مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

د. ايناس سعدي عبد الله

كانت الحملة (D)قد وصلت إلى مياه شط العرب في يوم 3 تشرين الثاني 1914م، وفي عشية الغزو العسكري البريطاني، اصدر السير برسي كوكس الضابط السياسي المرافق للقوات البريطانية بيانا زعم فيه ان حكومته قد اجبرت على الحرب نظرا للموقف المعادي من قبل العثمانيين، لذا ارسلت بريطانيا قواتها لحماية تجارتها واصدقائها واجلاء الاتراك من المنطقة وان لا عداء لها مع العرب شريطة، الا يحموا الجنود الاتراك، ولا يحملوا السلاح في تجوالهم واكد مهددا على منع ذلك، كي يجرد السكان من وسائل الدفاع عن انفسهم في ظرف غابت فيه السلطة المحلية الحامية، وبذلك يتسنى لجيشه الغازي ان يتوغل بسهولة.

نزلت القوات البريطانية في الفاو في ساعة متأخرة من يوم 6 تشرين الثاني ورفع عليها العلم البريطاني بعد مقاومة طفيفة اضطر بعدها الجنود العثمانيون إلى الانسحاب، وبذلك تمكنت بريطانيا من السيطرة على مدخل شط العرب. أمّا السلطات العثمانية في البصرة فلم يصل اليها خبر احتلال الفاو الا في اليوم التالي من المدنيين الذين غادروا المنطقة إلى البصرة، فاستعدت القوات العثمانية لتصد التقدم البريطاني باتجاه البصرة الا ان حركة هذه القوات كانت غير نظامية ولا مدروسة بل مليئة بالأخطاء سواء في شكل التقدم أو في التعبئة والتموين ولم تقدم الاستخبارات العثمانية اية معلومات لقائد القوة عن الموقع البريطاني، ولم تكن لديه خريطة للمنطقة وقصارى القول ان القيادة العثمانية اعتمدت على الارتجالية دون التخطيط والحسابات العسكرية الدقيقة.

أمّا الخطط العسكرية والامدادات البريطانية فكانت مبنية على حسابات دقيقة وتقديرات جيدة منذ بداية تحرك القوات البريطانية من الهند، مكنت البريطانيين من دحر العثمانيين في معارك السنية وسيحان وكوت الزين، وفتح الطريق امام هذه القوات لاحتلال مدينة البصرة، حيث انسحبت القوات البريطانية باتجاه القرنة، ودخلتها القوات البريطانية في يوم 22 تشرين الثاني وفي اليوم التالي استعرضت القوات البريطانية في البصرة، ورفع العلم البريطاني على سطح احد المباني الرئيسة، واطلقت البحرية البريطانية مدافعها تحية له، واذاعت السلطة المحتلة خطابا دعت فيه اهالي البصرة إلى التعاون معها باعتبارها السلطة الوحيدة القائمة واقعيا ووعد الخطاب بالحرية والعدالة.

قامت القوات البريطانية بعد احتلالها لمدينة البصرة، بإقامة المعسكرات لسكنى قواتها وانزال معداتها العسكرية، والقيام بدوريات للحراسة، والبحث عن الاسلحة في القرى المحيطة بالبصرة، وتقرر مطاردة القوات العثمانية المنسحبة باتجاه القرنة والزبير، وقد اعطى الاحتلال القرنة اهمية كبيرة لموقعها العسكري، ولصلاحية الملاحة إلى الخليج العربي، وغنى المنطقة الزراعية، واحاطتها بإقليم الاحواز، فتقدمت القوات البريطانية واحتلت المدينة بعد استسلام القوات العثمانية في يوم 9 كانون الاول 1914. وبدخول القرنة اصبح البريطانيون يسيطرون على ملتقى نهري دجلة والفرات والطريق الملاحي إلى الخليج العربي.

لقد اوضحت الانتصارات البريطانية السريعة ضعف الاتراك، وعدم استعداد القيادة العثمانية في العراق للوقوف بوجه الغزو البريطاني، لهذا اعاد العثمانيون النظر في تنظيم قواتهم النظامية في العراق، وعملوا على كسب تأييد العراقيين لهم عن طريق اعلان الجهاد المقدس الذي كان له اثره في توجيه الراي العام المتأثر بالعواطف الدينية إلى حمل السلاح بوجه البريطانيين وبلغ عدد المتطوعين بين 10-15 الف مقاتل، وقد توجه هؤلاء لمقاتلة الانكليز في الشعيبة قرب البصرة.

احتشدت القوات العثمانية بقيادة سليمان عسكري بك ومعها قوات المتطوعين وبدأت بمناوشة القوات البريطانية، وبدأ الهجوم الفاصل صباح يوم 12 نيسان 1915 ولكنه كان هجوما فاقدا لعنصر المباغتة نظرا لما سبقته من شواهد دالة عليه، فقام البريطانيون بهجوم مضاد اسفر عن انتصار كاسح للقوات البريطانية، وابادة قسم كبير من القوات العثمانية، وتعد موقعة الشعيبة من المواقع الحاسمة في تاريخ عملية الاحتلال البريطاني للعراق، فقد فتتت معنويات القيادة العثمانية وخاصة عند انتحار القائد سليمان العسكري كما اوجدت الشكوك بين الناس في امكانية صمود العثمانيين امام الغزو البريطاني واعتبرت معركة الشعيبة مأساة تاريخية هامة بالنسبة للعثمانيين.

بعد هزيمة العثمانيين في القرنة والشعيبة تقهقرت قواتهم نحو العمارة والناصرية، بيد ان القوات البريطانية لاحقتها، واتجهت قوة برية ومائية في دجلة إلى العمارة، فاحتلتها في 2 حزيران 1915، كما احتلت قوة اخرى، اتجهت عن طريق الفرات، الى الناصرية في 25 تموز، وبعد معارك دامية تم للبريطانيين السيطرة على المثلث الواقع بين البصرة والعمارة والناصرية، واصبحت ولاية البصرة كلها تقريبا تحت الاحتلال البريطاني.

شجع احتلال ولاية البصرة والانهيار السريع للمقاومة العثمانية، القادة العسكريين البريطانيين على طلب التقدم نحو بغداد، واوضح السير برسي كوكس، رئيس قادة الحملة السياسيين في برقية بعثها إلى نائب الملك في الهند، بانه لا يرى كيف يمكن ترك احتلال بغداد، وقد اخذت حكومة الهند على عاتقها تحقيق فكرة الزحف نحو بغداد بعد تعيين الجنرال جون نيكسون إلى القيادة ما بين النهرين في 9 نيسان 1915، وخولته بالزحف على بغداد اذا كان مقتنعا بان القوة المتوفرة لديه تكفي للقيام بالعمليات المطلوبة.

تقدمت الحملة البريطانية عن طريق دجلة باتجاه بغداد، وكانت بقيادة الجنرال تاوزند الذي كان يعتقد في ضوء خبرته السابقة ضعف مقاومة الاتراك وان قواته لن تجد صعوبة في احتلال بغداد، أمّا العثمانيون فقد عمدوا إلى تجميع قواتهم المندحرة، وشكلوا لجنة تحصين مدينة بغداد للدفاع عنها وحدثت اول معركة بين الطرفين بالقرب من الكوت، في 27 ايلول 1915 استمرت نحو عشرين ساعة واشترك فيها الاسطولان النهريان البريطاني والتركي، وانتهت بانتصار البريطانيين وانسحاب العثمانيين إلى خطوط دفاعية جديدة اقاموها قرب المدائن بعد ان خسروا 17 الف قتيل وجريح و1289 اسيرا، ثم واصل البريطانيون تقدمهم نحو بعد بغداد بعد استعدادات دامت ستة اسابيع.

استعد العثمانيون بقيادة نور الدين لملاقاة البريطانيين قرب المدائن وحصلوا على امدادات عسكرية من الاناضول، كما وصل إلى بغداد الجنرال الالماني فون دوكولتز لتنظيم الدفاعات العثمانية ودارت معركة ضارية بين الجانبين، وخلال المعركة عززت القوات العثمانية بفرقة جديدة بقيادة خليل بك الامر الذي مكن العثمانيين من توجيه ضربة قوية اضطرت القوات البريطانية إلى الانسحاب والتراجع نحو الكوت بعد ان تكبدت خسائر فادحة بلغت في يوم 22 تشرين الثاني وحده 4511 قتيلا.

استغلت القوات العثمانية الانكسار البريطاني في المدائن، وقامت بتعقب القوات البريطانية المتراجعة، وتمكنت من محاصرة البريطانيين في مدينة الكوت في 7 كانون الاول 1915، وقد استمر الحصار حوالي خمسة اشهر، ذاق فيها البريطانيون ويلات الحصار، فاكلوا لحوم الخيل وخلعوا ابواب وشبابيك البيوت لاستعمالها في الوقود. وقد حاول البريطانيون عدة مرات انقاذ جيشهم المحاصر دون جدوى، واجروا مفاوضات مع العثمانيين لرفع الحصار مع استعدادهم لوضع مليون أو مليوني ليرة لخليل باشا قائد القوات العثمانية، لكنه امتنع عن قبول هذه الرشوة، واصر على التسليم دون قيد أو شرط، فاضطر البريطانيون إلى الاستسلام في يوم 29 نيسان 1916 بعد ان اتلفوا سلاحهم ومعداتهم وبلغ عدد القوات التي استسلمت 13500 جندي عدا الضباط وارسل هؤلاء اسرى إلى الاناضول والحقيقة ان تسليم الكوت كان نهاية محزنة لمشروع كان الهدف منه احتلال بغداد، وان خسائر البريطانيين منذ البداية حتى تسليم الكوت كانت كبيرة إذ بلغت 40 الف بين قتيل واسير، واخيرا فان تسليم الكوت كانت ضربة قوية لسمعة البريطانيين.

في الوقت الذي كانت القوات البريطانية محاصرة في الكوت عقدت بريطانيا اتفاقية سرية مع الحلفاء لاقتسام الممتلكات العثمانية، عرفت باسم اتفاقية سايكس-بيكو. فقد تم تعين البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو لإجراء المفاوضات نيابة عن الدولتين. ولابد من الاشارة هنا ان بريطانيا كانت في الوقت نفسه قد دخلت في مفاوضات مع الشريف حسين في الحجاز لتضمن مساعدته في الحرب ضد الدولة العثمانية، وقد اشترط الشريف حسين ان تكون هذه المساعدة متوقفة على اعتراف بريطانيا بأماني العرب القومية. واذ كانت الحكومة الفرنسية شاعرة باحتمال عقد صفقة عربية-بريطانية، وتواقة الى الحصول على جزء من الامبراطورية العثمانية لنفسها، فقد الحت على الاعتراف بمطالبها. ولما اقدمت بريطانيا وفرنسا على تحديد حقوقهما على هذه الشاكلة رغبتا في الحصول على مصادقة روسيا عليها، ومن اجل هذا ارسل سايكس وبيكو الى سان بطرسبورغ في اوائل ريع عام 1916. وهناك عرضا لائحة اتفاقيتهما وحصلا على مصادقة روسيا عليها، ولكن بعد ان كان الثمن الاعتراف بمطالب روسية اخرى في المنطقة. وقد اتخذت هذه الصفقة فيما بعد شكلا رسميا في 26 نيسان 1916 باسم اتفاقية سازونوف-باليولوغ. وقد اصبحت بعد ذلك جزءا من لا يتجزأ من التسوية العامة التي تمت بين روسيا وفرنسا وبريطانيا، والتي يشار اليها عادة باسم اتفاقية سايكس-بيكو، وتحتوي على الشروط الاتية:

1.تحصل روسيا على ولايات ارضروم، وطرابزون، ووان، وارمينية التركية، وعلى منطقة تقع في القسم الشمالي من كردستان، على الخط الممتد من موش، وزعرت، وجزيرة ابن عمر، والعمادية الى الحدود الايرانية. وهذه المنطقة تبلغ مساحتها 60 الف ميل مربع ممتدة في المساحة المحصورة بين البحر الاسود ومنطقة الموصل-اورمية، وتحتوي على ثروات غنية بالنحاس والفضة والملح.

2.تحصل فرنسا على القطاع الساحلي المشتمل على سوريا، وولاية اطنة، والمنطقة التي يحدها جنوبا الخط الممتدة من عينتاب وماردين الى الحدود الروسية المقبلة، وشمالا الى كيليكية.

3.تحصل بريطانيا على القسم الجنوبي من العراق، ابتداء من بغداد، وعلى مينائي حيفا وعكا في فلسطين.

4. يتألف من المنطقة الكائنة بين الممتلكات الفرنسية والبريطانية اتحاد لدول عربية صغيرة أو دولة عربية واحدة. وان تقسم هذه المنطقة من جديد الى منطقة نفوذ فرنسية وبريطانية. تتألف المنطقة الفرنسية من سوريا الداخلية وولاية الموصل في العراق، اما المنطقة البريطانية فتمتد ما بين فلسطين والحدود الايرانية.

5.ان تعلن الاسكندرية ميناء حرا.

6.ان تدول فلسطين.

من جانب اخر كانت الحرب في العراق ما زالت مستمرة ولم يحاول العثمانيون استثمار الهزيمة البريطانية في الكوت لمحاولة التقدم إلى جنوب العراق واعادة احتلاله وطرد البريطانيين منه، وانما ارسلوا قواتهم إلى ايران لمحاربة القوات الروسية، مما اضعف القوات العثمانية الموجودة في العراق، ومكن البريطانيين من تعزيز قواتهم من جديد وخاصة بعد تولي الجنرال ستانلي مود قيادة هذه القوات التي بدأت باستئناف الهجوم ضد العثمانيين منذ اوائل عام 1917، ودارت معارك هائلة بين الجانبين تضعضع فيها مركز العثمانيين الذين اضطروا إلى الانسحاب من الكوت إلى المدائن يوم 27 شباط وتحصنوا فيها، لكن البريطانيين استمروا في تقدمهم نحو المدائن مما دفع العثمانيين إلى الانسحاب نحو نهر ديالى في 6 اذار ثم انسحبوا من بغداد فدخلها البريطانيون بقيادة الجنرال مود فجر يوم 11 اذار 1917، وقد اصدر الجنرال مود تصريحه الشهير الى اهالي بغداد: "اننا لم ندخل بلادكم اعداء فاتحين، انما دخلناها محررين".

 

كان لاحتلال بغداد من قبل البريطانيين اثاره السياسية والعسكرية والنفسية على الوجود العثماني في مناطق العراق الاخرى، وقد واصل البريطانيون تقدمهم في شمال العراق فاحتلوا سامراء في 22 نيسان، والرمادي في 29 ايلول، وتكريت في 6 تشرين الثاني 1917، وبقي الجيش البريطاني عند الفتحة جنوب الشرقاط حتى اواخر تشرين الاول 1918 وكان على بعد 12 ميلا من القوات العثمانية في مدينة الموصل عند عقد الهدنة في 20 تشرين الاول 1918، وكانت الموصل بموجب اتفاقية سايكس-بيكو قد وضعت ضمن النفوذ الفرنسي، بينما وضعت بغداد والبصرة ضمن النفوذ البريطاني، غير ان بريطانيا ظلت مصممة على نقل الموصل الى سيادتها، فطلب قائد القوات البريطانية الجنرال مارشال، وكان قد تولى قيادة هذه القوات بعد موت الجنرال مود بمرض الكوليرا، في 19 تشرين الثاني 1917، من علي احسان باشا قائد القوات العثمانية في المدينة مغادرتها، وجرت مفاوضات بين الجانبين وافق فيها العثمانيون على الجلاء عن المدينة، ورفع العلم البريطاني عليها في 28 تشرين الثاني 1918، ولما كان من الممكن ان يشكل احتلال الموصل معارضة فرنسا، فقد تم تسوية الامر بأن تأخذ فرنسا حصة من النفط مقابل الموصل. وهكذا انتهت الاعمال العسكرية بعد ان امتدت زهاء اربع سنوات، وخضع العراق للإدارة البريطانية وقد كلف احتلال العراق البريطانيين خسائر فادحة قدرتها المصادر البريطانية، بحوالي مائة الف قتيل وجريح، هذا فضلا عن الخسائر المادية الهائلة، لهذا يمكن القول ان العراق كان من الجبهات الاساسية التي استنزفت العدد الكبير من الرجال والمال الوفير.

التعليقات

  1. مروه علق:

    رد: مر 100 عام على الاحتلال البريطاني للعراق

    بحث جيد بس ممكن تتوفر خدمه تنزيل للبحوث


إضافة تعليق