مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

د. اسامة عدنان يحيى

البحث الاصلي منشور في مجلة الدراسات التاريخية/كلية التربية الاساسية/العدد:8، لسنة: 2010.       

يجد الدارس لحضارة وادي الرافدين صعوبة الفصل بين التاريخ الأشوري والتاريخ العام لهذه الحضارة،نظرا للتماثل الكبير بين مختلف المظاهر الحضارية لهذا البلد.لكن دراسة الحقبة المبكرة في تاريخ أشور تشكل ضرورة ملحة من اجل استيعاب الأصول الأولى للحضارة الأشورية،والتي تتسم بالصعوبة البالغة في متابعتها،إذ إن دراسة هذه الحقبة تصطدم بعقبات كبيرة،فعلى العكس من الجنوب الذي وصلنا منه كتابات غزيرة سواء نصوص تاريخية(قوائم ملوك،كتابات ملكية،نصوص نذرية)،أو نصوص  أدبية(أساطير،ملاحم،مراثي،أدب مدرسي)،أو نصوص قانونية (عقود اقتصادية،عقود زواج،قوائم جرايات،نصوص إصلاحات)،أو نصوص دينية(تراتيل،أدعية،قوائم بأسماء الآلهة) التي تقدم مادة غنية ومهمة للباحث في العصور المبكرة لبلاد سومر،ولكن في بلاد أشور فان الأمر مختلف،ففي العصور المبكرة،لاسيما في عصر فجر السلالات (Early Dynastic Period)،فإننا لا نمتلك أي وثائق من اجل بناء تصور واضح حتى لو كان جزئيا عن بلاد أشور،وقد أشير إلى هذه الحالة من قبل المنقب الألماني  فالتر اندريه (Walter Andréa) انه في أشور نعاني:"من غياب كامل للنصوص الكتابية".لذا فان اعتمادنا الكلي في كتابة تاريخ أشور في هذا العصر سيعتمد بالدرجة الأساس على المادة الاثارية المتوفرة والتي كشفت عنها التنقيبات الاثارية،ومن ثم الإشارات القليلة التي وردتنا من وثائقنا في الجنوب أي بلاد سومر.

          يسمى هذا العصر في بلاد أشور بعصر الطبقة (G-H) ،وان معرفتنا عن هذا العصر ،من الناحيتين السياسية والحضارية ناقصة وغامضة لاسيما في الطورين الأول والثاني من عصر فجر لسلالات،إلا انه في الطور الثالث من هذا العصر أخذت تصلنا بعض المعلومات عن هذه المنطقة.ويؤرخ المنقب اندريه عصر الطبقتين (G-H) بفترة زمنية ترقى إلى الألف الرابع-الثالث قبل الميلاد.هذا ويعد اندريه إن شعب الطبقة (G) معاصرين لسلالة لكش(Lagaš) الأولى أي في عصر فجر السلالات الثالث.لذا لابد من تخفيض تواريخ اندريه وربما كان عصر الطبقة (H)في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد.

          لا نعرف شيء عن التنظيم السياسي لبلاد أشور خلال هذا العصر ويعتقد احد الباحثين انه على الرغم من ورود إشارات عن شمال بلاد الرافدين لكنها لم تذكر الأشوريين،مما يؤكد على أنهم لم يؤسسوا بعد كيان سياسي لهم.ونمتلك إشارة في كتابة لـ (اياناتوم) (Eanatum) حاكم من سلالة لكش الأولى انه واجه حلفا عسكريا أقيم بين عيلام(Elam) وبلاد سوبار(Subar) ومدينة أورو- أ (Uru-a)وانه انتصر عليهم أو كما يقول اياناتوم:

elam Subarki Uru-aki a-Šhur-ta tum-Šè bi-Šè

أي:"عيلام (و) سوبار (و) أورو- أ،وذلك ابتداءً من قناة اشخور،بالسلاح قد ضربها".

          إن الذي يهمنا في النص هو اشتراك سوبار في الحلف،وهو الاسم المرادف لبلاد أشور،ومن الجدير بالملاحظة إن اياناتوم يذكر سوبار وبعدها اللاحقة (Ki) والمعروف إن هذه اللاحقة تتبع أسماء المدن والمناطق،الأمر الذي يشير إن الاسم سوبار ذا دلالة جغرافية وليس قومية.وان هذا النص يشير إلى مسألتين مهمتين وهما اشتراك سوبار(Subar) في حلف عسكري مما يشير إلى امتلاكها قوة عسكرية معدة للحرب،والمسألة الثانية هي إنها أقامت علاقات سياسية مبكرة مع المناطق المجاورة.لكن ذلك يصطدم بشكل مؤكد مع نتائج التنقيبات الاثارية،فقد أشار اندريه إن سكان أشور خلال عصر الطبقتين(G-H) كانوا على ما يبدو مسالمين،إذ لم تكشف التنقيبات عن أية تركة حربية لهم،فصحيح إن هيكل الآلهة ليس المحل المناسب لكي يزين بالأسلحة،لكن لابد من وجود اثر ما في موضع ما من المدينة لتلك الأدوات،كذلك لم يبق شيء من التحصينات الأشورية لتلك الفترة السحيقة،ويرى هذا المنقب انه يجب أن ننسب القبور القديمة التي حرص السكان على أن يدفنوا فيها مع الرجال أسلحة برونزية،إلى ادوار أشورية لاحقة،ربما منتصف أو نهاية الألف الثالث قبل الميلاد(لابد من التذكير هنا إن تواريخ اندريه مرتفعة) بسبب ما تحويه من الأواني الفخارية.لذا يفترض اندريه إن بلاد أشور خلال هذه الفترة لابد إنها عاشت تحت حماية قوية،ولم تكن هذه الحماية إلا من الجنوب بل يذهب اندريه إلى ما هو أكثر ويقول انه ربما كان شعب الطبقة (G)أصلا من السومريين (يسميهم اندريه بابليين نسبة لبلاد بابل)،أي إن بلاد أشور كانت خاضعة سياسيا إلى إحدى الدويلات الجنوبية،ويستند اندريه في رأيه هذا إلى عدة أسباب وهي:

1.تشييد سكان أشور في هذا العصر معبدهم حسب الخطة الجنوبية.

2.الاختلافات الملفتة للأنظار التي تظهر في رؤوس التماثيل،والتي افترض سابقا ماير (Meyer) وجود عرقين من البشر متعايشين جنبا إلى جنب.وهذه المسألة تتعلق بالرجال فقط،حيث يبدو بعضهم حليقي الرؤوس فضلا عن اللحية،وهذا نشاهده أيضا في الجنوب لاسيما في بسمايا وتلو،بينما يظهر رجال آخرون حليقي اللحية أيضا لكن لهم شعر غزير منسدل إلى الخلف،حيث يستقر فوق الرقبة على شكل ضفيرة.ويصادفنا هذا الشكل في أعمال النحت في بسمايا ونفر وتلو.

3.وجود تناقض بين التماثيل الأشورية والسومرية،إذ تغيب تماما النقوش الكتابية من التماثيل الأولى التي تظهر في معظم التماثيل السومرية،وهنا يتساءل اندريه هل إن شعب أشور يجهل الكتابة ؟ إن ذلك غير ممكن برأي المنقب،فقد عثر في منطقة القصر القديم في أشور على كسر لرقم مشوية تحمل علامات كتابية،وقد وجدت هذه الكسر في الطبقات العميقة جدا التي لابد إنها تتطابق مع طبقة المعبد (G)أو (H).ولهذا يرى هذا المنقب بأنه ربما كانت الكتابة على التماثيل امتيازا للأمراء الكبار،بينما كان يجب على الأمراء الأصغر شأنا الاكتفاء بصنع تماثيل فقط دون نقش أية نصوص.

          من خلال ذلك يخلص اندريه إلى نتيجة مفادها إن شعب الطبقة(G) كان تابعا لأحد الحكام من الجنوب،كما حصل لزريقوم الذي حكم لاحقا في عصر سلالة أور الثالثة.غير إن هناك أسباب وجيهة تجعلنا نرفض رأي اندريه،وان أشور في هذا العصر لم تكن خاضعة للجنوب،فبالنسبة للحجة الأولى الخاصة ببناء السكان معابدهم على غرار المعابد البابلية،فلا يشكل دليلا على سيطرة سياسية من الجنوب،طالما إن المؤرخين يؤكدون إن بلاد أشور كانت خاضعة طوال الألف الثالث قبل الميلاد لمؤثرات قادمة من الجنوب.وان القول بوجود عرقين من البشر في أشور على أساس الاختلاف في النحت،فهو أمر لا يمكن الركون إليه لان المنحوتات تخضع للأذواق الفنية أكثر مما تعكس اختلافات عرقية،فضلا عن إن استخدام المنحوتات كأدلة لاختلافات قومية أصبح مرفوضا من قبل الباحثين المحدثين.وان غياب النقوش من التماثيل الأشورية ربما يعود بالفعل إلى عدم معرفة السكان بالكتابة،ويبدو إن هذا الأمر هو الذي جعلنا لا نشهد وثائق كتابية من هذا العصر في أشور،ويشير العالم الألماني اوتو ادزارد إلى حقيقة إن العلاقات بين بلاد بابل وبلاد أشور كانت مغلقة إلى درجة ما،بسبب وجود جبل حمرين،وهو فرع من سلسلة جبال زاكروس،والصحراء الواقعة إلى الجنوب منه.ويعتقد ادزارد إن ذلك هو السبب في عزلة بلاد أشور لذلك فإنها لم تحصل على الكتابة إلا في وقت متأخر كثيرا عن بلاد بابل،فهناك بعض النصوص تظهر فقط في أشور فقط خلال الفترة الأكدية.وان الافتراض الذي يقول إن غياب النقوش الكتابية من التماثيل في أشور بسبب إن ذلك امتيازا خاصا بالأمراء الكبار وليس من حق الأمراء الأصغر شأنا يتناقض مع نتائج التنقيبات الاثارية،فقد عثر في ماري(Mari)(تل الحريري قرب البو كمال الحالية) على تماثيل عليها كتابة أعانت الباحثين على معرفة أسماء الأشخاص الذين تصورهم التماثيل ومنها تمثال الطحان أيدي-ناروم(Idi-Narum) والمغنية أور-نانشة               (Ur-Nanše)،وليس هناك من دليل على إن هؤلاء كانوا من الطبقة الحاكمة.

          نخلص من هذا إن محاولة البرهنة على إن بلاد أشور كانت خاضعة للجنوب في هذا العصر،لا يمكن الأخذ بها ما لم تتوفر أدلة كتابية تؤكد هذه المسألة.هذا ويمكن الافتراض إن بلاد أشور خلال هذه الحقبة على غرار الجنوب كانت تتألف من عدد من الدويلات مثل أشور ونينوى،رغم وجود رأي يقول إن  بلاد أشور  لم ينشأ فيها نظام دول المدن في عصورها القديمة على غرار ما ظهر في الجنوب.ونقرأ في نص يعود لأحد حكام الجنوب وهو لوكال انيموندو حاكم دولة اداب (Adab) والذي حكم حسب ما يذكر الإثبات السومري للملوك تسعون سنة والذي ربما كان من ملوك سومر العظام.وقد وصلتنا منه وثيقة متأخرة تدل على انه كان غازيا كبيرا بسط نفوذه من الأراضي الواقعة بين البحر المتوسط حتى جبال زاكروس،ووصفته الوثيقة بملك الجهات الأربعة،وتتحدث عن بنائه معبد اينامزو وتذكر حضور وفود من الدول المجاورة ومنها بلاد سوبارو (سوبير) مع أضاحيهم للمشاركة في هذه المناسبة.فإذا ما أخذنا ما ورد في هذه الوثيقة كحقيقة تاريخية فان ذلك يعني وجود علاقات سياسية مبكرة بين بلاد أشور والجنوب.ومن الجدير بالذكر إن الوثيقة تشير إلى إن الوفود الذين حضروا كانوا بصفتهم سوكال ماخ(Sukkal-Mah) وهي كلمة سومرية تعني وزير الملك.ويترجمها ادزارد الوزير الأقدم وان سوكال في الأصل تعني مبعوث أو رسول.مما يشير إلى وجود تنظيم إداري جيد في أشور في هذه الحقبة.

          إن محاولة الاعتماد على المادة النصية القادمة من الجنوب لمعرفة تاريخ أشور مخيبة للآمال فالوثائق السومرية لا تقدم لنا معلومات ذات شأن مهم،ولا يمكن من خلالها رسم حتى تصور أولي عن هذه المنطقة.

          أما الجوانب الأصعب والاهم في تاريخ أشور وهي مسألة أصل السكان الذين استوطنوا هذه الأرض،ففي ظل غياب المصادر الكتابية تبقى المسألة غامضة ومربكة.فكما رأينا إن المنقب اندريه اعتقد انه من الممكن إن سكان أشور ربما كانوا من السومريين،نظرا للتشابه الكبير بين المظاهر الحضارية في الشمال والجنوب،ولكن هل يمكن للنصوص الكتابية المتوفرة في الجنوب تعطينا أضواء على التركيب العرقي لبلاد أشور؟هنا أيضا كانت مصادرنا من سومر مخيبة للظن باستثناء التسمية التي ظهرت في نص اياناتوم وهي سوبار.فهل هذه نفس المنطقة الواردة في نص لوكال انيموندو باسم سوبارو/سوبير والنصوص الخاصة بإخبار سرجون الاكدي وهي سوبارتو(Subartu) ؟ ليس من غير المعقول أن نفترض إن سوبار هي نفسها سوبارو وسوبارتو،وكما ذكرنا سابقا إن تسمية سوبار تحمل مدلولا جغرافيا وليس عرقيا،والحقيقة إن موقع سوبارتو يصعب تحديده بشكل قاطع ويفترض بوتيرو إن منطقة سوبارتو تقع في أعالي وادي الرافدين في المنطقة الممتدة من جبال زاكروس إلى الخابور والبليخ،وربما إلى أكثر من ذلك غربا.وكان يقع ضمن هذه المنطقة بلاد أشور الأصلية.بينما يعين الأستاذ الأمين هذه المنطقة بأنها الواقعة إلى شمال كركوك وشرقيها.فهل يمكن أن تكون تسمية سوبارتو  تدل في العصور المبكرة على منطقة أشور ؟في النصوص المتأخرة فقط يمكن أن نجد هذه المطابقة،فالملك دادوشا حاكم اشنونا في العصر البابلي القديم(2006-1595 قبل الميلاد) يتحدث عن جيش حاكم ماري الأشوري يسمخ ادد (Ismuh-adad) ويقول عنه:"جموع سوبارتو وخانة".وان قائمة سنوات حكم حمورابي ملك بابل (1792-1750) يرد فيها تسمية بلاد أشور بصيغة سوبارتو.ونجد إن الملك البابلي مردوخ-ابلا-ايددينا (721-710) يطلق على الملك سرجون الثاني(722-705) اسم ملك السوباريين وليس الأشوريين ويسمي جيشه جموع سوبارتو.وفي نص يعود إلى نابونائيد يصف ملك أشور سنحاريب ويسميه ملك سوبارتو.إن الأدلة السابقة تشير بشكل جيد إلى إن أشور/سوبارتو اسم لمنطقة واحدة،أطلق عليها في النصوص اسم سوبار-شوبور-سوبير-سوبارتو-شوبارتو.وهنا يبرز التساؤل من هؤلاء السوباريين الذين تركوا اسمهم على هذه المنطقة حتى أواخر حضارة وادي الرافدين؟

          إن النظرية السائدة تقول إن السوباريين كانوا من أوائل من سكن بلاد أشور،وهم الذين سبقوا الأشوريين في الاستيطان،ويرجح أن يكون الاسم الأصلي لبلاد أشور كما أسلفنا،(سوبارتو)أو (شوبارتو)أو (سوبير)،نسبة إلى أولئك السوباريين.وان أصل السوباريون ولغتهم غير معروفة،وكل ما قيل عن لغتهم إنها ليست من عائلة اللغات الهندية-الأوربية،وأنهم كانوا من الأقوام الجبلية في الجهات الشرقية مثل الكوتيين واللولوبيين،وكانوا يقطنون قي شمالي ما بين النهرين في منطقة الجزيرة العليا وشرقي دجلة،وكان يقع ضمن موطنهم المنطقة الشمالية من العراق التي عرفت باسم بلاد أشور،وذلك قبل هجرة الأشوريين إليها في الألف الثالث قبل الميلاد،إذ أزاحوا القسم الأكبر من السوباريين إلى المناطق الجبلية شرقي دجلة. ولكن الأستاذ كريمر يرى بان ما يعرفون باسم الفراتيين الأوائل الذين سبقوا السومريين في الاستيطان يمكن أن نطابقهم باسم السوباريين فإذا ما صح هذا الافتراض فان الحضارتين الجنوبية والشمالية ربما تعود إلى نفس الجذور الأولى.فضلا عن ألا يمكن النظر إلى إن حضارة شعب الطبقة (G-H) كانت سوبارية،أي بتعبير أدق هل يمكننا الافتراض إن حضارة  هذا العصر هي حضارة سوبارية وليست أشورية؟ هل يمكن أن ننسب اللقى الاثارية التي عثر عليها والتي تعود لهذا العصر في أشور إلى أولئك السوباريين المجهولين المتأثرين بالحضارة السومرية؟إن السبب الذي يدفع إلى هذا الاعتقاد إن سكان أشور في هذا العصر لو كانوا أشوريين لذكروا باسمهم وليس باسم السوباريين،ولكن النصوص المسمارية تذكر صراحة بلاد سوبار/سوبارتو وليس بلاد أشور.ومع ذلك هل يمكن إن الأشوريين يكونوا قد دخلوا شمال العراق في هذا العصر؟ إن هناك افتراض يقول إن الأقوام الرئيسة التي استوطنت بلاد أشور منذ فجر التاريخ هي تلك التي قدمت من ناحية الغرب عن طريق سوريا ومنطقة الجزيرة.ويظن إن أول هجرة كبيرة معروفة حدثت في أواخر الألف الرابع وبداية الألف الثالث قبل الميلاد واتجهت نحو القسم الوسطي والجنوبي من العراق وعرفت بالهجرة الاكدية في حين اتجهت مجموعة منها إلى المنطقة الشمالية من العراق مكونة طلائع الأقوام الأشورية.ومما يؤكد إن طلائع الأشوريين يؤلفون هم والأقوام الاكدية في الأصل موجة بشرية واحدة جاءت عن طريق الغرب،إن اللهجة الأشورية القديمة واللهجة الاكدية القديمة،تتشابهان إلى درجة ظن بعض الباحثين بأنه لابد إن كان الأشوريون قد استقروا في الجنوب إلى جانب الاكديين قبل نزوحهم إلى الشمال.غير إن هذا تفسير التشابه بين اللهجتين بانحدارهما من أصل واحد وارتباطهما الوثيق من بعد استقرار كل من الأشوريين والاكديين في منطقتين مختلفتين.ربما إن التنقيبات المستقبلية في العراق والدراسات القادمة ستستطيع أن تجيب على هذه الأسئلة؟

          لا نعرف الكثير عن حضارة الطبقة(G)،وان المعلومات المتوفرة هي تلك التي حصلنا عليه نتيجة التنقيبات الاثارية.وان الوصف التالي لهذه الحضارة سيعتمد على نتائج هذه التنقيبات.

          ليس لدينا معلومات كافية تخص الحياة الاجتماعية في أشور خلال هذه الحقبة،سوى ما عثر عليه من لقى اثارية،منها بقايا البيوت الطينية،إذ كان الطين هو المادة الأساسية في البناء،في شمال العراق وجنوبه وهو المادة الرئيسة الأوفر والأكثر اقتصادا والأقل كلفة والأكثر قدرة على التطويع والتشكيل.فقد كانت في أشور البيوت طينية،وهذا ينطبق كذلك على كبار القوم وأمرائهم.ويمكن لهذه البيوت أن تتشابه مع أبنية المعابد في مخططاتها وترتيب أجزائها:غرف نوم حول فناء واحد أو فنائين،وغرفة كبيرة واحدة أو غرفتان،ومداخل تؤدي إليها من خلال الزقاق وان أرضية البيوت عبارة عن تراب  أو حصى مدقوق،أما الحجارة المنبسطة والأجر المشوي فلا يتوفران إلا عند العتبات فقط،وربما وجدت فوق الأرضية حصيرة مصنوعة من القصب(الذي لابد وان كان يجلب من الجنوب)،لان عموم السكان كانوا يجلسون على الأرض،أما الكراسي فكانت مخصصة في الأصل للإله فقط،أو للأمراء.وكان الكرسي عبارة عن مقعد مكعب الشكل بلا مسند يكون سطحه المخصص للجلوس مقعرا.وقد عثر في أماكن متعددة من المعبد أجزاء مرتفعة تشبه المقاعد تمتد على طول الجدران تصلح للجلوس،كما إنها مثل الجدران تصلح للجلوس،كما إنها مثل الجدران مبنية باللبن ومطلية بملاط طيني.ولا نعلم ما إذا كان مثل هذه المقاعد قد توفرت في البيوت أم لا؟وقد عثر في تلو مقاعد شبيهة بهذه لكن الاستخدام الحقيقي للغرف التي وجدت فيها غير معروف تماما على الرغم العثور على العديد من الرقم الطينية فيها.ولم يصلنا شيء ومن الحاجيات التي كانت تدخل في مجال الاستعمال اليومي،باستثناء تلك المصنوعة من الفخار،فالمواد مثل الأخشاب أو المنسوجات تتلف بسرعة في المناخ والرطوبة العالية.

          زاول السكان عدداً من الحرف وبلا شك كانت الزراعة أهمها،فالمعروف إن في كل إقليم من بلاد أشور توجد مساحات صغيرة من أراضي الحبوب،وكانت هناك منطقتان واسعتان بالذات منتجتان بشكل واضح للحبوب،الأولى هي سهل اربيل- ولا نعرف إن كان هذا الإقليم كان من ضمن حدود بلاد أشور في ذلك الحين-الذي يوصف بأنه أحسن إقليم منتج للقمح في العراق،والمنطقة الثانية هي سهل الموصل.والى الغرب من دجلة هناك حزام من الأراضي الصالحة للزراعة في منطقة الجزيرة إلى الجنوب من وجبل سنجار،ويمكن أن نلحظ انه في السنوات الجيدة ينمو الشعير في هذا السهل إلى الخط الذي يصل بين الحضر وقلعة الشرقاط (موقع العاصمة القديمة أشور).ونعرف عن وجود عدد من الحرف من الشواهد الاثارية فقط،إذ كانت النجارة مزدهرة في ذلك العصر،ونمتلك عنها معلومات من خلال التماثيل الجالسة التي وصلتنا.ونعرف أيضا وجود حرفة الحفر على العاج،أما صناعة النحاس فيشير إليها منجل عثر عليه في معبد عشتار.وكانت صناعة الفخار مزدهرة،وقد وصلتنا نماذج من الأواني الفخارية المستخدمة في أشور والتي تعد من حيث شكلها وصناعتها مساوية لأفضل ما قدمته صناعة الفخار خلال العصور الأشورية.استخدم السكان أنواع متعددة من الفخاريات،فهناك وعاء خزن الماء المستعمل في البيوت والذي كان يركب فوق حامل خشبي،ويوضع تحته وعاء أخر لتجميع قطرات الماء المرشح،كذلك هناك الأقداح والأطباق والكاسة التي تستخدم لشرب الماء.فضلا عن أوعية الطعام،ومواقد الفحم لموسم البرد،ومجاري وأحواض الغسيل.وهناك أدوات واوانٍ مصنوعة من الفخار المشوي خاصة بالصلاة والعبادة.ويبدو تلوين أو نقش الأواني بالمعنى الحقيقي لم يكن مألوفا في ذلك العصر،وكل ما نعرفه هو أعمال بسيطة فقط مثل التنقيط بنقط سوداء أو رسوم دوائر أو ما شابه،وقد اقتصدوا كثيرا في هذه الأعمال التي تظهر في الغالب على رقاب وأكتاف الآنية.وان اللونين الأسود والأحمر المستخدمان على الآنية،كانا مستخدمان في عهود ترقى إلى ادوار ما قبل التاريخ وصولا حتى عصر الطبقة (H).ولا نعرف كيف كانوا يقومون بصناعة الألوان،وقد أشير بشكل عام إلى إن نقوش الفخاريات لونت بألوان من أصل عضوي ومعدني،واستخلصت الألوان العضوية من عصير النباتات أو الكربون،والمعدنية من اكاسيد الحديد والمنغنيز.وكانت اللون الأسود ينتج من استعمال عصير النباتات الذي يصبح اسود إذا كانت حرارة الكورة المستخدمة لشي الفخار قليلة ومدتها قصيرة.وكذلك يتم الحصول على اللون الأسود من اوكسيد الحديد أو اوكسيد المنغنيز أو الكربون.أما اللون الأحمر فيتم الحصول عليه من اوكسيد الحديد أيضا.كانت زخرفة أواني الطبقة (G)،أما بارزة أو غائرة،فالأوعية الكبيرة تزين عادة بحلقات منتفخة مثل الحبل،وهذه تزيد من تماسك الإناء وقوته،ويقل عددها في الأواني الصغيرة،وكذلك تشمل الزخرفة خطوط متموجة ومستقيمة ونقاط تنتج بوساطة الخدش والحز.

          كشفت التماثيل عن الأزياء التي لبسها السكان في هذا العصر،ويشير مورتكات إن الأمير-الكاهن عادة ما يظهر وهو حليق الرأس في أكثر الأحيان وفي لباس يسمى التنورة ذات الخصل الصوفية (الكوناكس) المؤلفة من سبعة صفوف أفقية من الخصلات الصوفية بعضها فوق بعض.ويبدو إن هذا الزي هو الذي كان سائدا خلال هذا العصر ويمكن أن نقارن الملبس في تمثال وصلنا من أشور مع الملابس التي تظهر على التماثيل من أنحاء مختلفة من وادي الرافدين،مثل التمثال من الرخام لرجل من خفاجة(في ديالى) ،أو التمثالين من ماري المصنوعان من حجر الكلس لـ(ايتور شامكان)،و(ناني).ونشاهد نفس الملبس يرتديه ابن اياناتوم حاكم لكش باستثناء إن الملابس التي يرتديها تتألف من خمسة صفوف أفقية من الخصلات الصوفية.ونشاهد الحاكم انتمينا يرتديه في تمثال من حجر الدورايت.وتظهر النساء وهن يتركن الكتف الأيمن والثدي عاريين ويعتقد اندريه إن هذا الزي يرتدى فقط أثناء الصلاة،وفي تمثال تظهر امرأة برداء كأنه حجاب كامل ويبدو الرداء في شكل عباءة ترتدى فوق الملبس الاعتيادي.وتصنع هذه العباءة من قطعة قماش بخصل مستطيلة الشكل،وبحافة عليا مقلوبة بحيث إن الخصل المسحوبة إلى الداخل تظهر في الأعلى كياقة متجهة للخارج.ربما فقط النساء الأحرار يرتدين مثل هذه الثياب،أو بتعبير أدق كانت النساء الأحرار يظهرن بحجاب كامل،كما تشير إلى ذلك المادة القانونية المتوفرة من العصر الأشوري الوسيط،وربما يمكننا الافتراض وجود مثل هذه الحالة في العصور المبكرة.فضلا عن ذلك تعطينا التماثيل تفاصيل أخرى عن أدوات الزينة،فقد ارتدت النساء القلائد من الخرز،وكذلك الحلق،وتعرفنا الأشكال الفخارية عن مشبكات الأذرع.

          إن معلوماتنا عن المعتقدات الدينية خلال هذا العصر قليلة،فلا نمتلك مادة كتابية حول العبادة أو الطقس الديني،ولا نعرف شيئا عن مجمع الآلهة،باستثناء الافتراض عن وجود عبادة للربة عشتار(ايناننا السومرية) على أساس المعبد الذي كشفت عنه التنقيبات والذي يعود في عصور لاحقة إلى هذه الربة.ولا نعرف إن كان الأشوريون في هذا العصر موجودين في أشور أم لا ؟و لا نعرف كذلك إن كانت عبادة الإله أشور المعبود الرئيس للأشوريين كانت موجودة ؟

          كشفت التنقيبات في أشور عن بقايا معبد مهم شيد لعبادة الإلهة عشتار،وقد سجل لهذا المعبد دوران رئيسان،أقدمهما دور التأسيس وهو المعبد المسجل بحرف (H) في التنقيبات،والذي شيد على الأرض البكر،ثم شيد فوقه المعبد الثاني وفق المخطط نفسه وهو المعبد (G).ويشير الفخار الذي وجد في المعبد إلى انه استمر في الاستعمال في الطور الثاني وأوائل الطور الثالث من عصر فجر السلالات.وكما نوهنا سابقا فانه لا توجد فروق كبيرة بين المعبد في هذا العصر والبيوت السكنية،فيما عدا وجود غرفة الإله التي تمتاز بجدران سميكة ومساحات واسعة.إن غرفة العبادة تقع على الفناء حتى إذا كان الفناء لا يؤدي إليها مباشرة،وكان الشخص الداخل إليها يجد نفسه في زاوية المكان وعليه أن يستدير شمالا لكي يستطيع رؤية الإله.وربما كان هناك مكان مرتفع لنصب تمثال الإله،هذا الموضع يبدو مرتفعا جدا في المعابد الأشورية المتأخرة،نسبة إلى الموضع الواطئ في المعابد البابلية الذي لا يزيد عن سلم ذي درجة واحدة،لذلك كان لابد من وجود درج للوصول إلى سطح القاعدة المرتفع،بينما كان البابلي القديم يقف بنفس الارتفاع مع تمثال إلهه تقريبا.ومن الملفت للنظر انه لم يبق أي اثر للتمثال المعبود في المعبد.وربما كان الموضع المرتفع يقع عند الجدار الضيق وعلى يسار الشخص الداخل.وفي عصر الطبقة(H)كان موضع الإله يبرز عن بقية أجزاء الغرفة بواسطة أعمدة جدارية على كلا الجانبين،بحيث نشأ عن ذلك مكان صغير يمكن أن نسميه(bïtrëši) (البيت الرئيس)،ويفترض اندريه إنهم عمدوا إلى عزله بستارة أو حصيرة،رغم لا يوجد ما يؤيد ذلك لافتقارنا للنصوص الكتابية.

          لا تعرف أمورا كثيرة عن الطقوس الدينية وربما كان الأفراد يُصّلون إلى اله وهم عراة،ففي مشهد في نحت بارز نشاهد رجلا وهو يقدم قربانا من المشروب،مرة إلى اله ملتحٍ وأخرى إلى إلهة أنثى،والرجل عارٍ تماما وحليق الشعر كليا.ومن خلال المشهد السفلي نتعرف على رجلين حليقا شعر الرأس تماما يسوقان ماعز وخروفا جبليا،ويحمل الرجل الذي يسير في المقدمة شيئا ما على رأسه،وهما يرتديان تنورة ذات الخصل.ويمكن أن نشاهد من إن احد الرجلين يمسك بيده اليمنى شيئا له صلة بالعبادة موضوعا فوق رأسه،بينما يرفع الثاني يده بأسلوب يدل على إيماءة الصلاة.وربما كان الرجلان في الإفريز الأسفل لا يمثلان مباشرة أمام الإله مثل واهب المشروب،لذا فهما لا يزالان يرتديان ملابس دنيوية اعتيادية أي التنورة ذات الخصل.وربما كان الشخص العاري يمثل كاهنا في حين إن المتعبدين يرتدون ملابسهم الاعتيادية،ويشير الأستاذ فون زودن انه في العصر السومري يبدو انه توجب خلال بعض تقديم القرابين أن يظهر احد الكهنة عاريا أمام الإله،وربما كان ذلك ليدلل على طهارته التامة.

          يمكن أن نفهم من التماثيل في المعبد إن علاقة المصلين بالإله كانت علاقة قريبة،حميمة وشخصية،فالإله قريب وحاضر دائما،وانه يقيم مع البشر في مكان واحد،والإنسان يخطو إليه كما يتقدم نحو أي مخلوق حي،يتكلم معه ويتلقى أجوبته ويقدم إليه القرابين.هكذا هي كانت الصورة في المعابد السومرية وليس هناك أي مبرر- نظرا للتشابه الكبير بين المظاهر الحضارية بين الجنوب والشمال- لكي نتصور حالة سكان الطبقة (G) في أشور يختلف كثيرا،لكن العلاقة هنا ربما تأثرت بمقدار ضئيل بسبب وجود تمثال الإله فوق مكان مرتفع مقارنة بالإله البابلي.ولكن لا نعرف شيء عن تمثال الإله وربما كان مصنوعا من مادة سريعة التلف ومغطى بملابس حقيقية مليئة بالزخارف والحلي.كان من النادر أن يدخل المرء إلى المعبد دون قربان،ونشاهد هذه الحالة في العديد من مشاهد الصلاة.وفي معظم الأحيان تقوم آلهة اقل شأنا ومنزلة بتقديم المصلي إلى الإله الكبير المتربع على عرشه،لذلك لم يكن يسمح للمصلي بالظهور أمام الإله بمفرده ومن تلقاء نفسه بل يحتاج إلى من يقوده ويقدمه.هذه الحالة نشاهدها بشكل جيد في الجنوب،ويعرف الإله الثانوي عادة بين الباحثين باسم الإله الحامي أو الشخصي،ففي الأختام الاسطوانية هناك مشهد يمثل فردا عابدا يقدمه اله أو إلهة إلى بعض الآلهة من مقام ومرتبة أعلى.وربما إن كهنة بزي آلهة هم الذين تولوا هذه المهمة.ولكن ماذا تمثل هذه الآلهة في أشور؟ إن غياب الوثائق يجعلنا لا نفهم دورها،لكن في سومر كان لابد للإنسان من اله شخصي،وسيط للتدخل من اجله أمام الآلهة،وسيط تكون الآلهة الكبرى راغبة بالسماع إليه،فالإله الحامي أو الشخصي أشبه ما يكون بالملاك الطيب لكل شخصية مهمة ورب أسرة، الذي يعنى بعائلة ذلك الإنسان عناية خاصة،فهو بمثابة والد الإنسان الإلهي الذي أنجبه،أو ربما هو تشخيص لحظ الفرد ونجاحه في الحياة.فالفرد في وادي الرافدين لا ينظر إلى الآلهة الكبار إلا كقوى نائية ليس له أن يتضرع إليها إلا في الأزمات الشديدة،و لا يفعل ذلك إلا عن طريق هذا الإله الوسيط.هذه هي صورة الإله الحامي في بلاد سومر،ولا نعرف إن كانت هذه الصورة هي نفسها في بلاد أشور أم لا ؟ ومع ذلك ليس هناك من مبرر للقول إن الأمر لم يكن هكذا في بلاد أشور.

          كان هناك شتى الأنواع من القرابين التي يحملها المصلي للإله،سواء كان قربانا حيوانياً أو نباتيا،وقرابين سائلة مثل الماء.ونشاهد في المنحوتات أسلوبان عند سكب الماء وهما،السكب من وعاء الهبات إلى إناء ثانٍ،أو السكب على الفاكهة أو باقات الورود.وان الطريقة الأولى تعد واقعية،أما الثانية فهي تمثل إجراء ذي معنى مجازي،إنها تُري الإله وهو يقوم بسقي الفاكهة والأشجار في الحقول والبساتين بماء المطر.كان المصلي يحمل القربان بيده إلى الإله،أو يحل محله أحيانا خادما يتولي هذا الأمر،ويسير خلف سيده صاحب القربان مرتديا زيه ومقلدا إيماءات صلاته.وبعد ذلك يجري ذبح الحيوان قربانا للإله.وربما يتم ذلك عند مدخل غرفة الإله،والسبب في هذا الاعتقاد وجود حوض مربع ومجرى ماء بالقرب من هذه الغرفة،ومن المحتمل إن دم الذبيحة يجمع في وعاء من الفخار مربع الشكل،وهو الذي عثرت التنقيبات على كسر منه في الغرفة.وكانت قطع اللحم الجيدة كالرأس والأضلاع والأفخاذ تقدم عادة للإله،وتوضع فوق منضدة القرابين الصغيرة التي لا يزيد ارتفاعها عن المتر الواحد،والمصنوعة من الفخار المشوي.وكشفت التنقيبات في المعبد عن حوامل فخارية عالية تنصب على مقربة من الإله،الغرض منها تهيئة مكان لباقات الزهور أو لحزم من الثمار،أو يوضع في أعلى الحامل الفخاري طبق ثابت في فوهته العليا أو متحرك يوضع عند الاستعمال.للطبق فتحات تسهل حرق الأخشاب ذات الرائحة الطيبة أو البخور.كانت المعابد في أشور مليئة بتماثيل نذرية لأمراء وأميرات وكهنة،وربما لأناس أدنى منزلة اجتماعية،وهذه الظاهرة نشاهدها في ماري أيضا وفي معبد الإله سين في خفاجة،والتي تعود إلى بدايات الألف الثالث قبل الميلاد.وان أفضل صورة عن أهمية وغرض التماثيل النذرية يقدمها لنا معبد عشتار الطبقة(G) من أشور.إذ وضعت أمام تمثال الإله في البيت الرئيس (قدس الأقداس)،مباخر عالية ومذابح مدرجة على شكل بيوت،بينما انتصب على كل مقعد من المقاعد الموضوعة على كلا الجدارين الطويلين تماثيل واقفة وجالسة لمصلين رجالا ونساء،كان غرضهم عبادة الآلهة واستمرار لتوسلاتهم إليها سعيا وراء إطالة الحياة،وكانت هذه التماثيل اصغر بكثير من الحجم الطبيعي للإنسان العادي؛ودائما كانت منحوتة من الحجر الجيري الهش ونادرا ما استخدم حجر الديورايت،وقلما يوجد بين هذه التماثيل من يحمل اسم صاحبه،وتعد هذه التماثيل الوريث المباشر لطراز تماثيل معبد ابو في مدينة اشنونا،غير إنها تختلف عنها كونها اقل تجريدية واشد تقيدا في النواحي الجسمية.إن افتقارنا للمادة الكتابية يجعلنا لا نعرف بشكل جيد أهداف هذه التماثيل،ومرة أخرى لابد من الاستعانة بمادة نصية من بلاد سومر حتى نفهم مغزاها بشكل أوثق.إن التماثيل النذرية من بلاد سومر وفي ديالى مصنوعة بلا استثناء للمعابد السومرية،وعثر عليها في بقايا هذه المعابد.وان هدف هذه التماثيل واضح،إذ وجد الفرد في الحجارة بديلا منحوتا له،وهذا ما تؤكده الكلمات الفعلية المستخدمة عند الكتابة على هذه التماثيل،مثل:"إنها تُمنح للصلاة"،وهو نقش عثر عليه في احد التماثيل من لكش،وهناك تمثال أخر يذكر:"قل أيها التمثال لمليكي(الهي)..."،فالتمثال يتحدث حديثا مباشرا إلى الإله.لا نعرف إن كان الأشوريون هنا كانت لهم نفس الأفكار فيما يخص التماثيل النذرية،ولكن وجودها في المعبد يعطينا  انطباعا إن الأمر هنا لا يختلف كثيرا عما كان يفكر فيه الناس في سومر.

          لقد قدمت لنا المنحوتات إشارة إلى وجود الآلهة،وان النحت البارز الذي ناقشناه سابقا الخاص بتقديم القرابين،يظهر فيه صورة اله والهة،ولكن لا نعرف من هم،وان الدليل ألعماري الذي يشير إلى وجود معبد للربة عشتار،يدل إلى عبادة هذه الربة التي نجهل المعلومات عنها هنا في بلاد أشور.وتظهر في الأشكال الصغيرة المصنوعة من الفخار صورة امرأة وهي تمسك الثدي وهذه إشارة إلى ربة الخصوبة،في مرة واحدة فقط،وعثر على شكل المرأة ومعها الطفل.ونحن نعرف في اقل تقدير إن النموذج الأخير شمالي بشكل لافت للانتباه،ويظهر في وقت مبكر في دور العبيد الشمالي(الألف الخامس قبل الميلاد)،فقد عثر في قرية تبة كورا (تقع على بعد 15 ميلا شما شرقي الموصل)،إلى نوع من دمى الطين ممثلة على هيئة امرأة تحمل على صدرها طفلا،وفسر المشهد بأنه يمثل الربة الأم.هل يمكن أن نفسر التماثيل الصغيرة الفخارية من أشور دلالة إلى الربة الأم(عشتار) ؟ لا يمكن الجزم بالأمر،ومع ذلك تبدو المسألة منطقية إلى حد ما.

          على الرغم من غياب المشاهد الجنسية في عصر الطبقتين (G-H) إلا إن ذلك لا يمنع من وجود عبادة ذات طقس جنسي.وربما كان طقسا تعود جذوره إلى عصور ما قبل التاريخ فمنذ العصر الحجري الحديث كما يشير تشايلد كان هناك طقس سحري يقوم على اتحاد الجنسين بصورة احتفالية والذي قد يرمز إلى التلقيح في الطبيعة.

ومثل أمور كثيرة ما زلنا نجهلها عن بلاد أشور وديانتها في هذه الحقبة فإننا أيضا لا نعرف الكثير عن معتقدات العالم الأسفل،ويمكننا الافتراض بان السكان كانوا يدفنون في التراب،كما تم إثبات ذلك بالنسبة للطبقة (E) (ربما كانت معاصرة لعصر سلالة أور الثالثة)،وهذا يتفق مع ما هو موجود في الجنوب،ففي فارا عثر على العديد من القبور الأرضية،وفي مسلة العقبان للملك السومري اياناتوم (المعاصر للطبقة G) نشاهده وهو يدفن قتلاه من الجند في قبر جماعي،ولا يحكي لنا المشهد عن أية توابيت أو حرف للجثث.وفي الطبقة (E) نعرف عن حالة مماثلة،مع اختلاف بسيط هو وجود حرق الجثث قبل الدفن فوق موقد خاص اعد لهذا الغرض،ولا نعلم ما إذا كانت هذه العادة سارية في هذا العصر أيضا أم لا؟،ويعتقد اندريه إنها حالة محتملة نظرا لوجود صلات تشابه بين الطبقتين.

          لا نعرف كيف انتهى عصر فجر السلالات في أشور ولكن التنقيبات الاثارية تشير إلى إن الطبقة العائدة لهذا العصر قد دمرت تدميرا تاما،ولا نعرف الغازي الذي قام بهذا الفعل،هل من الممكن أن يكون التدمير ناتج عن الحركات العسكرية التي نفذها سرجون الاكدي(2371-2316)؟ لا يبدو الأمر غريبا ونحن في اقل تقدير نمتلك أدلة عن قيام هذه الملك بمهاجمة بلاد سوبارتو (أشور)،فنصوص الفأل تضم إشارات إلى فتح سرجون لهذه المنطقة.وفي نص متأخر هو جزء من كتب الأخبار البابلية يشير إلى عملية عسكرية وجهها سرجون إلى بلاد سوبارتو وانه قام بإخضاعها.

          إن تاريخ أشور خلال هذا العصر يتسم بالغموض لعدم توفر النصوص الكتابية،وان المادة النصية المتوفرة في الجنوب قد تساعدنا من فهم بعض المظاهر الحضارية في بلاد أشور،رغم الحذر الشديد من استخدام هذه المادة كما يرى الأستاذ ساكزومع ذلك فان المادة التي تقدمها النصوص من الجنوب مهمة رغم ضعفها فيما يخص الجانب السياسي لبلاد أشور خلال هذا العصر.وتبقى المادة الاثارية في أشور هي المهمة من اجل دراسة أفضل للحقبة،مع عيوب الاعتماد على الآثار المجردة،لأننا سنعتمد على التخمين من اجل تصور الحياة الاجتماعية أو الدينية للحقبة.

التعليقات


إضافة تعليق