مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

د. اسامة عدنان يحيى

           كانت ثورة بابل الأولى التي اندلعت عام 522ق.م. أولى الثورات التي بوجه الاخمينيين، ويبدو أن هذه الثورة لم تأتي نتيجة الصدفة المحضة وإنما نابعة من تراكمات عدة، فالبابليين أدركوا منذ الأيام الأولى للاحتلال أن الفرس ما هم إلا غزاة، وأدركوا أيضاً أن الفرق بين كورش الفاتح الاخميني وبين نبونائيد. فبعد مرور أيام على الاحتلال، تخبرنا وثيقة الأخبار البابلية أنه في تشرين الثاني (539 ق. م) توفيت زوجة الملك نبونائيد:"في اليوم …. من شهر اراخشامنو (Araḫšamnu)ماتت زوجة الملك.من اليوم السابع والعشرين لشهر اراخشامنو إلى اليوم الثالث من شهر نيسان أقيمت مناحة رسمية في أكد،كل الناس ذهبوا إلى مكان المناحة وشعورهم شعثة".إن هذا النص يوضح لنا أن وفاة زوجة الملك نبونائيد قد أثرت كثيراً على البابليين إلى درجة أنهم استمروا في البكاء عليها ستة أيام،وأن تحليل ذلك الأمر يكشف لنا عمق الترابط الذي كان يربط الناس بذكرى الحكم المستقل.ومع ذلك فأن أي ثورة لم تندلع في عهد كورش،ولا نكاد نقرأ عن أي إشارات عن تململ الوضع باستثناء الإشارة الأنفة الذكر وربما كان ذلك بسبب سياسة كورش تجاه بابل وعدم إثارة مشاعرهم الدينية.ويمكن أن نستدل من المعلومات القليلة التي سبقت ثورة بابل الأولى شيئاً عن أسباب الثورة،فنحن نعرف عن ممارسة الموظفين سياسة ابتزاز أموال المواطنين البابليين. ومن وطأة الضرائب المفروضة يمكن أن نعرف أحد أسباب الثورة، ونحن نقرأ إشارة عند هيرودوت أن دارا الأول مثلاً حاول سرقة تمثال ذهب من معبد ايساكيلا غير أنه لم ينجح. ويمكن الاستنتاج أن الملوك الاخمينيين رغم ادعائهم بأنهم استمرار للحكم المحلي إلا أنهم حاولوا الحصول على الأموال بشتى الوسائل وحتى سرقة أموال المعابد البابلية.كما أن الاضطرابات الناشئة في أعقاب وفاة قمبيز قد حفزت البابليين على الثورة وأنهم عندما أعلن بارديا نفسه ملكاً انحازوا إليه.

          أعلن أهل بابل الثورة ضد ألاخمينيين وانظموا تحت لواء زعيم لهم يدعى
ندينتي-بيل(ندينتو-بيل) الذي أعلن ملكيته على بلاد بابل وأطلق على نفسه اسم نبوخذنصر (الثالث) وربما يمت بصلة النسب إلى نبونائيد.ويبدو أن خبر هذه الثورة قد أفزع دارا الأول فقاد الأخير الجيوش التي سارت لإخماد الثورة ويظهر أن الزعيم العراقي الثائر قد استحوذ على معابر نهر دجلة وشكّل قوة نهرية لهذا الغرض.وهي خطة محكمة تمكن منها من منع الجيوش الفارسية من التقدم ضده،في وقت ركز جيوشه على الضفة اليمنى لمنع أية قوة عسكرية فارسية قد تتمكن من عبور النهر . ورغم الاستعدادات نجح دارا في عبور النهر وسار باتجاه بابل بعد أن أوقع هزيمة بالثوار  ولكن ما أن وصل الجيش الفارسي إلى زازانا (قرية صغيرة على الفرات) حتى وجد نفسه وجهاً لوجه أمام قوات ندينتو- بيل فدحره دارا وتراجع الثوار إلى بابل وتحصنوا في أسوارها.ويخبرنا دارا في نقش بهستون عن أحداث الثورة إذ يقول:"رجل اسمه ندينتو-بيل بابلي ابن انيري تمرد في بابل وكذب على الناس بما يلي:أنا نبوخذنصر بن نبونائيد فوقف الشعب البابلي كله إلى جانب هذا الرجل،وهجموا على كل بابل وسلموه السلطة على البابليين.فأرسلت مبعوثي (أولاً) إلى سوسة  وألقيت القبض على ارشينا.ثم زحفت على بابل ضد ندينتو-بيل،الذي يقول أنه نبو خذ نصر وكان جيشه على نهر يقال له دجلة !وكان موزعاً وكان له أسطول فوضعت رجالي على القرب وآخرين على الجمال وآخرين على الخيل وعبرنا دجلة وساعدني اهورامزدا فتحاربنا وضربت جيش ندينتو-بيل ثم زحفت إلى بابل وكانت هناك مدينة في الطريق اسمها زازانا (زازانو) وقد لجأ إليها ندينتو-بيل مع جيشه استعداداً لمحاربتي فتحاربنا فضربت جيشه بقوة؛جرف الماء العدو".ونقرأ عند هيرودوت معلومات أخرى عن الثورة،إذ يقول أن دارا قد هاجم بابل وكان البابليون يشتمون دارا ويسخرون منه،ومن جيشه ولم يلبث أحد البابليين ان هتف برجال دارا قائلاً:لم تجلسون هنا أيها الفرس؟ لم لا تعودون إلى بلادكم ؟ إنكم لن تستولوا على مدينتنا إلا إذا أنجبت البغال.ويذكر أن الحصار استمر سنة وسبعة أشهر وأنه في الشهر العشرين من الحصار اقترح على دارا أحد قادته ويدعى زوبيروس بن ميكابيسوس،بأن يقوم الملك بخديعة البابليين باحتلال مدينتهم،واقترح عليه أن يقوم بضربه (أي دارا) ضرباً مبرحاً ويرسله إلى أهل بابل ليوهم الآخرين بهربه من سيده الفارسي غاضباً ولجوئه إليهم ويقول هيرودوت أن البابليين انطلت عليهم الخدعة وأنهم منحوه قوة من الجند والذي تمكن بهم من فتح الأبواب لدارا وبذلك دخل الفرس إلى بابل.

          لا يمـكن الأخـذ بكل معلومات هيرودوت لأن الحصار حول بابل لم يستمر سنتين وأن الثورة كلها استمرت من(3 تشرين الأول 522- 22 كانون الثاني521 ق. م.) إذ جاءتنا من هذه الفترة ألواح طين مؤرخة باسم ندينتو-بيل.وأخذت التواريخ تذكر بعد هذا التاريخ عبارة:"السنة التي بدأ فيها داريوس ملك بابل ملك الأقطار"،من جهة أخرى هو ليس من المنطقي أن يسلم البابليين قوة لزوبيروس لمجرد إنهم وجدوه بالصورة التي وصفها هيرودوت.غير أنه يمكن القول إنما عبّر به البابليون من أقوال نقلها هيرودوت توضح مدى رغبة البابليين في التحرر وأنه من غير المستبعد أن دارا الأول قد استعمل الخديعة من أجل دخول المدينة.وعلى أي حال فأن دارا قد دخل بابل وقتل الثائر وضرب أسوار المدينة وبواباتها ونفذ حكم الإعدام بـ (3000) شاب.

 

 

التعليقات


إضافة تعليق