مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

مراحل الحرب الباردة

د. ايناس سعدي عبد الله

هذا البحث جزء من كتاب: الحرب الباردة تاريخ العلاقات الامريكية-الروسية/تأليف الدكتورة: ايناس سعدي عبد الله

قسمت الحرب الباردة إلى مراحل عدة،وكانت كل مرحلة تعكس نمطاً من العلاقات بين المعسكرين تبعاً لتضارب أو توافق المصالح السياسية خلال المدة الزمنية من 1945 – 1991،ومن أجل إبراز خصائص كل مرحلة قسمت الحرب الباردة إلى خمس مراحل أساسية.

المرحلة الأولى:مرحلة المواجهة 1945-1953.

في عام 1945 انتهت الحرب العالمية الثانية لتأخذ العلاقات الدولية منحنى جديد في تاريخها ويبدو أن قادة الولايات المتحدة على الأقل كانوا وقبل نهاية الحرب يرون إن المهمة القادمة كانت تتطلب إخضاع الاتحاد السوفيتي وفي اقل تقدير إضعاف نفوذه القادم في أوربا ويتضح ذلك جليا في ما قاله العالم النووي الأميركي "لي زيلارد" في مذكراته التي نشرها بعنوان:"التاريخ الشخصي للقنبلة النووية"، أن وزير الخارجية الأمريكي بيرنز اجتمع به في البيت الأبيض،وأن بيرنز كان يؤكد على أن "امتلاكنا للقنبلة (الذرية) وإظهار فعاليتها سوف يجعل الاتحاد السوفيتي أكثر طواعية في أوروبا".لقد تميزت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية  ومنذ عهد الرئيس ترومان بتوجه جديد يحدد معالم السياسة الخارجية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.وكان هذا التوجه قائماً على تدخل الولايات المتحدة في شؤون العالم بهدف احتواء انتشار الشيوعية في العالم،وبالقوة إذا اقتضى الأمر. ومن اجل أن ينفذ ترومان سياسته أكد إن أمن الولايات المتحدة لا يتم إلا عن طريق حرب شعواء على الشيوعية،أي حرب على الأنظمة الشمولية.وفي هذا الصدد، قال ترومان:"إن الأنظمة الشمولية المفروضة على الشعوب الحرة، بالاعتداء المباشر أو غير المباشر، تُضعف أسس السلام الدولي؛وبالتالي، تضعف أمن الولايات المتحدة".ورسم العالم على نحو تبسيطي، قائم على ثنائية الخير والشر، حيث دعا شعوب العالم إلى الاختيار بين الجانب الصالح -الديمقراطيات الغربية واقتصاديات السوق الحُر- والجانب السيئ -الأنظمة الشيوعية- إذ قال:"يجب على كل دولة في المرحلة الراهنة من التاريخ البشري أن تختار نمطها من بين أنماط الحياة". وقال كذلك:"من بين أنماط الحياة الموجودة، نمط يقوم على رغبة الأغلبية، ويتميز بوجود مؤسسات حرة". و"أما نمط الحياة الثاني، فيقوم على رغبة أقلية تفرض على الأغلبية بالقوة،وتقوم على الترهيب والقمع". وبعد ذلك، مضى ترومان إلى الإعلان عن الأسس الجديدة للسياسة الخارجية الأميركية، أو ما عرف لاحقاً بـ"مبدأ ترومان" حيث قال:"أعتقد أنه ينبغي أن يكون قوام سياسة الولايات المتحدة على دعم الشعوب الحرة التي تقاوم الاستعباد والخضوع اللذين تحاول الأقلية المسلحة أو الضغوط الخارجية فرضهما".

لقد تميز عام 1946 بتوتر متزايد في العلاقات الدولية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وخاصة بعد تسريح الجيش الأمريكي السريع والذي لم يتبعه تسريح مقابل من الجيوش السوفييتية،وأوجد هذا جواً من الشك وزاد سوء ظن المقابل.إذ كانت بدايات الصراع في أوربا،وخلال  هذه المرحلة صدر مبدأ ترومان ومشروع مارشال.

لقد تميزت هذه المرحلة بعدة صراعات داخل أوروبا كان أهمها  الصراع الشديد لاقتسام قارة أوربا،إذ انقسمت ألمانيا إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية والتي كانت تدعم من قبل السوفييت،وجمهورية ألمانيا الاتحادية والتي كانت تدعم من الولايات المتحدة،ورفض كل من الطرفين الاعتراف بالأخر، فقد كان انقسام ألمانيا بادرة أولى نحو انقسام أوربا بين الكتلتين المتصارعتين. فضلا عن ظهور عدد من الاضطرابات في  تركيا نتيجة مطالبة الإتحاد السوفييتي من تركيا بتصحيح الحدود الشرقية وإعادة ولايتي قارص وأردهان إلى الاتحاد السوفييتي وكذلك تعديل معاهدة (مونترو) ونظام حماية المضايق البحرية التركية على أن تكون تركيا والإتحاد السوفييتي لوحدهما مسؤولتين عن حمايتها كذلك منح مؤسسات بحرية وجوية للقوات السوفييتية،وتعديل نظام الحكم في تركيا وجعله ديمقراطياً، ونتيجة لذلك احتارت تركيا في توجهاتها في السياسة الخارجية بين الكتلتين العالميتين اللتين فرضتا نفسيهما على عموم العالم إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ومن الأزمات الأخرى التي شهدتها المرحلة كانت الحرب الأهلية في اليونان فقد غرقت اليونان في حرب بين اليمين الحاكم واليسار من الشيوعيين  والتي استمرت عدة سنوات(1945-1949) وقد كانت ألبانيا المجاورة لليونان قد أصبحت آنذاك تحت الحكم الشيوعي وتحولت إلى قاعدة مهمة لدعم القوات اليسارية في اليونان بالمال والسلاح.فضلا عن مساندة كل من بلغاريا ويوغسلافيا لليساريين، وقد تخوفت الولايات المتحدة من احتمال زيادة انتشار الشيوعية في اليونان،فقد كان ترومان يخشى بشدة المد الشيوعي على كل من اليونان وتركيا وقد أعلن:"إن وجود اليونان اليوم بات مهدداً من قبل الأنشطة الإرهابية التي يقوم بها بضعة آلاف من الرجال المسلحين، بزعامة الشيوعيين، الذين يتحدون سلطة الحكومة".وكذلك بريطانيا التي أخذت على عاتقها إمداد الحكومة اليونانية بالمال والسلاح لمواجهة الحرب الأهلية مع الشيوعيين،وقد انتصر اليمين بدعم من الغرب.ولكن كان لهذه الحرب تداعياتها ذ بعد انتصار القوى اليمينية في اليونان ارتأت الحكومة اليمينية الجديدة فرصة لتحريك وتحقيق الطموح اليوناني القديم بضم ألبانيا الجنوبية،فقد كانت ألبانيا متهمة بدورها في الحرب الأهلية،وكان مناخ الحرب الباردة المتوتر يساعد اليونان على المضي في طموحاتها وشن حرب خاطفة على ألبانيا بحجة إسقاط الحكم الشيوعي فيها إلا إن المفارقة إن الولايات المتحدة كانت تضغط في الاتجاه المعاكس،ومن خلال حلف الشمال الأطلسي،للحد من الاندفاع اليوناني والسبب في ذلك إن ألبانيا كانت عضو في حلف وارسو وبالتالي كانت الولايات المتحدة تخشى من اندلاع حرب قد تتجاوز الحدود الألبانية وتصطدم بالاتحاد السوفيتي،كذلك كانت الولايات المتحدة مشغولة بالمشكلة الكورية.

وفي تشيكوسلوفاكيا  في شباط 1948 حدث انقلاب شيوعي فقد كانت تشيكوسلوفاكيا هي  الدولة الوحيدة من الدول المتحالفة مع  الإتحاد السوفييتي التي ظلت محتفظة بنظامها الديمقراطي على الرغم من توالي الحكومات إذ ظلت تحرص على علاقتها بالاتحاد السوفييتي، ولكن هذه العلاقة لم تكفِ في نظر الروس لاعتبار أن تشيكوسلوفاكيا دولة صديقة يؤمن جانبها،لذلك صدرت الأوامر للشيوعيين التشيكيين بالقيام بالانقلاب،وبذلك طبق النظام الشيوعي في البلاد منذ هذا التاريخ.

على الرغم من أن أوربا كانت آنذاك الجبهة السياسية للصراع بين الشرق والغرب، ولكن الأزمات التي بدأت بالعلاقات الأمريكية-السوفييتية تقترب بها لم تؤدِ إلى المجابهة العسكرية المباشرة بينهما،وإنما أدت إلى سلوك تميز بالمرونة المتبادلة وهذا مما ساعد على تصعيد احتمالات الحرب النووية، وقد أكدت مثلاً الحرب الكورية 1950 ذلك عملياً،ففي خلالها طرح مارك آرثر القائد العام للقوات الأمريكية فكرة استخدام السلاح النووي ضد الحشود الصينـيةلـتدميرها، لكن فكرته لم تجد استجابة من قبل أيزنهاور ذلك خشية من رد الفعل السوفييتي.ومن التطورات المهمة في هذه المرحلة نجاح الثورة الصينية 1949 وأدى هذا إلى عقد معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفييتي،إذ آمن ماو سي تونغ الزعيم الصيني انه في عقد هذه المعاهدة أمن جناح روسيا الشرقي، وخاصة بعد أن اكتسب هذا التحالف الصيغة العسكرية مع الصين.وكذلك ظهر في هذه المرحلة مجموعة من الأحلاف الدولية إلي أعلنها كلٌ من الطرفين، إذ أعلنت الولايات المتحدة إنشاء مجموعة من الأحلاف الدولية التي ربطت موجبها مجموعة الدول الغربية،وكان من أهم هذه الأحلاف حلف الناتو 1949.وكما أعلن الاتحاد السوفييتي مجموعة من الأحلاف ربطت الكتلة الشرقية بعدد من الأحلاف أهمها حلف وارسو 1953.

المرحلة الثانية:مرحلة التعايش السلمي 1956 -1969.

اتسمت هذه المدة بأنها أشد سنوات الحرب الباردة وخاصة في نهاية الخمسينات وبداية السينات،إذ تعتبر مدة انتقالية في سياق تطور صراع الشرق والغرب،إذ أنها شهدت تأرجح العلاقات بين الطرفين من لحظات المواجهة الساخنة التي أوشكت أن تتحول إلى حرب نووية،كما حدث في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.شهدت العلاقات السوفيتية الأمريكية هدوءاً نسبيا في بداية هذه المرحلة،ولاسيما في منتصف عام 1958،وقد ظهرت بوادر التعاون التجاري بعد أن أدرك الطرفان إن كلا الدولتين تمتلكان قوة اقتصادية كبيرة،وتظهر بوادر التفاهم في الرسائل المتبادلة بين رئيس الوزراء السوفيتي خرشوف والرئيس الأمريكي إيزنهاور.ويبدو إن الأمر الذي عكر هذا الهدوء هو إسقاط طائرة التجسس U-2 التي كانت تقوم برحلات استطلاع وتصوير فوق الاتحاد السوفييتيمنذ عام 1956 فقد أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية طائرات الاستطلاع والتجسس الاستراتيجي U-2 بمهامها الاستطلاعية فوق الأراضي السوفيتية على الارتفاعات العالية جداً، ولم يعلم السوفييت شيئاً عنها إلا في عام 1958م، وكان (ريتشارد بيزل) نائب المخابرات المركزية الأمريكية،والمسئول عن برنامج طائرات التجسس U-2يرى أن هذه الطائرات نجحت في جمع المعلومات الهامة عن الاتحاد السوفيتي وقد تمكن السوفيت من إسقاطها في عام1960وكان لهذا الحادث تداعياته السياسية الخطيرة  إذ أعلن خروشوف في اجتماع مجلس السوفيت الأعلى في 5/أيار/1960:"إن يوم 16 أيار كان مقرراً لانعقاد مؤتمر قمة في باريس يضم قادة الاتحاد السوفيتي،والولايات المتحدة،وبريطانيا،وفرنسا،وأن نجاح هذا الاجتماع مهم للغاية، حيث كان مقدراً لنا إرساء قواعد قوية للتعايش السلمي بين الدول ذات النظم الاجتماعية والسياسية المختلفة"،واستطرد قائلاً:"لكن هناك ما يدعو للقلق، فإن عليَّ الآن أن انقل لكم العمل العدائي الذي قامت به الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي في يوم عيد العمال السوفيتي"،وقال:"إن هناك دوائر أمريكية تريد تفجير مؤتمر القمة،وهي تعمل ضد الاتفاق بين الجانبين"وكان من ابرز نتائج إسقاط  طائرة U-2 القضاء على مؤتمر الأقطاب المقرر عقده في باريس يوم 16 أيار 1960م، وفتحت مجالاً واسعاً لحملات الهجوم الدعائي المتبادل بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وأوجدت لدى السوفيت نوعاً من عدم الثقة في نوايا الولايات المتحدة، وأصبح الاتفاق بين الدولتين حول نزع السلاح أمراً بعيد المنال.وكان من نتائج هذا الحادث أيضاً إقدام الاتحاد السوفيتي على استئناف تجاربه النووية التي كانت متوقفة أكثر من ثلاث سنوات.

مع ذلك شهدت هذه المدة لحظات من الهدوء والتفاهم والانفراج التي لم يعهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكن تميزت هذه المرحلة لاسيما  في حقبة  الستينيات حدوث تصدعات وانقسامات داخلية خطيرة ضمن كل من المعسكرين،ففي الشرق الاشتراكي برز الخلاف السوفييتي-الصيني الذي فرق وحدة الشرق وأنهى تفرد الاتحاد السوفييتي بزعامة الشرق،وكما شهد الغرب الرأسمالي انقساما خطيراً تمثل بخروج فرنسا على الإدارة الأمريكية وانسحابها من القيادة العسكرية لحلف الشمال الأطلسي ودعوتها لاستقلال أوربا من الهيمنة الأمريكية.إن هذه الانقسامات التي ميزت مدة الستينيات دفعت كلاً من الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي إلى إجراء مراجعة شاملة والقيام بتقييم لمعرفة حجم المكاسب والخسائر التي حصلت خلال السنوات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية،واتضح للاتحاد السوفييتي أنه استطاع أن يحافظ على مد نفوذه في أوربا الشرقية،وأصبح له تأثير في معظم حركات التحرر في دول العالم الثالث، وكما حقق الاتحاد السوفييتي اكبر الانجازات عندما أطلق أول صاروخ عابر للقارات1957،وإرسال مركبة سبوتنك إلى الفضاء عام  1957،أما الولايات المتحدة فقد لاحظت بأنها أصبحت الدولة النووية الأولى في العالم، وكما تمتلك أعظم قوة اقتصادية دون منازع، إذ تحول الاقتصاد الأمريكي خلال هذه السنوات إلى اقتصاد كوني قادر على تعزيز هيمنة الولايات المتحدة السياسية والدبلوماسية على العالم المعاصر، فحققت هذه المراجعة إلى قام بها كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة بأن لهما مكاسب عديدة أظهرت لهما بأنه لابد من تهدئة الصراع وتفادي أية مواجهة نووية وأنه يجب إيجاد صيغة جديدة للتعايش السلمي بينهما.

إن هذه الرغبة الجديدة في التفاهم والتعايش السلمي بين الشرق والغرب لم تتحول إلى سياسة واضحة المعالم إلا عند مجيء ريتشارد نيكسون إلى رئاسة الولايات الأمريكية المتحدة عام  1969،إذ أعلن نيكسون عن رغبته في تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في عدد من المفاوضات الشاملة بين الشرق والغرب.

المرحلة الثالثة:مرحلة الوفاق الدولي 1969 - 1976

بعد انتهاء أزمة الصواريخ الكوبية أخذ كل من الطرفين بتحسين علاقاتهما واكتشاف آفاق التفاهم فيما بينهما،ولقد بدأ التوجه يتبلور في شكل سياسات ملموسة مع إقدام فرنسا على اتخاذ خطوات جريئة لتحسين علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي ورغبتها في الانفتاح على دول الشرق،وكما حرصت ألمانيا على إتباع خطوات فرنسا وأعلنت عن سياسة خارجية جديدة عرفت بإستراتيجية(الانفتاح على الشرق)وارتبطت هذه السياسة الجديدة باسم المستشار الألماني(ويلي براندت) الذي بدأ بحملة جديدة في السياسة الخارجية في عام1969إذ عرض توقيع معاهدات مع بولندا والاتحاد السوفييتي يوجه فيها اهتماما بالمصالح الأساسية لهذين البلدين،وكما عرض على تشيكوسلوفاكيا اتفاقيات تجارية وتعويضات لضحايا النازية،وقبلت هذه العروض وبدأت المفاوضات،لكن (براندت) كان حريصاً على ضمان الدعم من حلفائه وكما حاول الضغط على دول الغرب للتفاوض على اتفاقية رباعية مع الإتحاد السوفييتي في برلين.

        لاقت سياسة الانفتاح على الشرق ترحيباً من الاتحاد السوفييتي الذي كان ينادي هو الآخر بسياسة التعايش السلمي الذي هيئ المجال أمام جولات الحوار الجاد بين الشرق والغرب لتدعيم فرص التفاهم فيما بينهما،ومن اللافت للانتباه إن هذا التوجه نحو تعميق الانفراج جاء في وقت كان فيه جنود الولايات المتحدة يخوضون معركة خاسرة في فيتنام.وعندما تولى ريتشارد نيكسون رئاسة الولايات المتحدة حوّل الوفاق من مجرد شعارات إلى سياسة حقيقية والى واقع من وقائع الحياة السياسية الدولية المعاصرة، ولكن على الرغم من ذلك عرف عن نيكسون عداءه الشديد للشيوعية وبعدم ثقته بالاتحاد السوفييتي فقد تغيرت سياسته حيال الاتحاد السوفييتي من المناداة بوجوب دحره عام 1953 إلى البيان عام 1967 بوجوب احتواءه، إذ نشرت صحيفة نيويورك تايمز عن موقف نيكسون:"منذ سبعة عشر عاماً تحدث نيكسون نائب الرئيس أمام جمعية محرري الصحف الأميركية،فأطلق منطاد الاختبار الشهير معترفاً أنه إذا دعت الضرورة فأن القوات الأمريكية البرية سوف تُستخدم في الهند الصينية لمنع استحواذ الشيوعيين عليها،وأوضح إن القوات الأمريكية لن تنسحب باجمعها من الهند الصينية حتى يطور جزء من تلك البلاد(فيتنام الجنوبية) مقدرته  على الدفاع عن نفسه ضد الغزو الشيوعي".وعلى الرغم من ميول نيكسون المتطرفة القائمة على شعارات الحرب الباردة، إلاّ أنه فتح آفاق الوفاق وأنه الزعيم الذي أخذ على عاتقه زيارة موسكو والتفاوض مع الزعماء السوفييت،والتوقيع على جملة من الاتفاقيات التي وضعت حلولا سياسية للعديد القضايا العالقة مابين الشرق والغرب.وتنفيذاً لسياسة التعايش السلمي،عقدت قمة موسكو 1972 بين بيرجينيف  رئيس الاتحاد السوفييتي ونيكسون رئيس الولايات المتحدة، وأعلن نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر مبادئ سياسة التعايش السلمي،وهي:

1.أن تعارض محاولة قيام أي بلد لتحقيق موقع السيطرة عالمياً أو إقليمياً.

2.أن تقاوم أية محاولة لاستغلال سياسة الانفراج لإضعاف تحالفاتها.

3.سنقوم بالرد إذا كان تحقيق التوترات قد أستخدم كغطاء لإشعال النزعات في مناطق المشاكل العالمية.

لقد تراجعت الحرب الباردة تدريجياُ أمام الانفراج بين الشرق والغرب نتيجة ظهور العديد من المستجدات أهمها:

1.حدوث تغيرات داخلية هامة في الاتحاد السوفييتي بعد وفاة ستالين.

2.تزايد كميات الأسلحة النووية وتزايد مخاطر اندلاع حرب نووية عابرة.

3.تصاعد نفقات سباق التسلح والحاجة المعيشية والاقتصادية لوضع حد لهذا الإنفاق العسكري المرهق.

4.حاجة الإتحاد السوفيتي إلى الحصول على التقنية من الغرب لإنجاز وإكمال التنمية والتحديث الاقتصادي.

5.اكتشاف الولايات المتحدة فشل سياسة الاحتواء و فشل سياسة المواجهة مع الاتحاد السوفييتي ورغبتها في التأثير في السلوك السوفييتي من خلال التعامل معه.

6.بروز الصين كدولة فاعلة ورغبة الاتحاد السوفييتي في وضع حد للتقارب الأمريكي-الصيني.

لكن رغم أهمية هذه المستجدات إلاّ أن السبب الأهم من ذلك فهو اقتناع الولايات المتحدة والغرب بأن الوقت قد حان للاعتراف بالاتحاد السوفييتي كدولة عظمى لها مصالحها ونفوذها في العالم.فحسم الشرق والغرب أمر العلاقات بينهما خلال مرحلة السبعينيات والتوصل إلى صيغة التفاهم في حل القضايا الخلافية المتعلقة بأوربا، وكانت أبرز تلك القضايا هو إعادة جلسات الحوار بين الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة حول مشكلة برلين،إذ أستطاع الطرفان التوصل إلى صيغة نهائية لحل هذه المشكلة،وتم التوقيع على وثيقة لحل هذه المشكلة عام 1972 من قبل (فرنسا، بريطانيا، الاتحاد السوفييتي، الولايات المتحدة) وكان هذا الاتفاق بمثابة نقطة البدء لعقد مؤتمر الحوار والتعاون الأوربي في مدينة هلسنكي 1972 لإقرار جدول الأعمال،وتم عقد المؤتمر الثاني عام 1973،ثم عقد المؤتمر الثالث 1975 على مستوى رؤساء الدول حضرته (33 دولة) ووقعت هذه الدول على الوثيقة النهائية التي عرفت بــ (وثيقة هلسنكي)،وتضمنت هذه الوثيقة على عدة مبادئ منها:

1.الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة بين الشرق والغرب،والتعهد بحل المنازعات بينهما بالطرق السلمية.

2.التعهد بعدم انتهاك الحدود الإقليمية القائمة في أوربا أو التعديل فيها،و الاعتراف بشرعية الوضع الجغرافي القائم.

3.التعهد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة كل دولة.

4.وجوب احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

5.توسيع وتعميق التعاون الاقتصادي والعلمي والفني بين الشرق والغرب.

6.تعزيز روابط الاتصال بين الشرق والغرب.

7.التعهد بإزالة أسباب سوء التفاهم والتقليل من أخطار النزاعات المسلحة في القارة الأوربية والعمل على تخفيض حجم القوات المسلحة المتواجدة في أوربا.

تعد هذه الوثيقة هي من أهم الإنجازات السياسية لمرحلة الوفاق،إذ توالت بعد توقيع هذه الاتفاقية مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والجماعية،ومن ناحية أخرى على صعيد العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي فقد تجسد الوفاق في عدة لقاءات ثنائية بين الطرفين وتوصلا إلى عقد عدة اتفاقيات عسكرية واقتصادية وعلمية متنوعة،وكما توالت لقاءات القمة في موسكو 1972 وقمة واشنطن 1973 وقمة فلاديفستوك 1974 وقمة موسكو 1974.

المرحلة الرابعة:انتكاسة الوفاق 1976 -1985.

لم يدم الوفاق أو الانفراج طويلاً إذ سرعان ما عاد الشرق والغرب إلى الحرب الباردة قبل انتهاء عقد السبعينات،بل وإن البعض أطلق عليها الحرب الباردة الثانية،وقد أدى هذا بطبيعة الحال إلى العداء التقليدي الذي قام طويلاً بين الطرفين وظل قائماً آنذاك،إذ تم تغليب التناقضات الإيديولوجية والعسكرية،ومما ساعد على تعميق هذا التوجه نحو تصعيد التوتر بروز حكومات غربية يمينية معادية للاتحاد السوفييتي،ففي بريطانيا أنتصر حزب المحافظين وتولت مارغريت تاتشر رئاسة الحكومة البريطانية،وفي ألمانيا أنهزم الحزب الديمقراطي الذي تبنى سياسة الانفتاح على الشرق،وكما اقتربت فرنسا برئاسة فرانسوا ميتران من المعسكر الغربي وحلف الأطلسي،وفي اليابان برزت شخصية رئيس الوزراء (ياسو هيرو تاكو سوني) الذي ألغى جميع مظاهر التقارب مع الاتحاد السوفييتي وانحاز كلياً إلى الولايات المتحدة،واتخذت جميع هذه الحكومات سياسة معادية للاتحاد السوفييتي واتبعت إستراتيجية مضادة للوفاق،فكانت هذا إيذاناً بتدهور العلاقات بين الشرق والغرب وبدء مرحلة جديدة من الحرب الباردة.فضلا عن ذلك تدخل الاتحاد السوفييتي في أفغانستان 1979، كان قد صعد الموقف،إذ يمثل هذا تحدياً للمصالح الأمريكية ويبدو إن احتلال أفغانستان كان يشكل تهديدا حيويا لأمن دول المحيط الهندي،بل أن الولايات المتحدة عدت ذلك خطرا على امن منطقة الخليج ذاتها لذا يذكر جيمي كارتر الرئيس الأمريكي في خطابه عام 1980:"أن أية محاولة من أي قوة خارجية لكسب السيطرة على منطقة الخليج سوف تعد اعتداءا لابد من مواجهته بأية وسيلة ضرورية بما في ذلك القوة العسكرية". لقد جاء هذا التدخل العسكري لكي يحدث تحولاً حاداً في فكر الرئيس وفي اتجاه إدارته،فجعلت هذه الأحداث بداية لسلسلة التراجع في العلاقات السوفييتية – الأمريكية.

من جانب أخر عندما زحفت القوات السوفيتية على الأراضي الأفغانية في مطلع عام 1980م كان الهاجس الأهم والرئيسي الذي كان يشغل القيادة السوفيتية في ذلك الوقت هو تصور مفاده إن القيادة الأفغانية سوف تنصرف إلى العالم الغربي وإلى الولايات المتحدة الأمريكية،إذا لم تجد مساعدة من الجيش الأحمر السوفيتي ولذلك رأت القيادة السوفيتية في ذلك الوقت إن التدخل في أفغانستان هو الذي سوف يوقف الوجود الأمريكي في هذا الجزء من العالم.ويشير البعض إن من أسباب التدخل السوفيتي في أفغانستان هو رغبة الاتحاد السوفييتي في ترجمة تقدمه العسكري إلى نفوذ وقوة سياسية في الساحة الدولية مع تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة،في ظلِّ الوفاق الدولي بينهما آنذاك. وذكر بعض المحللين الأمريكيين أن الاتحاد السوفييتي كان يعتقد أن واشنطن تعتبر أفغانستان منطقة هامشية بالنسبة لها،ولن يدفعها تدخل السوفيت إلى حدوث مواجهة مباشرة بين البلدين، وبالتالي فإن عملية الغزو السوفييتي لأفغانستان قد تكون رسالة إلى بزوغ نجم موسكو كقوة عظمى نشطة عالميًّا مجددا.

بعد تولي (رونالد ريغان) رئاسة الولايات المتحدة استخدم سياسة الترهيب للسوفييت واستنزاف قدراتهم الاقتصادية في سباق التسلح،وإطلاق مبدأ عسكرة الفضاء أو مبادرة الدفاع الاستراتيجي (SDI)،كان هذا بداية لانجرار السوفييت وراء الولايات المتحدة لتصفية المشاكل العالمية التي كان لكلا الطرفين يد فيها،لذلك اعتمدت سياسة ريغان على تقوية القوة العسكرية والبناء العسكري الذي يجب أن تكون له الأولوية المطلقة وإن اتفاقيات الحد من التسلح لم يستفد منها إلا الاتحاد السوفييتي،وان هذا البناء سينتج عدداً من الحلول للتحديات الخارجية التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية، وهي:

1.سيمكنها من التفاوض من موقع القوة.

2.سيجبر موسكو على التفاوض حول اتفاقيات نزع السلاح بشروط أقل.

وكما يذكر وزير الدفاع بإدارة ريغان واصفا القدرة العسكرية الأمريكية:"أن هناك إدراكاً واضحاً أن قدراتنا العسكرية قد انخفضت بشكل محزن،وأن ريغان يدرك هذا، وكان مصمماً أن يدخر القدرة العسكرية التي يمكن أن تساند مواقف أمريكا والتي بدونها ستصبح مواقفها خالية من أي مضمون". مع تناقص القدرة العسكرية الأمريكية مقابل تزايدها على الجانب السوفييتي،فقد صدرت عام 1983 وثيقة دفاعية تصف القدرة العسكرية السوفييتية وما تمثله من تهديد للولايات المتحدة،وجاء في هذه الوثيقة:"أن الولايات المتحدة تواجه في الثمانينيات تحديات خطيرة لأمنها القومي، فقد تآكلت مناطق تقليدية للتفوق الأمريكي على الاتحاد السوفييتي بسبب البناء العسكري السوفييتي الشامل للقوة العسكرية،والذي لم يقابل بشكل كافٍ من الولايات المتحدة وحلفاءها،زيادة على ذلك شجع الاتحاد السوفييتي حروب التحرير الوطنية وأيدها، وهكذا كان السوفييت يفرضون تهديداً خطيراً للولايات المتحدة وحلفاءها ومصالحها على كل مستويات الصراع، وعلى نطاق واسع".

كانت التطورات الداخلية في الولايات المتحدة أثرها الكبير على تراجع سياسة الوفاق خلال عهد ريغان،ففي سني الثمانينات صعد نجم المحافظين الجدد.لقد كان المحافظون الجدد يرون أن الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي ألا تخجل من استخدام قوتها التي لا توجد قوة منافسة لها - بكل حزم إذا اقتضت الضرورة ذلك -لنشر القيم الأميركية في العالم. ويتحدث البعض منهم حتى عن إقامة إمبراطورية أمريكية.ويرى المحافظون الجدد بأن المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية تتطلب اتخاذ خطوات استباقية سواء عسكرية أو خلافه للتعامل معها بشكل فعال، ولا يمكن احتواؤها بغير هذا الأسلوب.ويرى معظم المحافظين الجدد بان عدم الاتفاق بقدر كاف على الدفاع وعدم مجابهة المخاطر بشكل حازم وقوي جعل الولايات المتحدة الأمريكية أكثر عرضة لمختلف المخاطر.وفي حقبة الثمانينات أصبح معظم المحافظين الجدد من أنصار الحزب الجمهوري،إذ وجدوا في الرئيس رونالد ريغان ضالتهم لتحقيق مخططهم العدائي في مواجهة الاتحاد السوفيتي، بعد إن قام بتبني لغة الخطاب الحماسي المتشدد ومواصلة تركيزه على الإنفاق العسكري الضخم الذي تقوم به الولايات المتحدة.ومن الجدير بالذكر  إن المحافظين الجدد بعد دخولهم إلى إدارة ريغان قد ساهموا (لاسيما إليوت أبرامز وبولوولفويتز) في إعادة توجيه سياسة ريغان نحو دعامة نشر الديمقراطية في آسيا (اندونيسيا،الفيليبين، كوريا الجنوبية) وفي أمريكا اللاتينية.

المرحلة الخامسة:انتهاء الحرب الباردة 1985 – 1991

تبدأ هذه المرحلة بتولي ميخائيل سيرجنيفتش غورباتشوف زعامة الإتحاد السوفييتي،وفي توليه الحكم طبق برنامج إعادة البناء (البيروسترويكا) وقد ساعدت هذه السياسة في تفكك النظام الشيوعي في أوربا الشرقية وكذلك تغيرات عميقة في الإتحاد السوفييتي نفسه.ومع توليه الحكم،عادت الحيوية للسياسة السوفييتية التي كانت تعاني من القصور في مدة بيرجينيف،واستطاع غورباتشوف أن يفرض رؤية واقعية جديدة للعلاقات بين الشرق والغرب التي أدت إلى تخفيف حدة التوتر في العالم بأسره،وكما دعا غورباتشوف إلى لقاء قمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي للنظر في وضع العالم،ووضع العلاقات بين الدولتين، وتم عقد هذه القمة في جنيف 1985 بين ريغان وغورباتشوف،ويعد هذا أبرز لقاء في مدة ألثمانينيات،حيث وضع حداً للحرب الباردة الثانية التي أججها ريغان،وثم توالت بعد ذلك لقاءات القمة حيث عقد قمة ريكــافيك في سنة 1986 وقمة واشنطن سنة 1987 وقمة موسكو 1988.وكان العالم يتوقع إن لقاءات القمة ما هي إلا إعادة الحياة السياسية  التي أعلنها غورباتشوف،لكن في واقعها كان إزالة وحل المشاكل العالمية العالقة وإيقاف نشر الصواريخ النووية والحد من التسلح وانسحاب السوفييت من أفغانستان.وبالرغم من السياسات الإصلاحية التي قام بها غورباتشوف إلا إنها لم تصل إلى نتيجة في تطوير الأوضاع في الاتحاد السوفييتي، فقد أخفق غورباتشوف في تحقيق التقدم الاقتصادي المطلوب والمتوقع،كما أنه كان سببا في إطلاق الحركات القومية غير الروسية من عقالها، وهي الحركات التي كانت قد قمعت لأجيال من قبل السلطة الروسية،ومن بعدها بواسطة السلطة السوفيتية،وهو ما جعل انهيار الاتحاد السوفيتي مسألة حتمية. وبعد ذلك أصبح الوضع الذي يتمتع به الحزب الشيوعي ضربا من الحكم غير شرعي في نظر الكثيرين،مما أدى إلى انتهاء سيطرة الحزب على جهاز الحكم في مارس 1990،إذ أعلن غورباتشوف في 12 كانون الأول عن خيبة أمله من التطورات الجديدة وأعلن عن رغبته في الاستقلال،وأعلن وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر أن الاتحاد السوفييتي لم يعد له وجود،كما صرح خلال زيارته إلى موسكو والاجتماع إلى الرئيس الروسي يلتسين عن توقيع معاهدة مع روسيا، ورسمياًً أعلن عن انتهاء وجود الإتحاد السوفييتي في 25/كانون الأول/1991،وبذلك، بانتهاء الاتحاد السوفييتي انتهت الحرب الباردة في عام 1991.

 

 

التعليقات

  1. mona33361 علق:

    رد: مراحل الحرب الباردة

    المرحلة 1:(القطيعة) 1917-1941(1941-1945)التحالف
    المرحلة الثانية (عودة القطيعة)1947-1956
    المرحلة الثا لثة (التعايش السلمي) 1956-1977
    المرحلةالرابعة (نهاية الحرب الباردة )1977-1990
    (بإختصار )

  2. mona33361 علق:

    رد: مراحل الحرب الباردة

    علي حد معلوماتي التي تلقيتها من أستاذي الكريم أن مراحل الحرب الباردة كتالي :المرحلة


إضافة تعليق