مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

 

د. اسامة عدنان يحيى

يطلق مصطلح الهندوأوربيون على عائلة لغوية واسعة تضم اللغات التي تنطق بها الآن شعوب عدة بعيدة بعضها كبعد أمريكا عن الهند وشبه الجزيرة الإسكندنافية عن إسبانيا.ويمكن تحديد البقعة التي انتشرت فيها هذه العائلة اللغة اليوم في حدود البنغال وسيبيريا الشرقية في أقصى الشرق وحتى نيوزيلندا واستراليا جنوباً وشواطئ المحيط الهادئ في الأمريكيتين غرباً، وأيضا في أفريقيا الجنوبية وإن كان المتكلمون بها أقلية ضئيلة من السكان.

لقد أطلق عدة تسميات على هذه العائلة اللغوية الواسعة، إذ تسمى عائلة اللغات الهندية أوربية وهي تسمية نسبة إلى أبعد الأقاليم التي بلغتها هجرات هذه الشعوب وهما الهند وأوروبا،أو ان هذه الشعوب كونت الغالبية العظمى من سكان أوربا والهند.وتسمى أحياناً باللغات الآريــة.واشتقت هذه التسمية من كلمة (آري) التي هي أصلاً مشتقة من آريا أي الشعب (الشريف) ومنها اشتقت كلمة آريان في العصر الحديث أي (آري) و(آريون).ويذكر الأستاذ أبو مغلي أن القبائل التي نزحت إلى الهضبة الإيرانية تسمي نفسها (أييري) بمعنى (الشجاع أو الشريف) وقد أطلقت على البلاد التي سكنها أسم اييرين (بلاد الآريين).وترد صيغة الآريين في المصادر المسمارية بصيغة (Ar-ri-i).وكلمة (آريا) وردت في الافستا التي تعني بلاد الآريين وتعني أيضاً في الفارسية القديمة السامي أو المجيد. وقد ذكر المؤرخ والجغرافي اليوناني الشهير المدعو أراتوسثنيس من القرن الثالث قبل الميلاد كلمة (آريانا) (Ariana) بمعنى بلاد إيران.ويرى أحد المختصين في تاريخ الشرق القديم أن مصطلح القبائل الآريــة يعود نسبة إلى موطنها الأصلي في إقليم (إيرانويج). وتعرف هذه العائلة اللغوية أيضاً باسم الهندية إيرانية نسبة إلى أسم الإقليمين الرئيسيين لنزوح هذه الأقوام وهما إيران والهند.وتسمى أحياناً باسم عائلة اللغات الهندية-الجرمانية،وأحياناً باسم الآريــة-الإيرانية.

إن محاولة تعيين مهد الشعب الهندي-الاوربي الأول من الأمور الصعبة التي تواجه الباحث، وقد واجهت نظرية بعد نظرية اعتراضات حقيقية، وأن كل ما يمكن اتخاذه كأساس حول أصول هذه الأقوام هو ما يخص التشابه اللغوي والعقائد الدينية المشتركة التي من الصعب توحي بأصولها الأولى وبالرغم من العديد من الأدلة التي امتلكتها كل نظرية سيقت في هذا المضمار إلا أننا نجد أن بعض التحديدات التي أعطاها بعض المختصين تفتقد إلى الدقة المطلوبة. وأن هناك من الأدلة التي ترجح أن الهجرات الواسعة لهذه الأقوام والنقاط التي دخلت منها هذه اللغات التاريخ وأثرت في العالم المتحضر من الشمال تأثيراً وثيقاً، توحي بأن أصلها من السهول الشمالية، وهنا نجد في هذه السهول الحركة السهلة وهنا وجدت ثقافة بربرية أو مجموعة من الثقافات، تمتاز بنماذج من الفؤوس الحربية الحجرية تقدم في الوقت الحاضر خير مفتاح لحل هذه المشكلة.ويُعتقد ان هذه القبائل كانت تسكن في أرض مناخها جيد وسهلية ليس فيها جبال أو غابات،ومع ذلك أن البعض يحدد الموطن الأول للآريين بشكل أكثر دقة وهي المنطقة الواسعة التي تسقيها أنهار الدانوب والدنيبر والدون والفولغا والتي تمتد إلى جبال الأورال والسهول الواقعة بين بحيرة أورال وبحر قزوين.غير أن المسألة لا يمكن حلها بهذه السهولة إذ يعتقد الأستاذ (رو) من خلال توزيع المناطق اللغوية في العصور التاريخية المبكرة أن موطنهم الأصلي قبل انقسامهم إلى عدة فروع، كان يقع مكان ما بين بحر البلطيق والبحر الأسود ولعله كان في سهول روسيا الجنوبية حيث السهوب الاوراسية.ويحدد اخرون موطن الآريين بوجه عام في المناطق الكائنة جنوبي روسيا أو في منطقة تمتد من جنوب شرق أوربا عبر الأجزاء الجنوبية من بحر (Pontus) ومن أواسط أوربا إلى غرب الأورال في الشرق، والوديان العليا من الأنهار الكبرى وهي الفستولا والأودر والألب والويزر. ومع هذا الجدل حول الموطن الأصلي للآريين قد ترك أواسط أوروبا لتظهر فرضية اخرى ترجح منطقة إيرانويج الواقعة ما بين نهري سيحون وجيحون في المنطقة التي تقع فيها مدن خوارزم وسمرقند وغيرها كمواطن للقبائل الهندو-أوربية. ويرجح أحد الباحثين أن الآريين قد جاءوا من الشمال، أو أنهم جاءوا من الصحارى الواسعة الواقعة شمالي خراسان،أو  إن هذه الأقوام قد اندفعت من المنطقة الممتدة من الدانوب الأسفل شرقاً على طول الجانب الشمالي من البحر الأسود قاطعاً روسياً الجنوبية حتى بحر قزوين.

من الناحية اللغوية تشكل الهندية-الاوربية برأي البعض أما للعديد من اللغات الحالية ومنها الفارسية. وان هذه اللغة لم يترك لها أقوامها أي أثر مكتوب. وإن الدراسة المقارنة لهذه اللغات قدمت أدلة على أن الشعوب الهندية-الاوربية تحتفظ أصلاً بأنماط معيشة متشابهة وأن حياتهم تتألف في الأساس من رعاة بارعين في تربية الجياد، كما كانوا يمارسون الزراعة بشكل متقطع ويعرفون العجلة والزورق فضلاً عن تكنيك المعادن. ويعتقد الباحثون أن هؤلاء الهنود-الاوروبيون كانوا منظمين في عوائل وقبائل تعبد آلهة مجسمة وهذه القبائل يحكمها رئيس أو ملك ينتخب من الأسر النبيلة، ويساعده في الحكم مجلس شورى مكون من الفرسان أو النبلاء وكان الشغل الشاغل لهذه الأقوام الفروسية والحرب، وأن تدجين الحيوان ولاسيما الخيل واستعمال العجلة قد أعطى هذه الأقوام قابلية هائلة على الحركة والتنقل إذ أن ضرورة حماية المواشي أثناء الانتقال بين مراعي الصيف ومراعي الشتاء جعلت منهم مجتمعاً متمرساً بالحرب والقتال.

 

 

 

التعليقات

  1. احمد علق:

    رد: القبائل الهندية-أوربية أصلها وموطنها

    ارجو اخباري باسم كتاب الاستاذ ابو مغلي الذي نقلت عنه معني كلمه اري في الفارسيه
    شكرا

  2. احمد فتحي علق:

    رد: القبائل الهندية-أوربية أصلها وموطنها

    السلام عليكم
    لقد نقلتم عن الاستاذ / ابو مغلي معني كلمه اري في الفارسيه القديمه ، ارجو من سيادتكم اخباري باسم المرجع ، ولكم جزيل الشكر


إضافة تعليق