مدونة تهتم بدراسة تاريخ الحضارات الانسانية

د. اسامة عدنان يحيى

قمبيز هو الابن الأكبر لكورش الكبير، أشركه أبوه في الحكم خلال السنوات الثمان الأخيرة من حكمه، وقد منحه أبوه لقب ملك بابل. وكان لكورش ابن ثان يدعى بارديا أوكل إليه أبوه حكم الأٌقاليم الشرقية مـن الإمبراطورية وهي: خوارزم، وباكتريا، وباريثا، وكرمانيا. وكان قمبيز حسب ما تذكره المصادر غريب الأطوار قاسياً، وبعد وفاة كورش تولى قمبيز العرش(529-522 قبل الميلاد)، فبدأت الاضطرابات الناشئة عن المؤامرات التي يرجح اشتراك بارديا فيها فاتهمه أخوه بأنه يسعى لقتله ودبر أمر اغتياله.

                كان أول عمل عسكري يقوم به قمبيز هو التحرك باتجاه مصر، والواقع أن فكرة غزو مصر كانت من تنظيم كورش الكبير الذي كان قد أعد العدة لفتح مصر غير انه توفي قبل انجاز عمله العسكري، وكان قد أوكل مهمة تهيئة الحملة إلى ابنه قمبيز أثناء حياته.

                لقد كان هناك فارق كبير في الوضع السياسي في مصر بحلول عام 525 ق.م، إذ أن مصر لم تعد في الواقع قادرة على التصدي للفرس الأخمينيين، ونحن نعرف أن مصر كانت من ضمن حلفاء كروسوس سابقاً مما يعني أنها كانت تشعر بوجود الخطر الفارسي منذ فترة سابقة للغزو الاخميني. لقد كان فراعنة الأسرة السادسة والعشرين قد اعتمدوا في قوتهم العسكرية على المرتزقة الإغريق، وكانت مشكلة الإغريق في مصر عويصة، ويبدو أن تأزم الموقف في مصر يعود إلى تزايد نفوذ الدخلاء الاجانب في مصر وما كان من الفرعون أحمس الثاني (570-526 ق.م) إلا أن يحاول حل المشكلة، غير ان أحمس الثاني لم يرد أن يخسر صداقة العالم الإغريقي، كما لم يرغب أن يستفز شعور المصريين المعادي للإغريق، لكن ان ما أن كان الخطر يزداد على مصر من جانب الفرس حتى أخذ أحمس يعتمد تدريجياً أكثر فأكثر على الإغريق المرتزقة، فقد قام بتجنيد أعدادا كبيرة من الجند المرتزقة الإغريق تحسباً للخطر كما ضمن ولاء قبرص. أما قمبيز ملك فارس فقد عمل جاهداً لإعداد العدة لتجريد أحمس الثاني من حلفائه، فقد تمكن من محالفة بوليكراتيس حاكم ساموس الحليف السابق لأحمس الثاني، كما تحالف مع ملوك فينيقيا الذين زودوه قمبيز بعدة سفن فينيقية. فضلاً عن ذلك أن قمبيز قد حصل على مساعدة بدو خليج السويس، وهكذا وجد قمبيز لنفسه قاعدة قوية يتمكن بها من الهجوم على الأراضي المصرية، والتصريح لليهود ببناء معبد أورشليم، كما أن الفرس اكتسبوا إلى جانبهم عواطف الجنود المرتزقة اليهود الذين كانوا في خدمة الفرعون المصري. فضلاً عن ذلك أن الخيانة ساعدت كثيراً الفرس في احتلال مصر، إذ هرب أحد قادة أحمس الثاني من الاغريق ويدعى فانيس وهو من مدينة هاليكارناسوس، وانضم إلى معسكر قمبيز، وأطلعه على الأسرار العسكرية للجيش المصري.

تحرك الجيش الاخميني باتجاه مصر إلى الحدود المصرية ماراً بفلسطين، وأرسى أسطوله في ميناء عكا، وفي هذه الأثناء توفي أحمس الثاني، وتولى ابنه بسماتيك الثالث العرش، وكان الجيش الاخميني قد وصل إلى الحدود المصرية، وقد اتخذ من مدينة غزة قاعدة انطلاق باتجاه مصر. وعند بلوغه مدينة بلوزيوم (الفرما) اندحر الجيش المصري، وسقطت المدينة، وأعقبها اقتحام عين شمس ثم منف عام 525 ق.م. ويخبرنا نص مصري موجود حالياً في الفاتيكان عن دخول قمبيز لمصر: "أتى إلى مصر الملك العظيم لكل البلاد الأجنبية قمبيز على حين كان معه غرباء البلاد الأجنبية كلها، عندما استولى على هذه الأرض جميعها أستوطنها هؤلاء الغرباء". أما بسماتيك الثالث فقد عفا عنه قمبيز غير أن الفرعون السابق حاول إثارة المصريين ضد الفرس، فاشتط قمبيز في معاملته حتى أدى به إلى الانتحار.

 

 

التعليقات


إضافة تعليق