد، وان حاكما اخذ يحكم الوركاء، وان وجود نقص في وثيقة الأخبار البابلية الخاصة بأحداث عام 545 ق.م تجعل تحركات كورش في هذه السنة غامضة إذ تذكر:" … دجلة … في شهر آذار عشتار الوركاء … الـ …. بلاد البحر … حيث قام جيش بالهجوم …. ". ويعتقد الأستاذ الأحمد بناء على ما ورد في أخبار عام 546 ق.م ان حاكما فارسيا من قادة كورش، قد دخل البلاد وصار حاكما في الوركاء. فإذا صحت هذه الحقيقة فان بابل قد أصبحت في فكي كماشة. غير إننا لا نعرف معنى هذه الحقيقة بالضبط فهل ان القائد ترك ملكه ولجأ عند الملك البابلي ولكن لا يمكن لنابونائيد ان يعينه حاكما على أية مدينة، أو ان قوة فارسية انتهزت فرصة غياب نابونائيد في تيماء فاخترقت الحدود لفترة من الزمن إلى الوركاء. غير ان الأستاذ هاري ساكز يشير إلى ان الوركاء بقيت بيد نابونائيد رغم الغارة العيلامية، ويبدو من أحداث عام 545 ق.م هجوما قد تم على بلاد بابل لا نعرف تفاصيله، ويبدو ان كورش أثناء تحركاته قد تمكن من السيطرة على بلاد أشور، ويرجح معظم الباحثين من ان كورش توجه إلى بلاد أشور عن طريق همدان–كرمان شاه-اربيل وهو الطريق التاريخي المؤدي إلى حران، واغلب الظن ان كورش قد وصل اربيل وانحدر بعدها إلى مدينة بابل متبعا الطريق ما بين مرتفعات حمرين ونهر دجلة، وعبرت جيوشه ذلك النهر عند مدينة اوبس. وقد تمكن كورش في هذه الأثناء من الحصول على ولاء حاكم كوتو المدعو گوبارو.

هاجم كورش العراق معتديا في تشرين الأول 539 ق.م حيث اصطدم بالجيش البابلي عند مدينة اوبس، وتخبرنا وثيقة الأخبار البابلية عن اضطراب الأوضاع في بلاد بابل أثناء الهجوم على اوبس: "في شهر تشرين الأول عندما هاجم كورش جيش أكد في اوبس على نهر دجلة ثار السكان في أكد، ولكن نابونائيد نزل تقتيلا بالسكان كيفما اتفق". لا نعرف حقيقة هذه الإشارة هل ان سكان أكد ثاروا على نابونائيد مستغلين هجوم كورش ؟ أم ان لكورش عملاء داخل بابل أشعلوا نار الثورة باتفاق مع كورش على ان تكون ثورتهم متزامنة مع هجوم الأخير على البلاد ؟ غير ان الوثيقة تؤكد ان نابونائيد قمع الثورة. كان الجيش البابلي يقوده بيل–شار–اوصور الذي خرج إلى اوبس وفي معركة بين الطرفين حقوق كورش أول انتصار على القوات البابلية، ويخبرنا المؤرخ البابلي بيروسوس(برحوشا) ان الجيش البابلي قد تقابل في شهر أب من عام 539 ق.م مع الجيش الاخميني عند مدينة اوبس الواقعة على نهر دجلة وقتل خلال المعركة بيل–شار–اوصور.

عهد كورش إلى گوبارو قيادة الجيش الفارسي المتجه إلى سيبار، والتي كان بها نابونائيد كما يتضح من وثيقة الأخبار: "في اليوم الرابع عشر احتلت سيبار من دون قتال وفر نبونائيد"، وهكذا سقطت سيبار في 14تشرين الأول 539 ق.م، وربما كان نابونائيد قد فكر بالانسحاب والتحصن في بابل عندما رأى عدم قدرته على مقاومة العدو في سيبار، وان سقوط سيبار كان مهما لما لها من أهمية كبيرة لكونها خط الدفاع عن بابل. تقدمت الجيوش الفارسية نحو بابل وتذكر وثيقة الأخبار البابلية انه: "في اليوم السادس عشر دخل گوبارو حاكم گوتيوم( Gutium) وجيش كورش إلى بابل من دون قتال". وبأي حال سقطت بابل بعد يومين من سقوط مدينة سيبار، إلا ان ذلك يثير التساؤلات فالمسافة بين المدينتين حوالي90كم وقطع هذه المسافة في تلك العصور يتطلب أكثر من يومين فكيف يكون الفرق بين الاحتلال سيبار وبابل يومان فقط ؟ فمن المعقول الافتراض بان الجيش المعادي المتقدم لابد وان حصل على معونة ودعم من عناصر محلية، ومنهم يهود الأسر البابلي فمدينة بابل حصينة وليس من السهل على أي عدو دخولها.

لم يكن نابونائيد يعرف ان بابل قد سقطت فبعد انسحابه من سيبار عاد إلى بابل، وتذكر وثيقة الأخبار: "وعندما عاد نابونائيد إلى بابل، بعد الحرب تم اعتقاله فيها". على أي حال لم يكن كورش هو الذي دخل بابل إنما گوبارو كما ذكرنا، أما نابونائيد فيذكر بيروسوس ان نابونائيد قد نفي إلى كرمان . أما كورش فلم يدخل بابل مباشرة وإنما دخلها في يوم 13تشرين الثاني539 ق.م، كما يرد في وثيقة الأخبار.

 

كانت آخر العمليات العسكرية لكورش هو حملته على قبائل الاسكثيين ثم توجه بعد ذلك لقتال قبائل الساكا البربرية عبر نهري سيحون وجيحون وفي أواخر سنة 530 فشل كورش في إحدى معاركه ضد القبائل المذكورة ولقي حتفه هناك ويعتقد أن خسر في هذه المعركة (200,000) مقاتل. وهو رقم مبالغ فيه كثيرا.



د. ايناس سعدي عبد الله

يحتل موضوع دراسة العلاقات الامريكية-السوفييتية جانبا مهما، وحيويا في تاريخ العلاقات الدولية، نظرا لاتساع تلك العلاقات، ولما اتسمت به من شمولية غطت معظم انحاء العالم المعاصر، وما تركته تلك العلاقات من اثار، سواء على الصعيدين السياسي، والاقتصادي، أو من ابعادا خطيرة على الجانب الثقافي.

                ان اتساع وتشعب العلاقات بين الدولتين، ومن ثم بين المعسكرين، خلال حقبة زمنية  ليست بالقصيرة، التي اطلق عليها مصطلح "الحرب البارد"، ابتداء من عام 1945-1991، لذا فإن تغطية كافة جوانب تلك الحرب امر مستحيل في كل الاحوال، وستقتصر هذه الدراسة على تغطية جانب واحد من تلك العلاقات، وهو الصراع على اوروبا، خلال حقبة زمنية محددة امتدت بين اعوام 1945-1950.

 

                ستتناول الدراسة ابرز نقاط الخلاف حول اوروبا بين الدولتين: الولايات المتحدة الامريكية، والاتحاد السوفييتي، ومن ثم ابرز الاجراءات الامريكية لمواجهة المد الشيوعي الذي حاول ان يملأ الفراغ السياسي في بعض اجزاء اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

انظر الكتاب في:

https://uomustansiriyah.academia.edu/ashurbanipalEsarhaddon

http://www.mediafire.com/view/6zfld7j5613myv2/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9__%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%8A%D8%AA%D9%8A.pdf

https://archive.org/details/ashurbanipal668_yahoo_201411

https://drive.google.com/?tab=wo&authuser=0#my-drive





كتاب ابحاث في تاريخ الشرق الادنى القديم

د. اسامة عدنان يحيى

كتاب في اصله اربعة بحوث تتناول جوانب من تاريخ الشرق الادنى القديم وهي:

1.بلاد اشور في عصر فجر السلالات.

2.مقارنة بين نماذج من ادب وادي الرافدين مع بعض النصوص الانجيلية والفارسية.

3.التكوين السكاني لايران القديم

4.الشرق الادنى تحت حكم الاسكندر المقدوني

قراءة ممتعة

https://archive.org/details/ashurbanipal668_yahoo



د. ايناس سعدي عبد الله

كانت الحملة (D)قد وصلت إلى مياه شط العرب في يوم 3 تشرين الثاني 1914م، وفي عشية الغزو العسكري البريطاني، اصدر السير برسي كوكس الضابط السياسي المرافق للقوات البريطانية بيانا زعم فيه ان حكومته قد اجبرت على الحرب نظرا للموقف المعادي من قبل العثمانيين، لذا ارسلت بريطانيا قواتها لحماية تجارتها واصدقائها واجلاء الاتراك من المنطقة وان لا عداء لها مع العرب شريطة، الا يحموا الجنود الاتراك، ولا يحملوا السلاح في تجوالهم واكد مهددا على منع ذلك، كي يجرد السكان من وسائل الدفاع عن انفسهم في ظرف غابت فيه السلطة المحلية الحامية، وبذلك يتسنى لجيشه الغازي ان يتوغل بسهولة.

نزلت القوات البريطانية في الفاو في ساعة متأخرة من يوم 6 تشرين الثاني ورفع عليها العلم البريطاني بعد مقاومة طفيفة اضطر بعدها الجنود العثمانيون إلى الانسحاب، وبذلك تمكنت بريطانيا من السيطرة على مدخل شط العرب. أمّا السلطات العثمانية في البصرة فلم يصل اليها خبر احتلال الفاو الا في اليوم التالي من المدنيين الذين غادروا المنطقة إلى البصرة، فاستعدت القوات العثمانية لتصد التقدم البريطاني باتجاه البصرة الا ان حركة هذه القوات كانت غير نظامية ولا مدروسة بل مليئة بالأخطاء سواء في شكل التقدم أو في التعبئة والتموين ولم تقدم الاستخبارات العثمانية اية معلومات لقائد القوة عن الموقع البريطاني، ولم تكن لديه خريطة للمنطقة وقصارى القول ان القيادة العثمانية اعتمدت على الارتجالية دون التخطيط والحسابات العسكرية الدقيقة.

أمّا الخطط العسكرية والامدادات البريطانية فكانت مبنية على حسابات دقيقة وتقديرات جيدة منذ بداية تحرك القوات البريطانية من الهند، مكنت البريطانيين من دحر العثمانيين في معارك السنية وسيحان وكوت الزين، وفتح الطريق امام هذه القوات لاحتلال مدينة البصرة، حيث انسحبت القوات البريطانية باتجاه القرنة، ودخلتها القوات البريطانية في يوم 22 تشرين الثاني وفي اليوم التالي استعرضت القوات البريطانية في البصرة، ورفع العلم البريطاني على سطح احد المباني الرئيسة، واطلقت البحرية البريطانية مدافعها تحية له، واذاعت السلطة المحتلة خطابا دعت فيه اهالي البصرة إلى التعاون معها باعتبارها السلطة الوحيدة القائمة واقعيا ووعد الخطاب بالحرية والعدالة.

قامت القوات البريطانية بعد احتلالها لمدينة البصرة، بإقامة المعسكرات لسكنى قواتها وانزال معداتها العسكرية، والقيام بدوريات للحراسة، والبحث عن الاسلحة في القرى المحيطة بالبصرة، وتقرر مطاردة القوات العثمانية المنسحبة باتجاه القرنة والزبير، وقد اعطى الاحتلال القرنة اهمية كبيرة لموقعها العسكري، ولصلاحية الملاحة إلى الخليج العربي، وغنى المنطقة الزراعية، واحاطتها بإقليم الاحواز، فتقدمت القوات البريطانية واحتلت المدينة بعد استسلام القوات العثمانية في يوم 9 كانون الاول 1914. وبدخول القرنة اصبح البريطانيون يسيطرون على ملتقى نهري دجلة والفرات والطريق الملاحي إلى الخليج العربي.

لقد اوضحت الانتصارات البريطانية السريعة ضعف الاتراك، وعدم استعداد القيادة العثمانية في العراق للوقوف بوجه الغزو البريطاني، لهذا اعاد العثمانيون النظر في تنظيم قواتهم النظامية في العراق، وعملوا على كسب تأييد العراقيين لهم عن طريق اعلان الجهاد المقدس الذي كان له اثره في توجيه الراي العام المتأثر بالعواطف الدينية إلى حمل السلاح بوجه البريطانيين وبلغ عدد المتطوعين بين 10-15 الف مقاتل، وقد توجه هؤلاء لمقاتلة الانكليز في الشعيبة قرب البصرة.

احتشدت القوات العثمانية بقيادة سليمان عسكري بك ومعها قوات المتطوعين وبدأت بمناوشة القوات البريطانية، وبدأ الهجوم الفاصل صباح يوم 12 نيسان 1915 ولكنه كان هجوما فاقدا لعنصر المباغتة نظرا لما سبقته من شواهد دالة عليه، فقام البريطانيون بهجوم مضاد اسفر عن انتصار كاسح للقوات البريطانية، وابادة قسم كبير من القوات العثمانية، وتعد موقعة الشعيبة من المواقع الحاسمة في تاريخ عملية الاحتلال البريطاني للعراق، فقد فتتت معنويات القيادة العثمانية وخاصة عند انتحار القائد سليمان العسكري كما اوجدت الشكوك بين الناس في امكانية صمود العثمانيين امام الغزو البريطاني واعتبرت معركة الشعيبة مأساة تاريخية هامة بالنسبة للعثمانيين.

بعد هزيمة العثمانيين في القرنة والشعيبة تقهقرت قواتهم نحو العمارة والناصرية، بيد ان القوات البريطانية لاحقتها، واتجهت قوة برية ومائية في دجلة إلى العمارة، فاحتلتها في 2 حزيران 1915، كما احتلت قوة اخرى، اتجهت عن طريق الفرات، الى الناصرية في 25 تموز، وبعد معارك دامية تم للبريطانيين السيطرة على المثلث الواقع بين البصرة والعمارة والناصرية، واصبحت ولاية البصرة كلها تقريبا تحت الاحتلال البريطاني.

شجع احتلال ولاية البصرة والانهيار السريع للمقاومة العثمانية، القادة العسكريين البريطانيين على طلب التقدم نحو بغداد، واوضح السير برسي كوكس، رئيس قادة الحملة السياسيين في برقية بعثها إلى نائب الملك في الهند، بانه لا يرى كيف يمكن ترك احتلال بغداد، وقد اخذت حكومة الهند على عاتقها تحقيق فكرة الزحف نحو بغداد بعد تعيين الجنرال جون نيكسون إلى القيادة ما بين النهرين في 9 نيسان 1915، وخولته بالزحف على بغداد اذا كان مقتنعا بان القوة المتوفرة لديه تكفي للقيام بالعمليات المطلوبة.

تقدمت الحملة البريطانية عن طريق دجلة باتجاه بغداد، وكانت بقيادة الجنرال تاوزند الذي كان يعتقد في ضوء خبرته السابقة ضعف مقاومة الاتراك وان قواته لن تجد صعوبة في احتلال بغداد، أمّا العثمانيون فقد عمدوا إلى تجميع قواتهم المندحرة، وشكلوا لجنة تحصين مدينة بغداد للدفاع عنها وحدثت اول معركة بين الطرفين بالقرب من الكوت، في 27 ايلول 1915 استمرت نحو عشرين ساعة واشترك فيها الاسطولان النهريان البريطاني والتركي، وانتهت بانتصار البريطانيين وانسحاب العثمانيين إلى خطوط دفاعية جديدة اقاموها قرب المدائن بعد ان خسروا 17 الف قتيل وجريح و1289 اسيرا، ثم واصل البريطانيون تقدمهم نحو بعد بغداد بعد استعدادات دامت ستة اسابيع.

استعد العثمانيون بقيادة نور الدين لملاقاة البريطانيين قرب المدائن وحصلوا على امدادات عسكرية من الاناضول، كما وصل إلى بغداد الجنرال الالماني فون دوكولتز لتنظيم الدفاعات العثمانية ودارت معركة ضارية بين الجانبين، وخلال المعركة عززت القوات العثمانية بفرقة جديدة بقيادة خليل بك الامر الذي مكن العثمانيين من توجيه ضربة قوية اضطرت القوات البريطانية إلى الانسحاب والتراجع نحو الكوت بعد ان تكبدت خسائر فادحة بلغت في يوم 22 تشرين الثاني وحده 4511 قتيلا.

استغلت القوات العثمانية الانكسار البريطاني في المدائن، وقامت بتعقب القوات البريطانية المتراجعة، وتمكنت من محاصرة البريطانيين في مدينة الكوت في 7 كانون الاول 1915، وقد استمر الحصار حوالي خمسة اشهر، ذاق فيها البريطانيون ويلات الحصار، فاكلوا لحوم الخيل وخلعوا ابواب وشبابيك البيوت لاستعمالها في الوقود. وقد حاول البريطانيون عدة مرات انقاذ جيشهم المحاصر دون جدوى، واجروا مفاوضات مع العثمانيين لرفع الحصار مع استعدادهم لوضع مليون أو مليوني ليرة لخليل باشا قائد القوات العثمانية، لكنه امتنع عن قبول هذه الرشوة، واصر على التسليم دون قيد أو شرط، فاضطر البريطانيون إلى الاستسلام في يوم 29 نيسان 1916 بعد ان اتلفوا سلاحهم ومعداتهم وبلغ عدد القوات التي استسلمت 13500 جندي عدا الضباط وارسل هؤلاء اسرى إلى الاناضول والحقيقة ان تسليم الكوت كان نهاية محزنة لمشروع كان الهدف منه احتلال بغداد، وان خسائر البريطانيين منذ البداية حتى تسليم الكوت كانت كبيرة إذ بلغت 40 الف بين قتيل واسير، واخيرا فان تسليم الكوت كانت ضربة قوية لسمعة البريطانيين.

في الوقت الذي كانت القوات البريطانية محاصرة في الكوت عقدت بريطانيا اتفاقية سرية مع الحلفاء لاقتسام الممتلكات العثمانية، عرفت باسم اتفاقية سايكس-بيكو. فقد تم تعين البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو لإجراء المفاوضات نيابة عن الدولتين. ولابد من الاشارة هنا ان بريطانيا كانت في الوقت نفسه قد دخلت في مفاوضات مع الشريف حسين في الحجاز لتضمن مساعدته في الحرب ضد الدولة العثمانية، وقد اشترط الشريف حسين ان تكون هذه المساعدة متوقفة على اعتراف بريطانيا بأماني العرب القومية. واذ كانت الحكومة الفرنسية شاعرة باحتمال عقد صفقة عربية-بريطانية، وتواقة الى الحصول على جزء من الامبراطورية العثمانية لنفسها، فقد الحت على الاعتراف بمطالبها. ولما اقدمت بريطانيا وفرنسا على تحديد حقوقهما على هذه الشاكلة رغبتا في الحصول على مصادقة روسيا عليها، ومن اجل هذا ارسل سايكس وبيكو الى سان بطرسبورغ في اوائل ريع عام 1916. وهناك عرضا لائحة اتفاقيتهما وحصلا على مصادقة روسيا عليها، ولكن بعد ان كان الثمن الاعتراف بمطالب روسية اخرى في المنطقة. وقد اتخذت هذه الصفقة فيما بعد شكلا رسميا في 26 نيسان 1916 باسم اتفاقية سازونوف-باليولوغ. وقد اصبحت بعد ذلك جزءا من لا يتجزأ من التسوية العامة التي تمت بين روسيا وفرنسا وبريطانيا، والتي يشار اليها عادة باسم اتفاقية سايكس-بيكو، وتحتوي على الشروط الاتية:

1.تحصل روسيا على ولايات ارضروم، وطرابزون، ووان، وارمينية التركية، وعلى منطقة تقع في القسم الشمالي من كردستان، على الخط الممتد من موش، وزعرت، وجزيرة ابن عمر، والعمادية الى الحدود الايرانية. وهذه المنطقة تبلغ مساحتها 60 الف ميل مربع ممتدة في المساحة المحصورة بين البحر الاسود ومنطقة الموصل-اورمية، وتحتوي على ثروات غنية بالنحاس والفضة والملح.

2.تحصل فرنسا على القطاع الساحلي المشتمل على سوريا، وولاية اطنة، والمنطقة التي يحدها جنوبا الخط الممتدة من عينتاب وماردين الى الحدود الروسية المقبلة، وشمالا الى كيليكية.

3.تحصل بريطانيا على القسم الجنوبي من العراق، ابتداء من بغداد، وعلى مينائي حيفا وعكا في فلسطين.

4. يتألف من المنطقة الكائنة بين الممتلكات الفرنسية والبريطانية اتحاد لدول عربية صغيرة أو دولة عربية واحدة. وان تقسم هذه المنطقة من جديد الى منطقة نفوذ فرنسية وبريطانية. تتألف المنطقة الفرنسية من سوريا الداخلية وولاية الموصل في العراق، اما المنطقة البريطانية فتمتد ما بين فلسطين والحدود الايرانية.

5.ان تعلن الاسكندرية ميناء حرا.

6.ان تدول فلسطين.

من جانب اخر كانت الحرب في العراق ما زالت مستمرة ولم يحاول العثمانيون استثمار الهزيمة البريطانية في الكوت لمحاولة التقدم إلى جنوب العراق واعادة احتلاله وطرد البريطانيين منه، وانما ارسلوا قواتهم إلى ايران لمحاربة القوات الروسية، مما اضعف القوات العثمانية الموجودة في العراق، ومكن البريطانيين من تعزيز قواتهم من جديد وخاصة بعد تولي الجنرال ستانلي مود قيادة هذه القوات التي بدأت باستئناف الهجوم ضد العثمانيين منذ اوائل عام 1917، ودارت معارك هائلة بين الجانبين تضعضع فيها مركز العثمانيين الذين اضطروا إلى الانسحاب من الكوت إلى المدائن يوم 27 شباط وتحصنوا فيها، لكن البريطانيين استمروا في تقدمهم نحو المدائن مما دفع العثمانيين إلى الانسحاب نحو نهر ديالى في 6 اذار ثم انسحبوا من بغداد فدخلها البريطانيون بقيادة الجنرال مود فجر يوم 11 اذار 1917، وقد اصدر الجنرال مود تصريحه الشهير الى اهالي بغداد: "اننا لم ندخل بلادكم اعداء فاتحين، انما دخلناها محررين".

 

كان لاحتلال بغداد من قبل البريطانيين اثاره السياسية والعسكرية والنفسية على الوجود العثماني في مناطق العراق الاخرى، وقد واصل البريطانيون تقدمهم في شمال العراق فاحتلوا سامراء في 22 نيسان، والرمادي في 29 ايلول، وتكريت في 6 تشرين الثاني 1917، وبقي الجيش البريطاني عند الفتحة جنوب الشرقاط حتى اواخر تشرين الاول 1918 وكان على بعد 12 ميلا من القوات العثمانية في مدينة الموصل عند عقد الهدنة في 20 تشرين الاول 1918، وكانت الموصل بموجب اتفاقية سايكس-بيكو قد وضعت ضمن النفوذ الفرنسي، بينما وضعت بغداد والبصرة ضمن النفوذ البريطاني، غير ان بريطانيا ظلت مصممة على نقل الموصل الى سيادتها، فطلب قائد القوات البريطانية الجنرال مارشال، وكان قد تولى قيادة هذه القوات بعد موت الجنرال مود بمرض الكوليرا، في 19 تشرين الثاني 1917، من علي احسان باشا قائد القوات العثمانية في المدينة مغادرتها، وجرت مفاوضات بين الجانبين وافق فيها العثمانيون على الجلاء عن المدينة، ورفع العلم البريطاني عليها في 28 تشرين الثاني 1918، ولما كان من الممكن ان يشكل احتلال الموصل معارضة فرنسا، فقد تم تسوية الامر بأن تأخذ فرنسا حصة من النفط مقابل الموصل. وهكذا انتهت الاعمال العسكرية بعد ان امتدت زهاء اربع سنوات، وخضع العراق للإدارة البريطانية وقد كلف احتلال العراق البريطانيين خسائر فادحة قدرتها المصادر البريطانية، بحوالي مائة الف قتيل وجريح، هذا فضلا عن الخسائر المادية الهائلة، لهذا يمكن القول ان العراق كان من الجبهات الاساسية التي استنزفت العدد الكبير من الرجال والمال الوفير.



د. اسامة عدنان يحيى

إن بلد مثل وادي الرافدين يشكل النهران عصب الحياة النابض وركيزة البناء الحضاري، فهما أساس الاستقرار والنماء، ومن فيضهما عرفت بلاد الرافدين قيام أقدم المستوطنات الزراعية، كذلك هيأ النهران شروط الاتصال بين المناطق المختلفة،  فربط مدنه وقراه وقصباته بشبكة واسعة من الطرق اليسيرة والجيدة، لذلك يمكن عدهما الطريقين الرئيسين للمواصلات في بلاد وادي الرافدين.

          إن عاملاً مهماً في تشجيع المبادلات التجارية وتوسيعها وتطويرها تعتمد على توفر وسائل النقل اللازمة والجيدة وطرق الموصلات الطبيعية، وإن أبرز الوسائط هي وسائط النقل المائية التي ما تزال الواسطة المثالية لنقل السلع الكبيرة الحجم والوزن، الرخيصة الثمن مثل: الحجارة والمعادن والأخشاب والمنتجات الزراعية فهذه الوسائط ارخص وسائط النقل على الإطلاق وأكثرها استيعاباً، ومما زاد من اعتماد العراقيين على النقل النهري، إضافة إلى ما ذكرنا ان القسم الوسطي والجنوبي من العراق بسبب طبيعتهما السهلية، وانتشار شبكة قنوات الري وسعة الأراضي الزراعية مع احتمال غمر أجزاء منهما في موسم الفيضان يجعل كل ذلك من أمر تشييد الطرق البرية وصيانتها أمراً صعباً للغاية، إن لم يكن مستحيلاً ضمن امكانيات العراقيين القدماء مقابل ذلك تستطيع أبسط وسائل النقل النهرية من الانتقال بيسر وسهولة ودون أية خطورة محتملة من أعالي النهر وحتى مصبه في الخليج العربي.

          أبرز وسائط النقل النهرية هي السفن الشراعية التي تعد صورة متطورة لوسائط النقل النهري وهي على نوعين: سفن نقل الحمولة والبضائع، وسفن نقل المسافرين. ونعرف ان تسمية (Sapinatu) (المرادفة لكلمة سفينة) ظهرت لنا في القرن السادس قبل الميلاد، وهي تسمية العربية الشائعة لحد الآن.

          هناك أنواع عديدة من السفن ذكرتها المصادر المسمارية منها: السفن التي تجري مع النهر، والسفينة الشراعية، والسفينة التي تسير عكس مجرى النهر، وهناك سفينة النقل، وسفينة نقل المسافرين، وسفينة العبور، وسفينة الأجرة. وهناك سفن بأسماء خاصة مثل سفن نقل الثوم، وسفينة نقل التبن، وسفينة نقل القصب، وسفينة نقل الآجر. والسفن على أنواع فهناك: السفن الكبيرة، والسفن الصغيرة. وقد اشتهر سفن باسم منشئها مثل سفن مدينة أور، وسفن مدينة أكد، وسفن مدينة آشور وغيرها.

          لا تعرف بالضبط مقدار حمولة السفن، ونستدل من وثائق قديمة تعود لعهد سلالة أور الثالثة أنها بين (55-155 بوشل) من القمح للسفينة الواحدة. ونعرف من وثيقة تعود إلى السنة السابعة عشر من عهد نابونائيد عن استئجار شخص يدعى مورانو سفينة طاقتها (150 كور) لغرض استخدامها في معبد أي–أننا في الوركاء بمقدار (5) شاقل ونصف فضة خلال شهر واحد. ويقدر الأستاذ ساكز ان السفينة البابلية كانت تحمل في الألف الأول قبل الميلاد حوالي (40) طناً.

          الوساطة المائية الثانية للنقل النهري هي الكلك (kalakku)، والكلك عبارة عن رمث يصنع من أقوى أنواع القصب الذي ينمو بكثافة في الأهوار التي تبلغ من الطول درجة تخفي الإنسان تماماً، أو من أحسن أنواع الخشب الذي يستطيع بناة الأرماث من الحصول عليه محلياً. ويزداد تعويمه بربط جلود الماعز المنفوخة تحت سطحه والتي تجعله قادراً على حمل وزن كبير، وعندئذٍ يطوف الرمث في النهر باتجاه التيار، ويتم تحريكه وتوجيهه بالصارية معاً إلى ان يبلغ بعض النقاط في جنوبي بلاد الرافدين. وهناك أماكن للتوقف فيها حيث يتم تفريغ الحمولة، ويفكك الكلك، ثم تباع أخشابه، وتطوى جلود الماعز، وتنقل على الحمير. أما الملاح الذي تحول إلى قائد للقافلة فأنه يعود إلى النقطة التي بدأ منها حيث يبدأ هناك بالعملية مجددا. يبدو ان الأكلاك استمرت في الاستعمال حتى في العصر الأخميني، إذ يحدثنا هيرودوت عن مشاهداته للنقل النهري في العراق، إذ يقول ان القوارب (يقصد بها الأكلاك) المستخدمة تكون اطاراتها مصنوعة من أشجار الصفصاف الذي يؤتى من بلاد أرمينيا شمالي بلاد أشور، ومثبتة على الجلود وتغطي الألوان التي تصنع منها أبدان المراكب بأغطية من جلود تمتد إلى خارجها، وبهذه الصورة تصنع القوارب من دون سارية أو دفة مدورة أشبه بالترس تماماً. ومن ثم يجري ملؤها بالقش ثم توضع حمولتها على جنبها بعد ان تدفع بشدة لتطويفها بالنهر، والمادة التي تحملها هذه القوارب بصفة رئيسية هي الخمور التي تخزن في أوعية تصنع من أخشاب النخيل وتدار هذه القوارب من قبل رجلين. وتلك القوارب(الاكلاك) في أحجام متباينة بعضها كبير، والآخر صغير. وتبلغ حمولة أكبرها حوالي (5000) طالنت. ويربط في جانب كل قارب حمار واحد أما التي تكون أكبر فلها اكثر من حمار،  وعندما تصل القوارب مدينة بابل، يتم إفراغ حمولتها، وعرض هذه الحمولة للبيع، وبعد ذلك يفك الرجال قواربهم، ويبيعون الأحطاب، والإطارات ثم ينقلون الجلود على الحمير. ويخبرنا زينفون ان السكان كانوا ينتقلون عبر النهر بالأطواف المصنوعة من الجلود. ونعرف أنه عندما أراد الجيش اليوناني العبور في نهر دجلة اقترح أحد الجند الروديسيين طريقة للعبور،  وقال أنه سيحتاج إلى ألفي قربة من الجلد الذي سيحصل عليها من الأغنام والماعز والثيران والحمير، والتي يتم سلخها وأخذ جلودها ونفخها، وبذلك تصبح وسيلة للعبور، وقد قام أيضاً بربط القرب بعضها ببعض بحبال، ويتم وضع كل قربة حجر يتدلى من الماء كمرساة ويضع فوقها الخشب تعلوه طبقة من التراب من أجل منع الانزلاق. ولا ريب ان وصف زينفون لا ينطبق تماماً على وصف الأكلاك إلا انه لا يمنع ان تكون أحد الوسائل المتبعة من أجل النقل النهري شبيهة لصناعة الأكلاك. ومن الأمور الجديرة بالذكر ان الأكلاك ظلت مستخدمة كوسيلة من وسائل النقل حتى العصور الحديثة، اذ يقول الرحالة البريطاني ولستد الذي زار العراق في القرن التاسع عشر ان سكان مدينة الحلة يستعملون الجلود المنفوخة في عبور نهر دجلة، ويصف لايارد صناعة الأكلاك في العراق.

 

أما القفة فكانت نوعاً من سلة مدورة تشبه السلة التي يستعملها لحمل التراب والآجر على رأسهم، وهي في الواقع سلة من أغصان مدببة، وذات قعر منبسط، وغير عميق جداً وكان القعر يغطى بالجلود، ويغلف بالكتان، وقطع من الصوف، وتضغط جميعها بشدة وتمزج بالطين الرقيق والقار الذي يضمن عدم تسرب الماء خلاله. وكان يحرك من قبل رجل أو رجلين بمجاذيف قصيرة، وهكذا تتحرك القفة إلى أمام دون ان تدور حول نفسها، وكانت القف تحمل حمولات متنوعة. ولم يكن ملاحو القف يترددون في عبور الأنهار السريعة الجريان من أمثال نهر دجلة وكانت تستعمل بصفة اعتيادية في نقل السلع صعداً في النهر وانحداراً معه. 



د. ايناس سعدي عبد الله

كانت المشكلة الألمانية ومنها حصار برلين من أهم مظاهر الحرب الباردة،وكما تعتبر هذه المشكلة حجر الزاوية في النزاع بين الكتلتين الشرقية والغربية،فهذه المشكلة تقف عند القمة بالنسبة لمشاكل الحرب الباردة،وتدور في أخطر مناطق الضغط السياسي العالمي،إذ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كان جميع الحلفاء مصممين على أن لا تصبح ألمانيا مرة أخرى مصدر تهديد لهم،فتم الاتفاق على وجوب تقسيم ألمانيا والنمسا إلى مناطق احتلال بين بريطانيا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وفرنسا،وكما تقرر تسليم السلطة العليا في ألمانيا لمجلس رقابة الحلفاء المؤلف من الحكام العسكريين لمناطق الاحتلال الأربع،وقيادة تابعة لمجلس الحلفاء والمسؤولية عن برلين مؤلفة من الحكام العسكريين الأربعة.فعقدت اتفاقية بوتسدام في2 آب 1945 عن ممثلي الاتحاد السوفيتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا،وجاء نص هذه الاتفاقية:"تقتلع جذور العسكرية الألمانية وجذور النازية ويتخذ الحلفاء اليوم وفي المستقبل وباتفاق تام فيما بينهم كل التدابير الضرورية الأخرى لكي لا تهدد أبدا جاراتها أو السلم العالمي".فاقتنع الموقعون على الاتفاقية إن ألمانيا لا تصبح دولة ديمقراطية إلا بعد تحويل نظام الملكية الاقتصادية،وإصلاح السلطة فيها.وكما جاء في هذه الاتفاقية في البند 3:"إقناع الشعب الألماني بأنه لقي هزيمة عسكرية شاملة وانه لا يستطيع التخلص من مسؤولية ما لحقه بنفسه لأن حربه الشرسة التي شنها والمقاومة النازية العنيدة دمرت الاقتصاد الألماني وجعلت الفوضى والمعاناة أمرا لا مفر منه"،وكما جاء في بنود هذه الاتفاقية مسألة التعويضات التي وقعت على كاهل ألمانيا بان تلتزم بدفع تعويضات الحرب للدول المتضررة وخاصة الاتحاد السوفييتي،لكن الاتفاقية لم تشر إلى الأوضاع الاقتصادية الألمانية،وكان الروس يتقاضون التعويضات من ألمانيا ويجعلون منطقة احتلالهم تعيش من مواردها الخاصة، وقد رفض الروس تقديم بيانات عن كثير مما أخذوه من منطقتهم الخاصة فأثار هذا سخطاً متزايداً لدى السلطات الأمريكية والبريطانية لأنها كانت مضطرة لاستيراد الطعام إلى مناطق احتلالها وعلى نفقتها الخاصة،وبحلول عام 1946 كان الروس يوقفون شحنات الأغذية والمواد الخام التي كانت ترساها الولايات المتحدة مقابل التعويضات وذلك بسبب الوضع الاقتصادي السيئ في أوربا الشرقية،فذكر الجنرال الأمريكي كلاي:"جاء أول صِدام لنا مع السياسة السوفييتية في ألمانيا بسبب التعويضات"،وكما سمحت اتفاقية بوتسدام بإقامة أحزاب سياسية حرة معادية للفاشية بألمانيا،لكن الاتحاد السوفيتي قد بدأ قبل اتفاقية بوتسدام بفرض السيطرة الشيوعية الروسية على أحزاب ألمانية جديدة،وسرعان ما ظهر الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الليبرالي والحزب الديمقراطي المسيحي أو المحافظ،وانعقد مؤتمر موسكو في 10 آذار 1947،لوزراء خارجية الدول وذلك لعقد معاهدات الصلح مع ألمانيا والنمسا،وجاء انعقاد هذا المؤتمر بعد يومين من إعلان مبدأ ترومان الذي أوضح فيه تصميم الأمريكيين على مقاومة الأطماع السوفيتية ولاسيما في شرق البحر المتوسط،وبذلك كانت الأجواء التي انعقد فيها المؤتمر متوترة بدرجة كبيرة،إذ لم ينجز المؤتمر شيئاً حول معاهدات السلام المطروحة،وبذلك يعد مؤتمر موسكو عنصراً مركزياً في تطور الحرب الباردة،إذ علم الأمريكيين إن لا أمل لهم في مفاوضة السوفيت إلا من مركز قوة، ومنذ تلك المدة لم يكن إي من الجانبين كثير الاهتمام بالمصالحة.

بعد مؤتمر موسكو طبقت الولايات المتحدة وبريطانيا سياسة اقتصادية كخطوة أولى نحو تعافي أوربا الغربية بشكل عام، فطبقت في عام 1948ومن دون موافقته الروس إصلاحا للعملة في مناطقها التي كانت في حاجة ماسة إليه،وكما كانت مساعدات خطة مارشال متوفرة للمناطق التي تحتلها الدول الغربية،زاد هذا من تقسيم ألمانيا إلى شطرين،ومنذ تلك المرحلة صارت ألمانيا الشرقية على الطرف الآخر، بينما بدت ألمانيا الغربية متميزة عنها،وكما قسم إصلاح العملة برلين أيضا،فكانت ردة فعل السوفييت تجاه إصدار العملة إنهم قطعوا الاتصالات بين المدينة المعزولة ضمن المنطقة السوفيتية وبين أوربا الغربية،وبدأ النزاع يتصاعد بين الطرفين إذ أوقفت السلطات السوفيتية النقل الذي كان يوصل المؤن لسكان القسم الغربي من برلين،ولكن من دون أن تتدخل في وصول الحلفاء الغربيين إلى قواتهم في تلك الأجزاء من المدينة،وكان هدفها من ذلك هو أن تبين لسكان برلين إن القوى الغربية غير قادرة على حمايتهم. وبما إن الاتحاد السوفيتي قد اخفق بالحصول على ما يريد في ألمانيا عن طريق المفاوضات،فقد حاول الحصول على ذلك بطرق أخرى،هدفه منها محاولة إخراج الحلفاء منها بالقوة من قطاعهم في برلين وذلك عن طريق حصار برلين الذي كان في نظر السوفيت بديلاً عن الحرب،إذ كان هجوما مدبراً على جميع أنحاء ألمانيا الغربية وعلى الالتزام الأمريكي تجاه أوربا،ففرض الحصار في الظاهر احتجاجاً على الخطط الغربية لإدخال إصلاحات نقدية منها إدخال الديتشمارك الجديد محل الراينمارك على أمل أن يحفز هذا الإجراء استعادة النشاط الاقتصادي في مناطقهم الغربية،اخذ السوفييت بفرض القيود على نقاط الاتصال للطرق الحديدية وطرق السيارات التي كان الغربيون مضطرين لاستخدامها في حركة تنقلهم بين برلين وبين مناطق الاحتلال الخاصة بهم،وكان رد فعل الولايات المتحدة على فرض الحصار السوفيتي على برلين هو قيامها باستخدامها النقل الجوي وذلك بعد هجر الوسائل الأرضية الداخلية ،وأمنت هذه السياسة نقل ما يقارب 2.500.000 طن من السلع الغذائية والمحروقات والمنتجات الأخرى.

وبعد انسحاب السوفيت من مجلس الرقابة سارعوا إلى إدخال إصلاحهم النقدي إلى منطقتهم في ألمانيا وقطاعهم في برلين،وفي 23 حزيران 1948 قطع الاتحاد السوفيتي جميع الاتصالات ببرلين والتي تتم عن طريق السكك الحديدية وطرق السيارات والقنوات المائية، وقد تعقدت المشكلة بعد أن رفض الاتحاد السوفيتي في فك الحصار، أما الولايات المتحدة وحلفاؤها فأنهم اعتمدوا طريقة النقل الجوي من جراء الحصار.وقد اتخذ الطرفان مواقف صلبة الأمر الذي نتج عنه ظهور مشكلة دولية عرفت باسم مشكلة برلين،إذ إصر الاتحاد السوفيتي على إخلاء في حين فرض الأمريكيون والبريطانيون حصارا معاكساً وذلك على السلع الذاهبة من المناطق الغربية إلى المناطق الشرقية،وكان هذا الحصار أكثر إيذاء للشرق مما هو للغرب،لأن السوفييت كانوا بحاجة إلى فحم الكوك والفولاذ من المصدر الوحيد في الغرب،إذ كانت ألمانيا الغربية قادرة على الوصول إلى اقتصاد غرب أوربا وكان يساعدها مشروع مارشال، وهذا في وقت لم تتمتع ألمانيا الشرقية بمزايا من هذا القبيل،فاستمر الحصار لمدة عام اظهر انه بإمكان الولايات المتحدة إدامة الجسر الجوي لأمد غير محدود.

كانت من نتائج هذه الأزمة هي استحالة الاتفاق مع الاتحاد السوفيتي فيما يخص ألمانيا وأدى إلى ظهور دولتين ألمانيتين منفصلتين،وهي ألمانيا الغربية خاضعة للسيطرة الأمريكية وألمانيا الشرقية خاضعة للسيطرة السوفيتية،وفي 12 أيار 1949 اقر مجلس رقابة الحلفاء القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية،وفي 23 أيار 1949 خرجت هذه الجمهورية الاتحادية إلى حيز الوجود،وفي 7 أيلول 1949 أجريت انتخابات عامة في ألمانيا الاتحادية ونتج عن هذه الانتخابات تشكيل برلمان هذه الجمهورية وأصبح ( كونراد اديناور) مستشاراً لهذه الجمهورية،فكان رد فعل الاتحاد السوفيتي إن أعلنوا قيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية في 7 تشرين الأول 1949 في المنطقة السوفييتية،إذ كان يسيطر على جمهورية ألمانيا الديمقراطية حزب الوحدة الاشتراكي الذي كان يسيطر عليه الشيوعيون،ونتيجة قيام هاتين الدولتين رفض الطرفان الاعتراف بقيام هاتين الجمهوريتين،وقد أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة دين اتشيسون:"جاءت هذه الحكومة الجديدة ألمانيا الديمقراطية نتيجة إعلان سوفييتي وأوجدها ما يسمى بمجلس الشعب الذي يفتقر لانتخابات شعبية حرة وهذا الإجراء السوفيتي المتوقع منذ أمد طويل يأتي نقيضاً تاماً لجمهورية ألمانيا الاتحادية في بون والتي تتمتع بقاعدة دستورية شعبية قوية".وهكذا ومن خلال أزمة حصار برلين 1948- 1949 نجد أن جوهر الصراع قد وضع من قبل القوتين الكبيرتين،إذ تنازعت موسكو وواشنطن على ألمانيا،وكان السوفييت قد أثاروا الأزمة لكي تـنفذ أهداف إستراتيجية،بينما اختارت الولايات المتحدة السرعة والشدة وسمة الاستجابة.

بعد انتهاء الأزمة اتفقت دول الغرب مع الاتحاد السوفيتي في 22 تشرين الثاني 1949 على بروتوكول بطرسبرغ الذي هدف إلى إقرار الوضع القائم وهو أن تمارس الدول الغربية الثلاث سلطات الحلفاء في منطقتها على أن يقوم الاتحاد السوفيتي بذات المهمة في منطقته،ومنذ تلك المرحلة دأبت الولايات المتحدة والغرب على التوسع في الاختصاصات التي يمنحها لحكومة جمهورية اتحاد غرب ألمانيا،إذ منحوها حق تبادل التمثيل السياسي والقنصلي وأصبح لها وزير خارجية ومنحت دستورا يخولها سلطات واسعة ورغم هذا فقد ظل للجنة الحلفاء بعض الاختصاصات وتصدر قراراتها بالإجماع عدا الحالات التي يرى فيها عضو اللجنة إن الموقف يتعارض مع كرامة الحكومة الألمانية ومطالب قوات الاحتلال.ولم يكن الاتحاد السوفيتي اقل حرصاً من الغرب في العمل استكمال الشخصية القانونية لألمانيا الشرقية،إذ جعلت برلين الشرقية عاصمة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية وسهل للاتحاد السوفيتي اتخاذ هذا الإجراء لمرابطة قواتها في جميع الجهات حول المدينة المقسمة.

شهدت المدة بين (1949-1958) استقرار الأوضاع بين الكتلتين حول ألمانيا،إلا انه سرعان ما عادت للتأزم وخاصة في عام 1958،عندما آثار خروشوف وضع برلين عندما اقترح إلغاء الإشراف الرباعي على المدينة ويعلنها مدينة حرة منزوعة السلاح،واجتمع وزراء خارجية الدول الأربعة المشرفة على برلين في أيار 1959للتوصل إلى اتفاق يحل هذه المشكلة فلم يتوصل المجتمعون إلى الاتفاق حول الموضوع على الرغم من رغبتهم في إيجاد تسوية للمشكلة لذا دعوا إلى عقد مؤتمر آخر في باريس عام 1960،عندما دعا رئيس الوزراء البريطاني مكميلان إلى اجتماع قمة رباعية  للدول الكبرى في باريس، وأراد الاتحاد السوفيتي من هذه القمة تحقيق شيئين وهما التوصل إلى اتفاق حول برلين وثانياً اتفاق لمنع الأسلحة النووية في ألمانيا ومنطقة المحيط الهادي،أما الولايات المتحدة فقد كانت مهتمة بنتائج قمة باريس إلا إن استعدادهم للتعاون مع الاتحاد السوفيتي والتسليم بالمطالب المفرطة لنظام ألمانيا الديمقراطي قد اقلق الحكومة الاتحادية من إن الولايات المتحدة قد تتوصل إلى عقد صفقة مع الاتحاد السوفييتي.وفي خلال مدة انعقاد المؤتمر تصاعدت المواجهة السياسية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ومن الرابع من أيار أعلن خروشوف إن طائرة تجسس أسقطت أثناء انتهاكها للمجال الجوي السوفييتي،لكنه لم يقل شيئاً عما حدث للطائرة والطيار،إذ كانت هذه الطائرة مزودة بجهاز التدمير الذاتي،إذ اعتقدت السلطات الأمريكية إن الطيار (جراي باورز) قد نفذ أوامره بتدمير الأجهزة الالكترونية،فأعلنت الولايات المتحدة إن إحدى طائرات U-2 قد ضاعت أثناء دراستها للأحوال الجوية على ارتفاعات عالية،وفي 7 أيار أعلن خروشوف  إن الطائرة والطيار قد وقعا في قبضة السوفييت بعد إنكار الولايات المتحدة الهدف الذي كانت تقوم به الطائرة، وكان خروشوف بحاجة إلى ذريعة لإلغاء قمة باريس فقد توفرت له الذريعة،إذ كان يعلن عن مزايا سياسة التعايش السلمي،وجاءت أعمال الولايات المتحدة بإرسال طائرة U-2 في مهام فوق الاتحاد السوفييتي الذريعة المناسبة.

في 15 أيار قبل يوم الاجتماع لقمة باريس قدم خروشوف قائمة بالشروط المطلوب توفرها وهي ضرورة اعتذار الولايات المتحدة عن حادثة U-2 وإيقاف جميع هذه الأنواع من الطيران في المستقبل،ومعاقبة المسؤولين عن الحادث،ففشلت القمة من لحظة بدئها،وأعلن خروشوف إن على القمة إن تجتمع ثانية خلال مدة تتراوح بين ستة أشهر إلى ثمانية،وغادر خروشوف باريس متجها إلى برلين الشرقية،لعقد معاهدة الصلح مع ألمانيا الشرقية والذي سينهي هذا الصلح شرعية الوجود الغربي في ألمانيا الغربية كونها دولة احتلال،وأثار هذا الأمر الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه لاعتقادهم إن خروشوف سيعقد صلحا منفردا مع الألمان،لذا تم  بإعلان حالة الطوارئ في القوات الأمريكية في كافة إنحاء العالم.إذ إن رفع الأمور بهذا الاتجاه جعل العالم يتجه مرة أخرى نحو أجواء المواجهة العسكرية والحرب الذرية، لذا سارع خروشوف الذي كان يعي تماما مخاطر سياسته تجاه برلين،وما يترتب عليها من احتمالات المواجهة إلى تهدئة الأزمة.وأنهى خروشوف زيارته لألمانيا الشرقية دون أن يشير إلى الموضوع الذي هدد به سابقاً،وجمدت القضية حتى عام 1961.لقد حددت عوامل عدة إلى العودة مجددا لقضية برلين عام 1961 ومنها:

1.الأوضاع الداخلية غير المستقرة في الاتحاد السوفيتي وتهديد زعامته للعالم الشيوعي بعد تمرد عدد من الدول الشيوعية على تلك الزعامة مثل الصين وألبانيا ورومانيا.

2.الخبرة الحديثة للرئيس الأمريكي كينيدي في مجال السياسة الخارجية،ولاسيما انه وقع في أيامه الأولى تحت ضغط الفشل الذي مني به في عملية خليج الخنازير.

 

حاول السوفييت استغلال الارتباك الذي أصاب السياسة الأمريكية بعد الفشل في كوبا لتحقيق نجاح ما في هذا الوقت وذلك عندما اصدر خروشوف إنذارا تضمن تحديد ستة أشهر نهائياً للتوصل إلى اتفاق حول برلين،فالتقى كندي وخروشوف في فينا في حزيران 1961،وفي فينا اصدر خروشوف إنذارا أخر جاء فيه انه في حالة عدم التوصل إلى الاتفاق حول برلين بحلول العام 1961 فان الاتحاد السوفيتي سيوقع معاهدة صلح منفصلة مع ألمانيا الديمقراطية،ففشلت قمة فينا وتلا ذلك تطور سريع للازمة حول برلين.وفي 8 تموز 1961  أعلن خروشوف إن المواقف الغربية أرغمت  الاتحاد السوفيتي على زيادة حجم موازنته العسكرية بنسبة 33% ،فردت الولايات المتحدة على ذلك في 25 تموز  عندما طلب كندي من الكونغرس زيادة حجم موازنة الولايات المتحدة العسكرية،كما طلب زيادة بناء قوات حلف الأطلسي في أوربا،وفي اليوم نفسه قال غروميكو وزير خارجية الاتحاد السوفيتي لسفير ألمانيا الغربية في موسكو أنه إذا تم توقيع معاهدة صلح منفصلة فان القوات السوفييتية سوف تنتشر على طول الحدود بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية،فادت هذه التهديدات إلى رفع درجة التوتر السياسي في الحرب الباردة، وأهم من ذلك إنها زادت من إمكانية فقدان احد الطرفين السيطرة على عملية التصعيد التي بدأ فيها هذان الطرفان،ففكر كندي إرسال قوات إلى برلين إذا تم توقيع صلح منفرد ولكن جميع هذه التهديدات العسكرية الضمنية  كانت غير واقعية إذ لم يكن يوجد في برلين الغربية القريبة سوى 11000 جندي لحماية الحدود الغربية،وكما لم يكن في مقدور خروشوف تغيير وضع برلين دون المخاطرة الحقيقية بحرب نووية  وهو أمر لم يرد أن يفعله،لكن بحلول شهر آب 1961 كانت هناك زيادة ملحوظة في أعداد اللاجئين من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية،مما أدى إلى تفاقم أزمة قلة الأيدي العاملة في ألمانيا الشرقية.إذ تشير الإحصائيات انه خلال المدة 1949 – 1958 فر أكثر من مليوني ألماني شرقي إلى ألمانيا الغربية وان معظم هؤلاء يمثلون الخبرات الفنية للبناء الاقتصادي،لإيقاف ذلك قامت ألمانيا الشرقية بإغلاق حدودها مع ألمانيا الغربية والبالغة 850 ميل من الأسلاك الشائكة فضلا عن وضع حقول من الألغام،وكان اللذين يحاولون الهرب يتعرضون أما إلى القتل والى الاعتقال،وبدأ هذا التطبيق في 12 آب 1962،وثم قامت ببناء جدار عازل يفصل ألمانيا الشرقية عن الغربية وبرر الاتحاد السوفيتي إنشاء هذا الجدار لإيقاف الجواسيس والمتمردين من العبور إلى ألمانيا الشرقية،وفي أثناء ذلك عزز كل من الاتحاد السوفيتي الولايات المتحدة الأمريكية قواتهما في ألمانيا،وكما حصلت عدة مناوشات على الحدود بين الألمانيتين إلا إنها بقيت محدودة.