مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

د. اسامة عدنان يحيى

إن بلد مثل وادي الرافدين يشكل النهران عصب الحياة النابض وركيزة البناء الحضاري، فهما أساس الاستقرار والنماء، ومن فيضهما عرفت بلاد الرافدين قيام أقدم المستوطنات الزراعية، كذلك هيأ النهران شروط الاتصال بين المناطق المختلفة،  فربط مدنه وقراه وقصباته بشبكة واسعة من الطرق اليسيرة والجيدة، لذلك يمكن عدهما الطريقين الرئيسين للمواصلات في بلاد وادي الرافدين.

          إن عاملاً مهماً في تشجيع المبادلات التجارية وتوسيعها وتطويرها تعتمد على توفر وسائل النقل اللازمة والجيدة وطرق الموصلات الطبيعية، وإن أبرز الوسائط هي وسائط النقل المائية التي ما تزال الواسطة المثالية لنقل السلع الكبيرة الحجم والوزن، الرخيصة الثمن مثل: الحجارة والمعادن والأخشاب والمنتجات الزراعية فهذه الوسائط ارخص وسائط النقل على الإطلاق وأكثرها استيعاباً، ومما زاد من اعتماد العراقيين على النقل النهري، إضافة إلى ما ذكرنا ان القسم الوسطي والجنوبي من العراق بسبب طبيعتهما السهلية، وانتشار شبكة قنوات الري وسعة الأراضي الزراعية مع احتمال غمر أجزاء منهما في موسم الفيضان يجعل كل ذلك من أمر تشييد الطرق البرية وصيانتها أمراً صعباً للغاية، إن لم يكن مستحيلاً ضمن امكانيات العراقيين القدماء مقابل ذلك تستطيع أبسط وسائل النقل النهرية من الانتقال بيسر وسهولة ودون أية خطورة محتملة من أعالي النهر وحتى مصبه في الخليج العربي.

          أبرز وسائط النقل النهرية هي السفن الشراعية التي تعد صورة متطورة لوسائط النقل النهري وهي على نوعين: سفن نقل الحمولة والبضائع، وسفن نقل المسافرين. ونعرف ان تسمية (Sapinatu) (المرادفة لكلمة سفينة) ظهرت لنا في القرن السادس قبل الميلاد، وهي تسمية العربية الشائعة لحد الآن.

          هناك أنواع عديدة من السفن ذكرتها المصادر المسمارية منها: السفن التي تجري مع النهر، والسفينة الشراعية، والسفينة التي تسير عكس مجرى النهر، وهناك سفينة النقل، وسفينة نقل المسافرين، وسفينة العبور، وسفينة الأجرة. وهناك سفن بأسماء خاصة مثل سفن نقل الثوم، وسفينة نقل التبن، وسفينة نقل القصب، وسفينة نقل الآجر. والسفن على أنواع فهناك: السفن الكبيرة، والسفن الصغيرة. وقد اشتهر سفن باسم منشئها مثل سفن مدينة أور، وسفن مدينة أكد، وسفن مدينة آشور وغيرها.

          لا تعرف بالضبط مقدار حمولة السفن، ونستدل من وثائق قديمة تعود لعهد سلالة أور الثالثة أنها بين (55-155 بوشل) من القمح للسفينة الواحدة. ونعرف من وثيقة تعود إلى السنة السابعة عشر من عهد نابونائيد عن استئجار شخص يدعى مورانو سفينة طاقتها (150 كور) لغرض استخدامها في معبد أي–أننا في الوركاء بمقدار (5) شاقل ونصف فضة خلال شهر واحد. ويقدر الأستاذ ساكز ان السفينة البابلية كانت تحمل في الألف الأول قبل الميلاد حوالي (40) طناً.

          الوساطة المائية الثانية للنقل النهري هي الكلك (kalakku)، والكلك عبارة عن رمث يصنع من أقوى أنواع القصب الذي ينمو بكثافة في الأهوار التي تبلغ من الطول درجة تخفي الإنسان تماماً، أو من أحسن أنواع الخشب الذي يستطيع بناة الأرماث من الحصول عليه محلياً. ويزداد تعويمه بربط جلود الماعز المنفوخة تحت سطحه والتي تجعله قادراً على حمل وزن كبير، وعندئذٍ يطوف الرمث في النهر باتجاه التيار، ويتم تحريكه وتوجيهه بالصارية معاً إلى ان يبلغ بعض النقاط في جنوبي بلاد الرافدين. وهناك أماكن للتوقف فيها حيث يتم تفريغ الحمولة، ويفكك الكلك، ثم تباع أخشابه، وتطوى جلود الماعز، وتنقل على الحمير. أما الملاح الذي تحول إلى قائد للقافلة فأنه يعود إلى النقطة التي بدأ منها حيث يبدأ هناك بالعملية مجددا. يبدو ان الأكلاك استمرت في الاستعمال حتى في العصر الأخميني، إذ يحدثنا هيرودوت عن مشاهداته للنقل النهري في العراق، إذ يقول ان القوارب (يقصد بها الأكلاك) المستخدمة تكون اطاراتها مصنوعة من أشجار الصفصاف الذي يؤتى من بلاد أرمينيا شمالي بلاد أشور، ومثبتة على الجلود وتغطي الألوان التي تصنع منها أبدان المراكب بأغطية من جلود تمتد إلى خارجها، وبهذه الصورة تصنع القوارب من دون سارية أو دفة مدورة أشبه بالترس تماماً. ومن ثم يجري ملؤها بالقش ثم توضع حمولتها على جنبها بعد ان تدفع بشدة لتطويفها بالنهر، والمادة التي تحملها هذه القوارب بصفة رئيسية هي الخمور التي تخزن في أوعية تصنع من أخشاب النخيل وتدار هذه القوارب من قبل رجلين. وتلك القوارب(الاكلاك) في أحجام متباينة بعضها كبير، والآخر صغير. وتبلغ حمولة أكبرها حوالي (5000) طالنت. ويربط في جانب كل قارب حمار واحد أما التي تكون أكبر فلها اكثر من حمار،  وعندما تصل القوارب مدينة بابل، يتم إفراغ حمولتها، وعرض هذه الحمولة للبيع، وبعد ذلك يفك الرجال قواربهم، ويبيعون الأحطاب، والإطارات ثم ينقلون الجلود على الحمير. ويخبرنا زينفون ان السكان كانوا ينتقلون عبر النهر بالأطواف المصنوعة من الجلود. ونعرف أنه عندما أراد الجيش اليوناني العبور في نهر دجلة اقترح أحد الجند الروديسيين طريقة للعبور،  وقال أنه سيحتاج إلى ألفي قربة من الجلد الذي سيحصل عليها من الأغنام والماعز والثيران والحمير، والتي يتم سلخها وأخذ جلودها ونفخها، وبذلك تصبح وسيلة للعبور، وقد قام أيضاً بربط القرب بعضها ببعض بحبال، ويتم وضع كل قربة حجر يتدلى من الماء كمرساة ويضع فوقها الخشب تعلوه طبقة من التراب من أجل منع الانزلاق. ولا ريب ان وصف زينفون لا ينطبق تماماً على وصف الأكلاك إلا انه لا يمنع ان تكون أحد الوسائل المتبعة من أجل النقل النهري شبيهة لصناعة الأكلاك. ومن الأمور الجديرة بالذكر ان الأكلاك ظلت مستخدمة كوسيلة من وسائل النقل حتى العصور الحديثة، اذ يقول الرحالة البريطاني ولستد الذي زار العراق في القرن التاسع عشر ان سكان مدينة الحلة يستعملون الجلود المنفوخة في عبور نهر دجلة، ويصف لايارد صناعة الأكلاك في العراق.

 

أما القفة فكانت نوعاً من سلة مدورة تشبه السلة التي يستعملها لحمل التراب والآجر على رأسهم، وهي في الواقع سلة من أغصان مدببة، وذات قعر منبسط، وغير عميق جداً وكان القعر يغطى بالجلود، ويغلف بالكتان، وقطع من الصوف، وتضغط جميعها بشدة وتمزج بالطين الرقيق والقار الذي يضمن عدم تسرب الماء خلاله. وكان يحرك من قبل رجل أو رجلين بمجاذيف قصيرة، وهكذا تتحرك القفة إلى أمام دون ان تدور حول نفسها، وكانت القف تحمل حمولات متنوعة. ولم يكن ملاحو القف يترددون في عبور الأنهار السريعة الجريان من أمثال نهر دجلة وكانت تستعمل بصفة اعتيادية في نقل السلع صعداً في النهر وانحداراً معه. 

التعليقات


إضافة تعليق