مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

د. اسامة عدنان يحيى

 

        في المعتقدات القديمة تظهر الالهة وهي تتصارع مع اقرانها، هذا الصراع الذي يفسر عادة كصراع بين قوى الطبيعة احيانا، أو يشير الى نهاية عبادة بعض الالهة وظهور اخرى تتميز عادة بكونها الهة فتية. ففي بلاد الرافدين نقرأ عن الصراع الذي اندلع بين الالهة العتيقة، والالهة الفتية الذي انتهى بهزيمة تيامة ومقتلها على يد مردوك اله بابل الفتي. وفي أساطير اوغاريت نقرأ عن صراع بين بعل وموت اله العالم السفلي إذ يقتل موت، بعل وينقله معه إلى مملكته فيمتنع سقوط المطر، وتذبل الحقول الخضراء، وتستمر حالة الجدب حتى تنزل زوجته عناة وراءه إلى العالم الأسفل للبحث عنه فتلتقي بخصمه فتقطعه بمنجلها، ثم تنشر أعضاء جسمه المقطعة في الحقول فتعود الحياة من جديد إلى بعل في فصل الربيع، وتخضر الأرض. وفي أسطورة أخرى نعرف أن بعل يحاول أن يسيطر على الأرض بعد معارك دامية مع خصومه، وتبدأ الأسطورة بقرار الإله الأعظم ايل منح بعض سلطاته على البحار، والأنهار للإله يم فيغضب الإله بعل ويضمر في نفسه الحقد والحسد، فتنشب بينه وبين يم معركة ضارية ينتصر فيها بعل بمساعدة قوشار اله الفنون والصناعات الذي جهزه بأحسن الأسلحة، ولكن على الرغم هذا النجاح لم يستطيع أن يفرض سلطانه على الأرباب الآخرين فطلب من الآلهة عناة التوسط لدى الآلهة الكبرى عشيرات لإقناع زوجها ايل بالسماح لبعل بتشييد معبد على الجبل المقدس في الشمال البلاد. وافقت عشيرات على رجاء بعل وأقنعت زوجها بضرورة بناء المعبد ورضي ايل، وشيد قوشار معبدا ضخما لبعل جهزه بأحسن الأثاث ثم دعا بعل جميع الآلهة إلى مأدبة طعام احتفالا بهذه المناسبة السعيدة فاصبح سيد المجمع المقدس (البعليم). وما كاد بعل ينعم بنشوة النصر حتى ظهر لـه منافس آخر هو موت اله العالم الأسفل، واله القحط ، إذ حاول موت الخروج من مكانه الحزين المعزول في العالم الأسفل لاغتصاب المنصب الجديد الذي حصل عليه بعل في رئاسة المجمع الإلهي ولتحقيق هذه الغاية دعا بعل إلي وليمة أقامها في العالم الأسفل ليأكل من طعام الموتى،  فإذا أكل في هذا المكان فلا يمكن له الرجوع إلى الأرض  ولما حضر بعل الوليمة، وأكل الطعام وقع في الفخ، وبقي مسجونا في العالم الأسفل مدة من الزمن فحزنت عناة على اختفاء زوجها بعل.  ولكن بعل بعث مجددا وبدأت معركة حقيقية مع الإله موت انتهت بانتصار بعل، ونفي موت إلى اسفل الأرض إلى الأبد، وساهمت عناة  في هذه  المعركة . والواقع إن نقاط التشابه واضحة بين ملحمة الخليقة البابلية وأسطورة صراع بعل مع يم،  إذ إن في الأسطورتين يقوم اله شاب بدحر قوى الماء، ومثلما كان سلاح بعل البرق كان سلاح مردوك هو البرق أيضا . وفي الهند نقرأ في اسطورة كيف ناشد آلهة الاديتياس (أي أبناء اديتي المعبودة الخيرة في الريك فيدا وكان الاديتياس أو الاديتيات في حالة صراع مع الدانافات وكادوا يندحرون لذا فهم بحاجة إلى بطل) الإله اندرا أن يكون بطلاً، ولكنه على حداثة سنه اشترط قبل القبول أن يكون ملكهم، وكان عليهم أن يوافقوا. وعندئذ خرج ليدخل المعركة مع فريترا وصنع تفاشتري صانع الآلهة سلاحاً يسمى فاكرا تعادله المأثورات بالبرق، و لما قوى نفسه بثلاثة أباريق من شراب السوما، وزاد حجمه ، وقوته هاجم فريترا الذي تصفه النصوص بثعبان راقد على الجبال.  وكانت المعركة ضارية، وتحدثنا الأناشيد كيف إن اندرا قاتل وحده وتقول أحيانا بان لـه أعوانا. ولم يكن فريترا شديد البأس فحسب، بل كان حاذقاً وممتلئاً بالحيل السحرية. ومع ذلك لم ينفعه بأسه ولا سحره فقد هوى عليه اندرا، وقصم ظهره أو كما قيل فجر جوفه. إن نقاط التشابه بين هذه الأسطورة، وبين ملحمة الخليقة واضحة فكلا البطلين الإلهيين (مردوك واندرا) كانا شابين، وكلاهما اشترط قبل النزال بأن يحصلوا على السيادة في عالم الآلهة. وكلا الإلهين كانت من ضمن أسلحتهما البرق. وإن فريترا يوصف كثعبان في حين كان الثعبان من قوات تيامة. وكلا فريترا وتيامة استخدموا السحر،  وكان مردوك قد رمى تيامة بسهم، ومزق معدتها كما فعل اندرا  عندما فجر جوف فرتيرا .وفي التراث المصري نقرأ  في أسطورة انه كان للإله اوزيريس مكانة مرموقة بين الآلهة فحسده أخوه الإله سيث، وقتله  فحزنت عليه زوجته التي هي أخته بنفس الوقت الإلهة إيزيس، وأخذت تبحث عنه، وأعادته للحياة، ثم ولد لها حورس الذي نقرأ عن صراع دار بين الإلهين حورس وسيث.

التعليقات


إضافة تعليق