مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

الغزو المغولي للعراق

 

د. ايناس سعدي عبد الله

-اصل القبائل المغولية:

عاش في الاراضي الشاسعة التي تقع الى شمال وغرب الصين مجموعة من القبائل منذ نحو 200 ق.م. ومن هذه القبائل المغول والتتار وبعض العناصر التركية مثل الكرايت، والايغور، والنايمان، والتايجوت، وبعض القبائل الاخرى. وقد خلط البعض بين الجنسين وعدوا المغول من القبائل التركية. والحقيقة ان علماء الاجناس يفرقون بين العناصر الثلاثة أي التتار، المغول، الترك فهي تتشابه في بعض ملامحها لكنها تختلف في اصولها. مع ذلك ظل لفظ التتار يطلق على كافة القبائل التي تجاور الصين حتى ظهور جنكيز خان في القرن الثاني عشر الميلادي وقد وردت هذه التسمية في نقوش ارخون([1])، العائدة للقرن الثامن الميلادي، وكانوا ينقسمون الى قسمين: الاول يتألف من تسع قبائل والاخر يتألف من ثلاثين قبيلة.

لقد كان المغول و هم شعب يشبه الترك الى حد ما في اللغة و ملامح الوجه، ويختلفون كما اعتقد بعض الكتاب المسلمين عن قبائل التتار في لغتهم، ولكن علماء الاجناس حاليا يعتقدون ان سكان هضبة منغوليا في مظهرهم الجسماني من جنس الذي يطلق عليه اسم اشباه المغول وانهم كانوا يتكلمون لغات من عائلة اللغات التركية-التترية، وان حضارة هؤلاء تشبه في كثير من الاوجه حضارة المناطق المحيطة بالقطب الشمالي.

عاش المغول في الهضبة المعروفة باسم هضبة منغوليا شمال صحراء جوبي الممتدة في اواسط جنوبي سيبيريا وشمال التبت وغربي منشوريا وشرقي تركستان، بين جبال التاي غربا وجبال جنجان شرقا. وهي قبائل غير متحضرة، كانت كل قبيلة فيها تكون وحدة متماسكة من ناحية الجنس واللغة، يرأسها رئيس يحمل لقب نويان تطيعه وتأتمر بأمره، وكانت حياتهم بسيطة ويقضون معظم اوقاتهم في المنازعات القبلية. وقد مارس المغول الرعي والصيد فكانوا يتنقلون في ارجاء الهضبة سعيا وراء موطن المياه والكلأ، فيهبطون في الشتاء الى سهولها ومناطقها الدافئة حيت تتوفر الظروف المناسبة للرعي، وفي الصيف يستقرون في المرتفعات واعالي الجبال مدة شهرين أو اكثر حيث البرودة والمياه. ولابد ان نعرف ان الظروف الجغرافية في هضبة منغوليا قد جعلت منه اقليما فقيرا، تنعدم فيه الزراعة، لذلك استدعت حياتهم الصعبة ضرورة الاغارة على الممالك المتمدنة في الصين وما وراء النهر وايران.

تذكر الاساطير الموغلة في التاريخ انهم كانوا احدى القبائل التي اجتاحت المنطقة الواقعة الى الشمال من صحراء جوبي الى جنوب بحيرة بيكال، وانهم قضوا وقتهم مثل بقية القبائل الاخرى في رعي الماشية و الخيول والأغارات والنهب، كما سعوا الى التحالف مع الاسر الحاكمة في شمال الصين التي هي بدورها منحدرة من منبع او مخزون مماثل. وبرغم اشتهار امر المغول من بعد جنكيز خان فقد ظل صيت التتار القديم غالباً، وصار اسمهم سارياً على المغول انفسهم في بعض بلاد اواسط اسيا وفي سوريا ومصر ومناطق اخرى كثيرة. اما الترك فقد جاء اسمهم صراحة لأول مرة في نقوش ارخون، ومن هذه النقوش يتبين ان نفوذ الترك كان يمتد في القرن السادس الميلادي بين حدود الصين وحدود ايران والدولة البيزنطية، وربما كان المغول والترك ينحدرون جميعاً من قبائل الهون([2]). وقد استعان المغول بعناصر تركية كثيرة في الجيش المغولي و كلما تقدم المغول غرباً في اتجاه شرق اوروبا او في الجنوب الغربي في اتجاه البلاد الاسلامية زاد العنصر التركي في الجيش المغولي. لقد كان المغول و الترك يشتركون في الحياة البدوية، وهناك تشابه بينهما في استعمال الاسلحة  وطرق الحرب، ثم زاد من ذلك التقارب بين الجنسين غزو المغول لمنطقة القبجاق واستقرارهم فيها.

-الاوضاع العامة للعالم الاسلامي قبل الغزو المغولي.

كان العالم الاسلامي في المرحلة التي بدأ فيها ظهور المغول مقسما الى مجموعة من الممالك والدويلات الصغيرة تختلف عن بعضها بين الضعف والقوة سواء من الناحية العسكرية او الاقتصادية. وقد تميزت هذه الممالك والدويلات بالتنازع مع بعضها البعض من اجل السيطرة او التوسع على حساب الاخرى، فضلا عن الصراعات الداخلية التي تنشب على العرش في كثير من الاحيان بين امراء هذه الاسر الحاكمة. وما زاد من انشغال الحكام المسلمين بدء الحملات الصليبية على الشرق وما رافق ذلك من صراع عنيف معهم. وهكذا انشغل الحكام المسلمون فيما بينهم ولم يقدروا خطورة المغول الا بعد ان اتجهوا الى الغرب حتى الدولة الخوارزمية. ومما يعنينا من العالم الاسلامي في هذا الموضوع هو الجانب الشرقي منه الذي كانت تقاسمه عدة دول، ففي بلاد فارس او ايران كانت تقوم الدولة الخوارزمية  جنوب بحيرة ارال ومصب نهر جيحون، والتي امتدت حدودها من جبال ارال في الشمال الى الخليج العربي في الجنوب، ومن جبال السند شرقا الى حدود العراق غربا. وفي العراق كان الخليفة العباسي في بغداد وله السيادة الروحية، اما القوة السياسية والعسكرية فقد زالت عن هذه الخلافة، ولم يعد لهذا الخليفة من القوة الا ان يطلب الدعوة على المنابر في صلاة الجمعة او المناسبات او الازمات بان يوفق الله المسلمين او الاستنفار للجهاد. اما الدولة الايوبية في مصر و الشام، فقد كان لها مشاكلها خاصة مع مملكة بيت المقدس والامارات الصليبية على سواحل بلاد الشام. ومما يزيد المشكلة تعقيدا انه مع ظهور اخطار المغول كانت الحملة الصليبية الخامسة قد استولت على برج مدينة دمياط عام 1218م. مما ادى الى وفاة الملك العادل، ثم انقسام البيت الايوبي الى عدة ممالك اهمها مصر و على راسها الملك الكامل 1218-1238م. ودمشق وعلى راسها الملك المعظم عيسى 1218-1227م. وكان هناك ايضا دولة سلاجقة الروم في اسيا الصغرى، وهي الدولة التي ظلت في مواجهة الامبراطورية البيزنطية منذ نشأتها حتى نهايتها، يضاف الى ذلك اخطار الصليبيين في بلاد الشام، ثم من الشمال الغربي بعد سقوط القسطنطينية في ايدي الصليبيين من قوات الحملة الصليبية الرابعة عام 1204م.

-الغزو المغولي للعراق:

1.الاوضاع العامة للخلافة العباسية قبل الغزو المغولي:

كانت علامات الضعف قد ظهرت على الخلافة العباسية في بغداد قبل ظهور خطر المغول، وهذا الضعف كانت له جذوره العميقة التي بدأت منذ سيطرة العناصر الفارسية على الخلافة العباسية، فقد استأثرت الاسر الفارسية بمنصب الوزارة في الخلافة العباسية، الامر الذي اظهر خلافا بين العرب والفرس، وما تلى ذلك من احداث ادت الى دخول العناصر التركية الى السلطة في بغداد، وبذلك اصبح يتطلع الى السلطة ثلاثة عناصر هي: العرب والفرس والاتراك. وقد نتج عن هذا كله طمع حكام بني بويه- الذين اقاموا دولتهم في جنوب غربي ايران في السلطة- و كان لهم ما ارادوا حيث نجحوا في السيطرة على الخليفة في بغداد، وقد استأثر حكامهم بالسلطة واتخذوا لقب السلطان، وطغى نفوذهم على نفوذ الخلفاء العباسيين. وكان لهذا كله اثر كبير على هيبة الخلفاء العباسيين، وبدا حكام الولايات في الاستقلال بولاياتهم، والاكتفاء بالولاء الاسمي للخلافة العباسية، فتمزقت الروابط القوية التي تربط الخلافة بتلك الولايات، ومع هذه الحركات الاستقلالية او الانفصالية بدأت ملامح فساد الادارة داخل الخلافة. كما تعرضت الخلافة العباسية ايضا لسيطرة الاتراك السلاجقة، وقد سيطر هؤلاء على الخلافة واتخذ حكامهم لقب السلطان، وعرف حكامهم الاوائل باسم السلاطين العظام، وبقي الخليفة في بغداد او بالأحرى في قصره بلا قوة، وتصرف هؤلاء السلاطين في الاراضي والمدن و منحوها اقطاعيات للأمراء وذوي الشأن، وقد حكمها هؤلاء تحت اسم الاتابكة، وعندما انهار سلطان السلاجقة العظام كانت بلاد اعالي الفرات و شمال الشام ثم جنوبه عبارة عن دويلات لا تتعدى المدينة وما حولها، فضلا عن الصراع الذي اندلع بين الدولة الفاطمية في مصر و هؤلاء الاتابكة في الشام. وعلى هذه الصورة انفصلت اقاليم الدولة عن الحكومة المركزية في بغداد واصبحت عاجزة عن مواجهة أي غزو عسكري. ومع اقتراب الخطر المغولي لم يكن وضع الخلافة العباسية بأفضل حالا، فقد كانت القوى الاسلامية في تلك الفترة مفككة و يسود بينها التنافس و التشاحن من ناحية، ثم انتابها الذعر مما فعله المغول من ناحية اخرى. وكان حريا بتلك القوى الاسلامية ان تنسى خلافاتها وتعمل صفا واحدا لمواجهه الخطر الداهم الذي يهدد المسلمين جميعا الا ان عوامل الانقسام و المصالح الشخصية الضيقة صرفتهم الى مشاكل جانبية زادت من فرقتهم، واضعفت من قدرتهم و بددت طاقاتهم في حروب فيما بينهم. وكان الخليفة العباسي في ذلك الوقت هو الناصر لدين الله (1179-1225م)، الذي وجد ان الخلافة العباسية قد صارت ضعيفة هزيلة من الناحية السياسية، اذ انها اصبحت تنحصر بين العراق العربي وخوزستان، ولم تعد قادرة على ان تبسط سلطتها على ما جاورها من الاقاليم، ولم يتبق لها الا النفوذ الروحي فقط. وكان الناصر يظن انه يستطيع النهوض بدولته، والعمل على اتساع رقعتها بمجرد ان شعر بضعف السلاجقة و انقسام دولتهم، فوضع كل امله في حكام الدولة الخوارزمية ليزيح من طريقه دولة السلاجقة. ولكن سرعان ما اتضح له انه كان واهما في ظنه، اذ تكشفت له الحقيقة المرة ، وهي ان الخوارزميين لهم مطامع في اقليمه، وانهم لا يقلون خطرا على دولتهم من السلاجقة. وكان الخطر الذي يتهدد العباسيين من الجانب الخوارزميين قد تمثل بوضوح في عهد السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه الذي حاول ان تكون له المنزلة الاولى في بغداد، فلما عجز عن تحقيق هدفه بالطرق الودية، لم يجد بدا من استعمال القوة. فصمم على غزو بغداد و ذلك للأسباب الاتية:

1.رغبة خوارزم شاه في اخضاع الخليفة العباسي لسلطته، وان تذكر الخطبة باسمه على منابر بغداد، كما كان الوضع في عهد السلاجقة و البويهيين من قبلهم.

2.شعور السلطان محمد بان الخليفة يحتقره، ويعامله معاملة سيئة، اذ انه اهان رسله عندما قدموا له العلم والهدايا التي اهداها الى الحجاج، في حين انه قبل العلم والهدايا التي وصلت اليه من جلال الدين حسن الاسماعيلي المشهور بـ "نومسلمان" من خلفاء الحسن بن الصباح، ورحب برسله، وقدم هذه الهدايا على هدايا خوارزم شاه.

3.عندما استولى خوارزم شاه على غرنة عاصمة الغوريين([3])، عام 1214م، ووضع يده على خزائن شهاب الدين الغوري، عثر على رسائل رسمية من الخليفة يحثه فيها على مهاجمة السلطان محمد و القضاء عليه.

4.تبين لعلاء الدين محمد ان الخليفة مستمر في تحريض الممالك المجاورة ضده، فقد حرض القراخطائيين، وابدى استعداده للتحالف معهم، ووعدهم بالاعتراف بحكمهم على البلاد التي يستولون عليها، كما اثار عليه اتابكة فارس واذربيجان، وحثهم على الاستيلاء على عراق العجم و انتزاعه من الخوارزميين. فضلا عن تحالفه مع الاسماعيلية للغرض نفسه، بل انه راح يحتضن عدة اشخاص من فداءيهم ويحرضهم ضد الخوارزميين، فقتلوا "اغلمش" نائب الخوارزميين في اقليم الجبال.

5. كان السلطان علاء الدين محمد يعتقد ان الخلفاء العباسيين قد تقاعدوا وتكاسلوا عن القيام بالغزوات، وتركوا الجهاد في سبيل الله. كذلك تغافوا- رغم استطاعتهم- عن المحافظة على الثغور.

وبناء على هذا، اصدر السلطان علاء الدين امرا بعزل الخليفة، واسقاط اسمه من السكة والخطبة، ووقع اختياره على رجل من مدينة ترمذ اسمه "علاء الملك" فاعلنه خليفة للمسلمين، وخطب له على المنابر و ضرب النقود باسمه. ثم قاد السلطان محمد جيشه قاصدا بغداد في سنة 614هـ (1217م). عند اقليم الجبال التحم بالاتابك([4]) سعد بن زنكي الذي كان قد توجهه الى ذلك الاقليم، بقصد الاستيلاء عليها، بأمر الخليفة. ولكن خوارزم شاه انتصر عليه واسره، و اخيرا اطلق سراحه، بعد ان قبل دخول طاعته، وتعهد بان يتنازل له عن ثلث خراج اقليم فارس سنويا واعطائه بعض الامتيازات الاخرى. كذلك اوقع خوارزم شاه الهزيمة باوزبك بن بهلوان، اتابك اذربيجان الذي جاء هو الاخر بتحريض الخليفة العباسي. ولكن خوارزم شاه امنه-بعد ذلك- على حياته بعد ان ادان له بالطاعة، وضرب السكة و قرأ الخطبة باسمه، وارسل اليه الرسل، يحملون الهدايا اليه. ولما وجد الخليفة ان كل القوى التي اعتمد عليها في محاربة خوارزم شاه ضعيفة منحلة، لم تستطع ان تقف في وجه هذا العدو القوي، وتأكد من اصرار السلطان محمد خوارزم شاه على غزو بغداد، وانه لم يمتلك القوة الكافية لمقاومته، لم يجد مفرا من ان يلجأ الى جنكيز خان قائد المغول الاكبر، و الذي كان صيته قد ذاع وانتشر في شرق اسيا وغربها، فرأى الخليفة فيه الرجل الوحيد الذي يستطيع ان ينقذه من تلك الورطة، ويوقف خوارزم شاه عند حده وبذلك يكون الخليفة الناصر هو المسؤول الاول في توجيه انظار المغول الى الاراضي الاسلامية. بعد ذلك توجه علاء الدين من همذان قاصدا بغداد، وكان الفصل خريفا، فلما وصل الى "اسد اباد" هبت عواصف ثلجية شديدة، فاهلك البرد كثيرا من جنوده وعتاده ودوابه. وتعرض الجنود الباقون لغارات الاتراك والاكراد. وهكذا كانت ثورة الطبيعة سببا في تشتيت شمل الجيوش الخوارزمية. واخيرا وجد السلطان علاء الدين نفسه مضطرا الى العودة الى بلاده مع من تبقى من جنده.

لم يكن الصراع الذي دار بين الخلفاء العباسيين و الخوارزميين هو العامل الوحيد الذي مهد الى سقوط الخلافة العباسية.

2.الغزوات المغولية على العراق قبل عام 1258م:

لقد بدأ المغول يهددون امن الدولة العباسية  منذ وقت طويل قبل حملة هولاكو وقد  تركزت غزواتهم الاولى على المناطق الشمالية من العراق بعدما اجتاحوا بلاد خوارزم. وكانت المرة الاولى التي هاجم بها المغول اطراف العراق عام 1219م حيث قادوا حملة عسكرية اتجهت الى شمال العراق، فتصدت لهم قوات الخلافة فاضطروا للانسحاب نحو بغداد.  ثم هاجم المغول حدود العراق عام 1220م، وحين وصلت الاخبار الى بغداد بتقدم المغول من مراغة في اذربيجان نحو اربيل، بادر الخليفة الناصر لدين الله الى تحصين بغداد، وكتب الى امير الموصل وامير اربيل يأمرهما بالانضمام الى قوات الخلافة في داقوق([5])، وخرجت قوات اربيل والموصل فعلا لمواجهة الموقف، وفوجئت هذه القوات بقلة قوات الخلافة التي لم تكن تتجاوز 800 رجل خلافا لما كان قد وعد به الناصر لدين الله بانه سيرسل عشرة الاف رجل لمواجهة المغول، ولم يجرأ امير اربيل مظفر الدين كوكبوري على مهاجمة المغول الذين شرعوا في الانسحاب ظنا منهم ان قوات الخلافة في اثرهم. وتلا ذلك فترة من الهدوء دامت نحو عشر سنوات وذلك بسبب عودة المغول الى بلادهم وما تبع ذلك من وفاة جنكيز خان وتولى ولده اوكتاي العرش من بعده الذي تمكن من القضاء على اخر مقاومة للخوارزميين بهزيمة جلال الدين منكبورتي عام 1230م، ثم عاود المغول هجماتهم على العراق فوصلت غاراتهم الى اربيل والموصل وداقوق. وفي عام 1231م انسحبت القوات المغولية بعد اغارتهم على شهرزور التابعة لأربيل وقد خرج الخليفة المستنصر بالله بقواته للتصدي لهم، مع ذلك استمر الخطر المغولي قائما فقد تكررت الاغارات المغولية عدة مرات حيث تعرضت مناطق اربيل والموصل وسنجار وحران وماردين للغزو بين عامي 1235-1236م،  في وقت نجح حاكم اربيل عام 1235م من التصدي للمغول عند هجومهم على المدينة وتمكن من تحقيق نصر عليهم، فانسحبوا من المدينة وشنوا هجوما اخر على اعمال الموصل ووصلوا الى نهر كرامليس(في الموصل)، مما ادى الى هروب سكان المنطقة. ويظهر ان حاكم الموصل احتاط من خطر غزوات المغول هذه وما قد تلحقه من اذى بالمدينة فاستنجد بالخليفة العباسي المستنصر بالله ، فتحركت قوات الخلافة مما اضطر المغول من الانسحاب وتركوا حصار القلعة قبل الاصطدام بقوات الخليفة. ثم هاجم المغول اربيل من جديد عام 1236م و كان عددهم يزيد على 30 الف فارس، فهرب الناس الى القلعة واعتصموا بها فحاصرهم المغول لمدة اربعين يوما ، فطلب باثكين حاكم المدينة الصلح مقابل مبلغ من المال يدفعه لهم، فوافقوا ولكن سرعان ما غدروا به بعد ان حصلوا على الاموال، وحاولوا احتلال القلعة عدة مرات لكنهم فشلوا واخيرا اضطروا الى الانسحاب بعد وصول الانباء بتحرك قوات الخلافة من بغداد نحو اربيل. ونتيجة للغزوات المغولية المتكررة اضطر حاكم الموصل بدر الدين لؤلؤ الى مصالحتهم.

وقد توسع نطاق التعرض المغولي للأراضي العراقية فلم يقتصر على اربيل فقط بل شمل في عام 1237م مناطق اخرى من العراق فقد هاجموا داقوق وسامراء، كما هاجموا بعض المدن والقرى التابعة لبغداد، فسارع الخليفة المستنصر بالله للتصدي للهجوم المغولي، وارسل قوة يقودها الدويدار مجاهد الدين ومعه شرف الدين اقبال الشرابي تمكنت من تحقيق انتصار على المغول، في وقت اخذ الخليفة يعمل على تقوية الدفاعات امام المغول لذا عمل على تعمير سور بغداد وتجديد سور اربيل تحسبا لكل طارئ .ولكن النصر الذي احرزته قوات الخلافة لم يوقف الغزوات المغولية فسرعان ما هاجم المغول العراق ووصلوا خانقين وتمكنوا  من ايقاع الهزيمة بجيش الخليفة عند خانقين.

ونتيجة للخطر المغولي فكر الخليفة المستنصر بالله في الاستعانة بالأيوبيين في مصر والشام، غير ان البيت الايوبي كان يعاني من التمزق والصراعات الداخلية، وذهبت جهود الخليفة العباسي في محاولة توحيد كلمة الايوبيين ادراج الرياح، لاسيما بعد وفاة الملك الكامل وتولية ابنه العادل، ثم استمرت الخلافات قائمة بعد عزل العادل وتولية الصالح نجم الدين ايوب مكانه في حكم مصر، في وقت كان المغول يعملون على تصفية فلول القوى الاسلامية الباقية مثل سلاجقة الروم في اسيا الصغرى، فهاجموا عام 1241م مدينة ارزن الروم([6])، ثم واوقعوا الهزيمة بالسلطان غياث الدين كيخسرو الثاني في كوزاداخ في شرقي الاناضول عام 1243 واستولوا على سيواس، كما هاجموا قيسارية مما اضطر غياث الدين الى الاستسلام، خلال ذلك كان الخليفة المستنصر بالله قد توفي عام 1242م وتولى المستعصم بالله الخلافة. وفي عام 1245م وصلت الاخبار الى بغداد من اربيل ان المغول تقدموا من همدان بقوة بلغت 16000 مقاتل قاصدين العراق فاستعد الخليفة للقائهم، وارسل قوة عسكرية بقيادة مجاهد الدين الدويدار للتصدي لهم، والتقت قوات الخلافة بالمغول عند بعقوبة وتمكنت من دحرهم. وفي عام 1252م عادت القوات المغولية لتهاجم مناطق اعالي العراق وتقدمت حتى رأس العين وسروج وقتلت اكثر من عشر الف نسمة، ونهبت قافلة تجارية قادمة من حران الى بغداد تضم 600 حمل من السكر والقطن المصري، فضلا عن ستمائة الف دينار. لم تكن الخلافة العباسية في هذه المرحلة التاريخية الخطرة على مستوى المسئولية ولم تدرك حقيقة الكارثة التي باتت تهدد البلاد، فكانت تكتفي باستنفار المتطوعين من الاطراف وترسل الكتب الى الامراء تستحثهم على النهوض، وسرعان ما تختفي هذه الاجراءات مع ابتعاد الخطر عن اطراف الدولة، ويعود الناس الى اعمالهم، في حين كان يتعين على الخلافة تعبئة كل الطاقات وحشد قواها المادية والبشرية لمواجهة التحدي المغولي، وان يتولى الخليفة نفسه قيادة القوى المقاتلة، لما يترتب على ذلك من رفع المعنويات للجند.

 

3.حملة هولاكو على بغداد:

لقد ادرك المغول خلال توجههم نحو بغداد ان الخلافة العباسية اصبحت بمفردها تماما وان كل من يمكن ان يساعد الخلافة في صراعها المقبل مع المغول منشغلا في صراعاته الداخلية، ومن الواضح ان المغول عندما اعدوا حملتهم العسكرية الكبيرة ضد الخلافة العباسية كانوا قد اختبروا القوى الاسلامية في المنطقة سواء بحملاتهم السابقة على الاراضي الاسلامية بين الحين والاخر ، او عن طريق جواسيسهم التي لعبت دروا كبيرا في استمالة بعض الحكام المسلمين بالترهيب والترغيب. ففي بغداد كان هناك الوزير ابن العلقمي الذي ذكر عنه المؤرخون انه كان يكاتب المغول سرا ويحثهم على غزو العراق والاستيلاء على بغداد([7]). وفي الموصل كان هناك بدر الدين لؤلؤ الذي امد المغول ببعض الات القتال والجنود، بل و يقال بان ابنه الصالح ركن الدين اسماعيل اشترك مع المغول في الهجوم على بغداد. اما الاوضاع في مصر فقد دخل الصراع على السلطة فيها دورا مثيرا بعد موت الصالح ايوب عام 1249م، فقد اندلع الصراع مجددا انتهى بمقتل ابنه توران شاه وزوجته شجر الدر وانتهى بتولي عز الدين ايبك للعرش معلنا بدء السلطنة المملوكية. اما في الشام فكان هناك الناصر يوسف الايوبي الذي كان على علاقة مشبوهة بالمغول وارسل الهدايا و السفارات الى هولاكو. والمعروف ان الناصر يوسف حاول اكثر من مرة تشكيل حلف من بقايا البيت الايوبي في بلاد الشام من اجل الاستيلاء على مصر، ومن اجل تحقيق غرضه سعى ايضا الى التحالف مع لويس التاسع في اثناء اقامته في عكا بعد رحيله عن مصر، ولكن لويس التاسع خيب ظنه و لم يستطع التحالف معه بسبب الضغوط التي واجهها من جانب المماليك في مصر، اذ كان لويس لا يزال مرتبطا بمعاهدة دمياط و شروطها القاسية. فضلا عن ذلك لقد تضافرت عوامل داخلية عدة كانت المسببة لسقوط الخلافة العباسية في اخر الخلفاء العباسيين وهو المستعصم بالله ساعدت المغول على تحقيق اهدافهم وهي:

1.ضعف الخلفاء وسوء الادارة وتنافس كبار رجال الدولة على السلطة.

2. اهمال الخليفة المستعصم بالله اخر الخلفاء العباسيين للدولة وعدم الانفاق على تقوية الجيش، كما لم يتخذ أي اجراءات لمواجهة الزحف المغولي.

3.سوء الاوضاع الاقتصادية وفي مقدمتها الخراج المرهق المفروض على الاراضي الزراعية، وكساد الحياة الزراعية والصناعية، وبزوغ الفوارق الطبقية بين افراد المجتمع، كما ساهمت الحروب المتواصلة الى نقص في الايدي العاملة، فغدت الكثير من المزارع مهجورة، فضلا عن الفيضانات التي عصفت في سهول العراق الجنوبية.

في عام 1252 اجتمع امراء المغول برئاسة الخان المغولي الاكبر مونكو في القوريلتاي(المجلس المغولي) وقرروا ايفاد حملة عسكرية بقيادة اخيه هولاكو لغزو ايران وغرب اسيا، وقد حدد القوريلتاي هدف الحملة المرسلة بالقضاء على الاسماعيلية واحتلال عاصمتهم ألموت([8])، وتحطيم الخلافة العباسية في بغداد. وقد اعلن هولاكو عام 1256 قيام دولة للمغول في ايران عرفت بالدولة الايلخانية(أي نواب الخان الاعظم في قره قوم عاصمة الامبراطورية المغولية) حتى قبل ان يبدأ عملياته العسكرية على قلاع الاسماعيلية.

تحرك هولاكو بقواته بعد ان انظم اليه الكثير من الامراء المغول، كما انظم اليه في الحملة نحو الف من الرماة الصينيين البارعين في قذف السهام التي تحمل المشاعل. وقد وصل هولاكو الى ايران ومن هناك ارسل الى جميع حكام البلاد الاسلامية ومنهم الخليفة العباسي المستعصم بالله من اجل ان يساعدوه بالمال والرجال والسلاح لكي يتمكن من اخضاع قلاع الاسماعيلية المنتشرة شمالي بلاد فارس، ولكن الخليفة لم يرسل أي مساعدات الى هولاكو. ولما علم الاسماعيلية الحشيشية بتقدم المغول نحوهم حاولوا بالطرق السلمية دفع هذا الخطر، ولكن هذا لم يجد نفعا، فقد اتجه هولاكو بجيشه حتى وصل الى قلعة ألموت وشدد الحصار عليها واضطر زعيم قلاع الاسماعيلية ركن الدين خورشاه الى الذهاب لخيمة هولاكو واعلن الخضوع والاستسلام، فأرسله هولاكو الى الخان الاعظم منكو خان الى قراقورم حيث امر بقتله، وقيل ان مونكو خان رفض مقابلته فعاد ركن الدين ولكن لقي مصرعه اثناء عودته، وقد تمكن هولاكو من الاستيلاء على قلعة ألموت وغيرها من القلاع وقتل الالاف من الاسماعيلية، وقبل ان ينتهي عام 1257م لم يكن هناك الا عددا قليلا منهم في جبال فارس. ويبدو ان قضاء هولاكو على قلاع الاسماعيلية كان تمهيدا للزحف نحو بغداد وذلك حتى لا تشكل هذه القلاع تهديد لقواته من الخلف عند مواصلة الزحف غربا في اتجاه العاصمة العباسية.

اتجه هولاكو بعد القضاء على قلاع الاسماعيلية الى همدان والتي تبعد نحو 600 كم عن بغداد وقد وصلها في سنة 1257م بهدف مهاجمة العراق بعد ان تلقى تقارير من عملائه في بغداد والمدن الاخرى للوقوف على حقيقة الامر قبل الهجوم الكبير. وكان مسرح الاحداث السياسية في منطقة الشرق الاوسط مهيأ تماما للقائد المغولي لكي يضرب ضربته الكبرى ضد الخلافة العباسية، فالمنطقة من ايران حتى حدود العراق قد اصبحت خاضعة تماما للمغول، والخليفة العباسي المستعصم بالله ضعيف غير مدرك لجسامة الخطر. وبغداد كانت غارقة في الفوضى ثم زادت امور الخلافة سوءا واضطرابا عند اقتراب هولاكو من بغداد.

ارسل هولاكو الى الخليفة المستعصم في عام 1257م رسالة تهديد يدعوه فيها الى تقويض حصون بغداد و اسوارها، وان لم يسلم المدينة، وان يحضر بنفسه، او يبعث اليه احدى الشخصيات الكبيرة في بغداد مثل الوزير او الدويدار. واحتج هولاكو على الخليفة في عدم ارساله المساعدات التي طلبها هولاكو اثناء حصاره قلاع الاسماعيلية. ولم يشأ الخليفة ان يظهر بمظهر الضعف امام هولاكو. فرد برسالة تحمل معنى النصيحة واللين و تطلب من هولاكو العودة الى خراسان. وتذكره بالألاف من اتباع الخليفة من الشرق الى الغرب الذين يمكن حشدهم ساعة القتال. ولا شك ان المستعصم اراد تخويف هولاكو بقوة وهمية، ومما ازم الموقف وزاد من غضب هولاكو قيام اهل بغداد بإهانة رسله، فمزقوا ملابسهم وبصقوا في وجوههم مما لم يترك مجالا للمفاوضات. في الوقت الذي اقترب الخطر المغولي من بغداد زادت حدة الخلافات في بلاط الخليفة بين كبار مستشاريه، فأشار الوزير ابن العلقمي بأرسال الهدايا الكثيرة والاموال الى هولاكو، وان تكون الخطبة والسكة باسمه، في حين رفض الدويدار الصغير مجاهد الدين ايبك رأي ابن العلقمي واصر على ضرورة التصدي للقوات المغولية. فعدل الخليفة عن ارسال الهدايا الى هولاكو. ولكن الخليفة لم ينهي المفاوضات مع هولاكو وترددت المراسلات بين الجانبين. وعندما ايقن الخليفة تصميم المغول على الزحف الى بغداد ارسل سفيره ابن الجوزي حاملا رسالة الى القائد المغولي تفيض بالوعود وتطلب منه في نفس الوقت العودة والتراجع. واقترح الخليفة في رسالته ان يبعث الى هولاكو كل ما يطلبه المغول من اموال، فادرك القائد المغولي عندئذ ان الخليفة كان يريد كسب الوقت الى ان يتمكن من تنظيم قواته.

قبل ان يقدم هولاكو على غزو بغداد، استشار المنجمين حول هدفه، فبدأ بالفلكي حسام الدين الذي جاء برفقة هولاكو من قبل خان المغول الاعظم "منكو خان"  ويبدو انه كان حريصا على منع هولاكو من الاقدام على غزو بغداد فراح يؤكد له ان الحملة سوف تحدث خللا في نظام الكون، فضلا على انها سوف تكون وبالا على الخان نفسه. ولكن هولاكو استدعى نصير الدين الطوسي، لاستشارته فطمأن هولاكو بانه لا توجد موانع تحول دون اقدامه على الغزو، ولم يقف عند هذا الحد، بل اخذ يؤيد وجهه نظره بالحجج القوية التي تكذب نبوءة حسام الدين، فذكر ان الكثيرين من اصحاب الرسول ماتوا في الدفاع عن الدين، ومع ذلك لم تقع اية كارثة. واذا قيل ان ذلك خاص ببني العباس، فان الكثيرين من الناس قد ثاروا على هذه الاسرة، وقتلوا منهم بعض الخلفاء، دون ان يحدث اي خلل. واخذ الطوسي يستشهد بطاهر بن الحسين قائد المأمون الذي قتل محمد الامين وبالأمراء الذين قتلوا المتوكل والمنتصر والمعتز و غيرهم. وعلى اثر ذلك اصدر هولاكو امره بان تتحرك القوات المغولية الى بغداد.

استعد هولاكو للهجوم على بغداد فوضع خطته على اساس مهاجمتها من اكثر من ناحية، وساعده على ذلك كثرة قواته التي بلغت (150000-170000)، ففضلا عن القوات التي جاء بها فقد وصلت اليه قوات اضافية من مقاتلي القبيلة الذهبية([9])، وبعض القوات المغولية الاخرى من بلاد الاناضول بقيادة بايجو، وبعض العناصر الجورجية والارمنية. وقد قسم هولاكو جيشه الى ثلاثة اقسام الاول يتجه من اسيا الصغرى عن طريق الموصل، والثاني يتجه عن طريق وخوزستان، والثالث يتجه من همدان. فامر القائد سوغونجاق في شوال تشرين الاول  1257م بقيادة فرقة من الجيش المغولي والسير بها عن طريق اربيل وعبور نهر دجلة والاجتماع مع قوات القائد بايجو غربي النهر. اما القائد كيتوبوقا فسار عبر طريق لورستان- عبر خوزستان- هذا في حين زحف هولاكو بقلب الجيش المغولي عن طريق كرمنشاه و نهر حلوان. واستعان المغول في زحفهم ببعض الاسرى من طلائع جيش الخليفة الذين قبض على بعضهم و اجبروا على العمل كمرشدين لطلائع القوات المغول. هذا فضلا عن الامدادات التي قدمها لهم بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل. وابو بكر اتابك فارس.

في عام 1258م عبرت قوات المغول نهر دجلة واوقعت الهزيمة بجيش الخليفة الذي كان يقوده الدويدار مجاهد الدين ايبك في معركة الدجيل. كما فتح المغول سد احد الانهار الموجودة بالمنطقة، فغمرت المياه كل الصحراء الواقعة خلف جيش بغداد، فقتل عدد كبير من قوات الخليفة وبعض قادته فضلا عما غرق او قضى نحبه في الوحل، في حين هرب الدويدار مع عدد قليل من جنده الى بغداد، كما تفرق باقي الجند الى الحلة والكوفة. اما المغول فقد ساروا الى بغداد وبدأوا بفرض حصار حولها من كل النواحي، ففي الوقت الذي احكم سونجاق وبايجو الحصار من ناحية غرب المدينة، كان هولاكو قد نزل من الجهة الشرقية منها. وعبثا حاول الخليفة استرضاء هولاكو وتلبية طلباته السابقة، ولكن هولاكو اصر على اقتحام بغداد، وبنى حولها سورا ونصب عليه المناجيق و العرادات والات الحصار، كما سد المغول منافذ الهرب من المدينة من البر أو عن طريق النهر، وهكذا وجد الخليفة نفسه محاصرا من كل الجهات ، فلم يجد بدا من الاستسلام فخرج في 10 شباط 1258م ومعه ثلاثة الاف من اتباعه والائمة والقضاة للقاء هولاكو. ولكن ذلك لم ينقذ المدينة اذ اندفع المغول الى داخلها دون مقاومة تذكر، وقتلوا عدد كبير من سكانها، واشعلوا النار في جامع الخليفة وقبور الخلفاء ، ثم قتلوا الخليفة نفسه واثنين من ابنائه. وظل هولاكو وجنوده يمارسون القتل العام في المدينة ، فلم يسلم احد الا من كان في الابار والقنوات ولم يستطع هولاكو نفسه البقاء في بغداد فترة طويلة لعفونة الهواء بعد ان وقع الوباء في باقي سكان المدينة الذين سلموا من القتل، ويقال ان عدد القتلى قد وصل الى اكثر من ثمانمائة الف نفس. ولم يكتفى المغول بالمذابح التي احدثوها في بغداد، بل دمروا ايضا الكتب العربية التي كانت في قصور الخلافة العباسية والقوا بها في نهر دجلة، ثم جمع نصير الدين الطوسي فيما بعد بقية الكتب من العراق و نقلها الى مرصده في المراغة.

-الحكم الايلخاني في العراق.

          لقد ترك هولاكو بعد وفاته دولة مترامية الاطراف تشمل ممتلكاتها اقاليم ايران والعراق وجزء من الاناضول، وقد عرف اولاد هولاكو واحفاده بالايلخانيين، أي نائب الملك(الخان الاكبر) او تابعه.

          تولى عرش الدولة الايلخانية بعد هولاكو ابنه الاكبر اباقا(1265-1282)، وقد اختاره بإجماع مجلس امراء الايلخان، وبسبب اخلاص اباقا لسياسة والده فقد ابقى هذا الايلخان على معظم رجال الادارة السابقة فاحتفظ بشمس الدين الجويني في ديوان الممالك وعلاء الدين الجويني على ولاية العراق، ولكنه اختار تبريز محل مراغة عاصمة لحكمه. كان محور سياسة اباقا وسياسة خلفائه هو منع أي تغلغل عسكري الى ايران من الجانب الشرقي لأسيا أو من مناطق القفقاس لذلك فقد شهد عهد اباقا منذ اعتلاءه العرش صراعا مع مملكة القبجاق الاسلامية التي انتهت بانتصاره، كما اكمل اباقا تصفية القلاع الاسماعيلية الممتنعة عليهم حتى ذلك الوقت. ان حكم كل من اباقا ومن قبله والده تمثل حقبتين مهمتين في التاريخ الاسيوي للإنجازات العسكرية والسياسية التي تحققت.

          تولى العرش بعد اباقا اخيه تكودار(احمد)(1282-1284)، وقد اعتنق الاخير الدين الاسلامي، متخذا اسما جديدا له هو السلطان احمد. وقد قضى تكودار معظم سنوات حكمه البالغة عامين في نزاع مع ارغون بن اباقا الذي تمكن من الاستيلاء على الحكم في اعقاب قتله تكودار، وكان ذلك بسبب سياسة الاخير الدينية المتعصبة للإسلام والتي اثارت حفيظة زعماء المغول وامراءهم سياسا ودينيا.

          تولى ارغون العرش بين(1284-1291)، وقد برز في عهده طبيب يهودي متنفذ هو سعد الدولة اليهودي الذي وضع سياسة مالية جديدة للدولة، وقد اخذت الادارة الايلخانية في عهد ارغون تشجع استخدام المسيحيين واليهود في المناصب الادارية وفي بعثاتها الدبلوماسية. وقد تولى العرش من بعده كيخاتو(1291-1295)، وابرز الاحداث في عهده تبديل العملة المعدنية الى العملة الورقية حسب النموذج الصيني المتبع هناك. وكان نظام العملة الورقية قد طبق في العاصمة تبريز وبقي معمولا به مدة شهرين، ثم الغي لأنه تحول الى كارثة مالية وسياسية بعد توقف كلي لحركة السوق والتجارة. وانتهى عهد كيخاتو بانقلاب ناجح نفذه بايدو الا ان الاخير اطيح به من قبل غازان(1295-1304). لقد جاء غازان الى الحكم بعد كارثة اقتصادية المت بالدولة الايلخانية نتيجة تطبيق نظام صيني فاشل للعملة الورقية، لذا قرر هذا الايلخان عند اعتلائه العرش مواجهة الوضع المتردي بوضع اسس جديدة للاقتصاد الايلخاني، لذا يعد عصره عصر الاصلاح في الدولة الايلخانية. وقد ساعد غازان في اصلاحاته وزيره الشهير رشيد الدين فضل الله. وابرز اصلاحات غازان اعلان الاسلام الدين الرسمي للدولة، وتسمى باسم السلطان محمود، ثم عمل على اعادة الامن والنظام للدولة، فضبط العصابات والقوى الخارجة عن النظام التي تعبث في الامن  والاستقرار، كما حد من نفوذ رجال الدولة، مما ادى الى تحقيق حالة جيدة من الاستقرار.  وبعد وفاة محمود غازان تولى العرش اخوه اولجايتو(1304-1316)، الذي اتسم عهده بالاستقرار النسبي نوعا ما. كان اخر الايلخانات المغول هو ابو سعيد بهادر خان(1316-1335) وهو ابن اولجايتو، ولعل ابرز احداث عصره هي اعدام رشيد الدين فضل الله. وقد ساءت اوضاع الدولة الايلخانية بسبب الدسائس الكثيرة التي قام بها رجال البلاط والحريم وتدخلهم في شؤون الحكم، فضلا عن ذلك النزاع بين المغول والاتراك من جهة، والايرانيين من جهة اخرى قد ادى الى فقدان الايلخان لسيطرته على الاقاليم والمدن التابعة لإدارته فأخذت المقاطعات تميل الى العصيان على السلطة المركزية، والانفصال عنها، ولم يبق من الدولة الايلخانية التي كانت تجمع عدد من الدول في دولة واحدة وهي العراق وايران وجزء من الاناضول وجورجيا، الا عدد من الامراء المتنازعين بينهم على عدد من الاقاليم والمقاطعات التابعة لمناطق حكمهم. وكانت وفاة ابو سعيد ايذانا بانهيار الحكم الايلخاني.

التتمة في بحث قادم-انظر القائمة الرئيسية-الارشيف

التعليقات


إضافة تعليق